الرئيسية / الأعداد / الفن وفعل المقاومة عند الفنانة زكية مركوم- محمد سعود

الفن وفعل المقاومة عند الفنانة زكية مركوم- محمد سعود

الفن وفعل المقاومة عند الفنانة زكية مركوم

محمد سعود*

زكية مركوم فنانة شاركت في عدة معارض وطنية وخارج المغرب خاصة في فرنسا التي أقامت فيها لمدة غير وجيزة. تتميز أعمالها الفنية بعزلة اختيارية وقسرية في نفس الوقت أَمْلَتْها ظروف قاسية في صراعها مع المرض الذي جعل مواضيعها تتسم بالكفاح مما يؤسس لعلاقة جوهرية بين العمل الفني وفعل المقاومة. متماهية مع نفس تأسيس الفيلسوف الفرنسي جول دولوز Gilles Deleuze لهذه العلاقة.

 كل شخوصها المعزولة في لوحاتها أو في إنشاءاتها الجمالية تتموقع في فضاء الطبيعة، كأن تكون وسط أزهار عباد الشمس كما في هذه اللوحة وكأنها بدورها في بحث دائم عن النور الذي تتغذى به وسط عتمة هذا العالم على عكس الزهور التي رسمها الفنان الهولندي فانست فان خوخ في سلسلة من سبع لوحات شهيرة.. تُصَوِّرُ تطور زهور عباد الشمس، من بداية إزهارها إلى ذبولها، وكأنها تسرد لنا مراحل العمر. إلا أن القاسم المشترك بينهما هو استعارة رمزية لزوال الحياة..

يتجسد العنصر الأساس في كل لوحاتها من المرأة التي تدير ظهرها للمتلقي وتلوي بوجهها عنا وكأنها تدين من ينظر إليها، هي شخوص لا تكشف عن وجهها ودون ملامح، ضائعة وسط فضاءات من الطبيعة، لا أثر لكائنات بشرية تحيط بها لتؤازرها، تبدو منهكة أحيانا في حالة سكون تام، وتارة تتحرك نحو أفق غير محدد المعالم. يبقى المجهول هو الموضوع وهذا الإنسان المجهول الذي هو امرأة دون ملامح مما يزيد من غموض هذا المشهد في كل لوحة، ورغم هذه الحالة النفسية الحزينة تبقى أعمالها مفعمة بالشاعرية تقدمه لنا الفنانة والشاعرة زكية مركوم في سرد بصري تعجز الكلمات في بعدها اللغوي عن نقل ما يجري إذا اكتفينا بما هو مرئي، لأن اللامرئي هو الجوهر الذي لا تبوح به الألوان إلا من جَرَّبَ الألم وخَبِرَ الحياة في تقلباتها التي لا تستقر على حال.

الفنانة زكية مركوم تنقل لنا هذا الصراع والكفاح لونا برهافة حسها دون أن تهتم بالتفاصيل الصغيرة في لوحاتها لأن هذه التفاصيل لا يمكن إدراكها إلا بالبصيرة، كما أن مؤثرات ارتباطها بالطبيعة لا تخلو منها أعمالها الفنية لأنها عاشت بين أحضانها قبل هجرتها إلى فرنسا ثم إسبانيا، قد لا تكون حتما نفس زهور عباد الشمس التي وظفتها هنا للتعبير عن حالة، ولكنها تبقى زهورا مفعمة بالحلم والحياة. لتستمر الحياة بتوهج اللون والمقاومة لتقلبات الدهر. لا شيء مستحيل ولا حاجز يقف ضد انطلاق الريشة في عنفوانها ولماستها التي تتداخل فيها الألوان والعناصر دون خطوط أو حدود. ليبقى الامتداد هو بؤرة الاشتغال والاشتعال في نفس الوقت لتحرر شخوصها المحورية من عزلتها وعمق السؤال.

فنان تشكيلي وباحث في الجماليات من المغرب

 

 

عن madarate

شاهد أيضاً

حلاق قريتي – عمر ايت سعيد

عمر أيت سعيد*   يبدأ الجمال حين يستقبلك الحلّاق الفنان في صالونه المتواضع بابتسامته الرقيقة …

اترك تعليقاً