الأدب والفلسفة، أية علاقة بينهما؟

عبدالله فراجي
أود في البداية أن أتقدم بخالص امتناني، وشكري العميق، للمشرفين على هذه المبادرة الطيبة، من أجل دورات شعرية شهرية لتكريم الأدب والأدباء بصفة عامة، والشعر بشكل خاص. وأذكر هنا الأساتذة والأدباء الأعزاء والعزيزات في إدارة هذا المقهى الأدبي الجميل، وفي لجنة الإشراف على اللقاءات الشعرية الشهرية، كل واحد أو كل واحدة بأسمائهم وحضورهم وإبداعاتهم، لأنهم هم أيضا مبدعون وكتاب لهم اعتبار، ولهم حظوة، ولهم تألق وفرادة.

أتشرف في هذا اليوم الجميل، وكما قال الفيلسوف الألماني مارتن هايدجر Martin Heidegger (1889 – 1976) “هنا والآن”، بأن أكون أمامكم، بمفهوم آخر غير مفهوم هايدجر في الدازاين Dasein (الوجود الإنساني في المكان)، كماهية أولا، وكصيرورة نحو الموت؛ حفيا لهذه الدورة الخاصة بالأدب والفلسفة، ولكن: “هنا والآن” من أجل الحب والحياة، والإبداع والجمال، وأنا أعلم أن الكتابة موقف ورأي من الإنسان والحياة والكون والمجتمع، وهي أيضا تفكير وتنظير ومفاهيم وفلسفة.
إنها طبعا قراءة خاصة، مُفَكَّرٌ فيها، للكون وللحياة، قبل أن تصير مقروءا أو مقروءة كنص إبداعي، ينفلت من يدي الكاتب ليصير ملكا لقارئ مفترض، يكشف ملامحه، ويستقرئ رموزه، ويعري دواخله. الكاتب يكتب ما يشاء وكيف يشاء، يحدد أسلوبه ويتفرد به، أو يكسر قواعد اللعبة ويخلق الاختلاف عن غيره وحسب رؤياه ورؤيته. ولذلك قال الزجال الكبير ادريس أمغار المسناوي سائرا على نهج بارت بأن الكتابة أسلوب، وقال أيضا في هامش من الهواش العديدة على نصوصه الزجلية في ديوان ” شط الليل” إن الكتابة لعبة عند البعض، وهي عند البعض الآخر كذب وبهتان، وهي عند صنف ثالث بمثابة عملية احتراق”.
وكيفما كان الأسلوب، وكيفما كانت الكتابة، هل هي لعبة أم كذب أم احتراق، فإن القارئ يجعل منها افتراضا للغوص في تجربة الكاتب، واستقراء تصوراته وأفكاره ومواقفه. والقارئ يفهم أولا، ثم يتعقل بعد ذلك، وأخيرا يتأول المقروء. وأعود مرة أخرى إلى فيلسوف ألماني آخر هو إيمانويل كانط Emmanuel Kant (1724 – 1804) الذي تحدث عن الفهم l’entendement الذي يتطلب حضور ملكة الحكم والتحليل، قبل التعقل la rationalisation الذي يكتشف العلاقات المنطقية البنائية. إنه إذن تواتر صعودا أو نزولا ما بين قراءة وفهم وتعقل ثم تأويل. ولا يقوم النقد إلا كقراءة من هذا الصنف، ولو أنها تختلف بشكل كبير عن قراءة قارئ عادي.
وأستحضر هنا ما قاله الناقد المصري الدكتور صلاح فضل (1938 – 2022) حول القراءة النقدية من حيث كونها قراءة عاشقة خاصة للنص الأدبي، ولكنها ككل القراءات هي قراءة تنظيرية، تبحث في تمفصلاته، وفي بنائه، قبل أن تبحث عن مفاتيحه، وتؤوله وَفْقَ قواعد ومفاهيم نظريةٍ دقيقةٍ، أي أنها تنتج خطابها التحليلي والعقلاني المنطقي حسب خطاطات نظرية Schèmes théoriques تكون مُفترضةً منذ البداية، أوقد يظهرها التحليل، ويكشف عنها من خلال البحث والتدقيق. إنها تعيد بناء النص، حتى لا نقول “إعادة إنتاجه” ونستعمل في ذلك مصطلحا اقتصاديا. ‘نها تعيد تركيبه بشكل خاص، بالاعتماد على مفاهيم وتحليلات ونظريات نقدية خاصة، من أجل إظهار مراميه وكشف بنيته الدلالية العميقة.
ولا شك أن لقاءنا هذا يروم ذلك، فهو يبحث من خلال مداخلتيه النقديتين وآراء كل المشاركين عن هذا الناظم الذي يجعل الأدب قراءة للكون والحياة وموقفا إبداعيا فلسفيا، وكتابة بيانية ولغوية ذات دلالة وذات قيمة.
ولنقل إنها الفلسفة عندما تكون حاضرة في النص الأدبي، على مستوى الإبداع وعلى مستوى القراءة، وهي كذلك، لأن أية كتابة إلا ويحضر فيها الموقف والرأي، وتحضر الرؤيا، ويحضر الفكر الفلسفي.
فهنيئا لنا جميعا أن اجتمعنا هنا والآن لنتناقش في هذه العلاقة القوية بين الفلسفة والأدب، ونفهم لماذا يقال على سبيل المثال أن فيودور دوستويفسكيFiodor Dostoïevski (1821 – 1881) أعاد من خلال رواياته تشكيل الكون؟ ولماذا قام أرسطو الفيلسوف الكبير (عاش ما بين سنتي 384 و322 قبل الميلاد) بالكتابة عن الشعر أو فن الشعر أو في الشعر (حسب عناوين الترجمات التي تمت لكتابه الشهير)؟ ولماذا نقول ونردد أن أبا العلاء المعري كان فيلسوف الشعراء؟
إنها مبادرة رائدة على مستوى الزمان والمكان، تحرك ما سكن أو كاد أن يتلاشى في بحيرة الإبداع والمبدعين؛ والشكر موصول طبعا، ومرة أخرى، لمن حرك نوارسها، كما يقول صديقي الروائي الجميل هشام ناجح.
هذه اللحظات البهية الرائعة ينسج ملامحها الحضور النوعي الخاص، ويؤطرها مبدعون ونقاد أتوا إلى الأدب من مشارب وتوجهات مختلفة، من الشعر والنقد والقصة والرواية، وأيضا من الفلسفة كتخصص وكمعرفة عامة، لأنها تظل دائما بمثابة أم للعلوم والفنون والآداب.
وأقول أخيرا وليس آخرا، لكم مني جميعا أيها الأعزاء أيتها العزيزات، كامل الشكر والتقدير في القراءات النقدية، وفي الشهادات، وفي الإشراف والتأطير، وفي تشريفنا بالحضور الراقي والمتفرد.
والسلام عليكم ورحمة الله
السبت 24 ماي 2025 بالمقهى الأدبي ميشيل جوبير
مكناس(المغرب)
هوامش:
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي