الرئيسية / ابداعات / شطيرة وجع هاملت – محمد محمود غدية 

شطيرة وجع هاملت – محمد محمود غدية 

شطيرة وجع هاملت

محمد محمود غدية*

 

لاحظ أن أنامل يدها، وهي تقدم فنجان قهوته المُرّة، طويلة ودقيقة ورقيقة. كانت صبوحة الوجه ضاحكة، يراها المرء فيحسب أن عذابات الدنيا قد انتهت، وأن الروح عادت إلى الأبدان. وجهها يضيء كالشمع، يحسبه في مثل نعومته الكافية رغم بساطته، يلفك في سحره، ولا ترغب في مغادرته.

الساقية يُجَنُّ من يراها، ترفل بجسد الحوريات في ملبسها الذي يخفي ويُظهر في بساطته وأناقته. لا بد أن يكون قويًا متحررًا من مخاوفه، قويًا رغم تفكك وانهيار حصونه، وخسارته المروعة في صديق عمره وشريكه في مكتب الاستيراد، بعد أن حرر له توكيلًا بالإدارة واختفائه بعد بيعه الأصول وسحبه الأرصدة البنكية. كان أمامه مُمَثِّلًا محترفًا، وطلاءً ذهبيًا كاذبًا. متى حككت الطلاء، لا تجد غير ذئب في صورة إنسان، وعش زنابير تتهيأ للدغك حتى العظام. كيف لم يكتشف أن محبته وابتسامته فصل في رواية الكذب والمداهنة والتملق؟!

ما أقسى من يبطن عكس ما يُظهر، ويبتسم في الوجه، ليطعن من الخلف!

النادلة تتنقل بين الطاولات في رشاقة، مثل ابتسامة مفاجئة في وجه إنسان متعب، قلما تنفرج أساريره. ما الذي قاده إلى هنا؟ يتوجع من غدر الصديق وضياع كل ثروته. ما أقسى أن تتلون مآساتك بلون القهوة المُرّة، لون الحزن ولون الموت، أن تفقد قدرتك على الخيط الفاصل بين النفس والروح، وجُمَ وسكن وانخطف لونه ونام.

يد حانية تربت عليه. لم يكن يحلم، النادلة هي من أيقظته، وعلى فمها تتخايل ابتسامة مشرقة، وقد تموجت على كتفيها خصلات شعرها الفاحم المسترسل ووجهها الصبوح، تناديه بصوت لا يُسمع ويتغلغل بداخله: “خذني سراجًا يزيح القتامة، ويُبعد عن مقلتيك الندامة.”

هل هو ثمل أم يحلم؟ إنه أمام امرأة مُدَّخَرَة، لم تدخل ساحته بعد! راقت له، سيدعوها في لقاء خارج الكافيتريا. وافقته بعد انتهاء عملها الذي ينتهي بعد قليل. حكى مآساته التي كانت أخف من مآساتها، بعد أن طلقها الزوج الذي من أجله هجرت بيت أسرتها، واستولى على ذهبها ومدخراتها. تعيش في لوكاندة مخافة العودة لأسرتها. تحمد الله أنها لم تنجب منه، وأنها ما زالت واقفة على قدميها تعمل لتعول نفسها. اكتشف من حوارها أنها كاتبة روائية، لها أكثر من مجموعة قصصية. أخرجت من حقيبتها أجندة تكتب فيها بعضًا من جواهر الكلم وإبداعاتها.

قرأت له قول هاملت لصديقه هوراشيو في مسرحية شكسبير: “هناك يا صديقي ما بين الأرض والسماء، ما يعجز وعيك المحدود عن إدراكه!” وتحت تأثير كآبة وصدمة هاملت في جنس البشر، كشف له شبح أبيه الملك المغدور، حقيقة ما وراء موته المفاجئ، وزواج أمه الملكة من عمه الذي قتل أخاه غيلة، واغتصب الملك والمرأة معًا. في قصة هاملت وجع لا يذهب.

قال لها: “إنه ما زال لديه شقته وسيارته، وسنذهب بهما إلى أقرب مأذون، لنكتبا معًا قصتنا الجديدة، بعد أن تنفسا لأول مرة أصدق عواطف الابتهاج، في عدم البكاء على اللبن المسكوب، ومسؤولية تحمل أحزانهما بشرف.”

 

قاص من مصر

عن madarate

شاهد أيضاً

العدد الواحد السبعون السنة السابعة مارس 2026

   

اترك تعليقاً