أخبار عاجلة
الرئيسية / ابداعات / زينب – أحمد المؤذن

زينب – أحمد المؤذن

زينب

أحمد المؤذن

أخبئ لها في جيب بنطلوني السكاكر الملونة، أركض وأركض بعيداً عن حينا، خطواتي الصغيرة يذهب تعبها حين تفتح لي باب بيتهم الخشبي الكبير وأعرض عليها ما عندي، يمتلئ فمها بالألوان والضحك، أقضي معها النهار في اللعب، في كل مرة تغلبني، لأني لا أعرف هذه اللعبة جيداً “الصبة” هكذا يسميها الكبار ولكني أسميها لعبة زينب.

لم أسألها لمَ هي أطول مني؟ لكن النهار معها قصير حيثُ أترك أصحابي من الذكور، كثيراً ما ينعتوني ساخرين “أبو البنات” فأدخل معهم في شجارات لا تنتهي.. ذات مرة رميت أحدهم بحصاة شججت رأسه وهربت!

يستحق فقد نعت زينب بالحولاء ومد لسانه وهو يتمايل هزلاً وتحدياً. زينب أحلى البنات وأكثرهم طيبة، ذاك الأهبل لا يفهم.

خلاص.. انتبهتُ من غفلتي على صوتها. السكاكر ذابت في فمها، شاكستني بجديلتها السوداء تزينها الشرائط الوردية ثم.. قبلتني!

اتقد خداها خجلاً ملائكياً.. على ماذا تشكرني زينب؟ السكاكر لم اشتريها من مصروفي ولا هي من جدتي، انتقيتها فقط من كيس “ليلة الناصفة” عندما تجولت في بيوتات القرية وتسابقت مع الأطفال وكنزي ينتفخ ويزداد ثقلاً من باب إلى آخر.

أنا.. أنا تقبلني زينب! منذ الآن هذا هو سري، لملمته في حياء وجهي، وركضت هارباً. هارباً إليها كل يوم نمارس ألعابنا البريئة.

وذات يوم.. قررت كسر حصالتي الخزفية. كسرتها مستشعراً في نفسي خسارتها، لكن زينب تستحق كل مائة فلس بداخل جدارها الخزفي المستدير ويا لدهشتي بعد عد القطع المعدنية.. ثلاثة دنانير!

ثلاثة دنانير دسستها بحرص في جيب بنطلوني الحليبي. أمي منشغلة بأعباء البيت، تسللت حتى أصبحت حراً، ثلاثة عشر سنه من عمري تجعلني جريئاً بما يكفي للقيام بالرحلة، أنا رجل كبير!

وها أنا أتشارك الانتظار مع الناس عند محطة النقل العام ولا أحد يسألني أو يتطفل عليّ.. هنا امرأة متوارية في سواد عباءتها المغبرة، تحمل طفلها الرضيع يضج ببكائه ورجل أشعث الشعر تفوح منه رائحة غريبة، يدخن ويواصل البحث والتفتيش في الشارع، تقفز عينيه الجائعتين إلى النساء والفتيات، أما أنا فيقفز خيالي إلى ضحكتها، فيها شيء يشد روحي لا أعرف كنهه، شيء يستعصي على تفسيري، هكذا يربكني ولا أجرؤ على البوح به إلى أحد.

لم يتسنى لي الوقت أكثر وخيالها يشاكس أفكاري حتى أقبلت الحافلة ويا لخيبتي، مكتظة عن آخرها، أنا فقط في آخر الصف، أغلق السائق بوجهي الباب وكأنه طردني من حلم النهار الجميل ثم توارت الحافلة بعيداً، هنا تتركني في حيرة السؤال.. لماذا أنا بالذات أقفل هذا السائق ذي الأنف المفلطح الباب بوجهي؟!

ما كدت بعد ألملم خيبتي وأنسحب من المحطة حتى باغتتني الضربة، تلوث قميصي برائحتها العفنة، حيث سال عصيرها الفاسد وتحولت لأجزاء صغيرة عند حدود المفاجئة والاستفزاز، ليتبين لي أنها نيران صديقة!

إنه هو.. الذي نعت “زينب” بالحولاء، يرسل انتقامه الجبان ببرتقالة متعفنة من قمامة السوق. هذا ما ينقصني الآن، هذا الأهبل لا يكتفي بمقالبه السخيفة في المدرسة فقط، بل يستمر في استهدافي، أيظن أنه سيفلت من انتقامي وغليان غضبي؟

فانطلقت صوبه وقد تزعزعت نظراته المرتبكة وفر من أمامي تاركاً فردته اليمين، أطارد غباره في الأزقة، أركض وأركض وفي يدي بقايا البرتقالة، حتى إذا ما ظفرت به أمسحها بوجهه الأحمق، لكني لا أجاريه في سرعته وكأنه بأربعة أرجل!

تاه مني وفقدته في الأزقة، توارى شبحه ولا أثر له، أسندت تعبي إلى الظل وأنا ألهث، يأكل مني الحر والعرق.

بعد الراحة، خطيت أسمها على صفحة التراب، لم أرتب هذا الأمر، خطيت الاسم بعفوية روحي، ملائكية البياض تحلق في فضاءاتها، متذكراً لحظات السعادة، هكذا شيئاً ملوناً مثل السكاكر التي خبأتها لها، هكذا مثل ضحكاتها وهي تشاكس وجهي بجديلتيها، فضحتني الضرة فأطلقتها على غير ما أردت وهي تغرق في ضحكها الجميل.

ثم ها هي تُولد من الرمل تخرج من حروف اسمها الأربعة، كانت قد مرت أمامي وهي تتبع أمها، على ما يبدو تحمل بعض الملابس المتسخة في علبة كارتونية، في طريقها إلى العين، حيث تتجمع نسوة القرية لغسيل ملابسهن وتحميم أطفالهن.

تلك العباءة الرثة، أطول منها، ربما هي لطفلة أو لإحدى الجارات اللائي استغنين عنها، فأُعِطيت لزينب لتلبسها، كانت تخب على وجه التراب فتثير الغبار، تخترقه أشعة شمس الصباح، تلوح بكفها الصغيرة وتضحك وهي خلف أمها.

أبادلها الضحكة قبل أن تغيب في انعطافة الغبار وذيل عباءتها يختفي، فأنهض من مكاني، آثرت الاستمرار في الفكرة التي خرجت من اجلها هذا الصباح، نعم أشعر الآن بالحماس يحملني إلى محطة النقل العام، لا بأس من انتظار حافلة الخط الثاني وسأنطلق إلى “المنامة”.

إلى هناك، إلى سيل البنايات المرتفعة والوجوه الأجنبية الكثيرة وبضائع متنوعة أراها لأول مرة، ها أنا في “المنامة” المكان الذي طالما طالبت أبي باصطحابي إليه، مرات كثيرة وأبي يعدني ولكن في كل مرة يخلف وعده.

أخذت أتجول في الشوارع العامرة بالبضائع القادمة من وراء البحار، أتذكر معلم الجغرافيا عندما تحدث عن الأنشطة التجارية التي تتعامل بها البلاد، ها أندا أكتشف أشياء كثيرة عن بلادي. فماذا أشتري لزينب؟

تتنوع المحلات أمامي فتزداد حيرتي إلى أن وصلت محلاً مختلفاً. الواجهة الزجاجية للمحل تعرض مصوغات ذهبية رخيصة، بالطبع ليست أصلية ولكن أشكالها جميلة حيث كان الهندي يعرضها عليَّ. وهكذا اشتريت ما أعجبني بنصف المبلغ الذي بحوزتي، زينب تستحق هذه القلادة والقرطين على شكل الفراشة، كم ستفرحين يا زينب.

هرولت في هذه الشوارع، أعرف موقع المحطة الرئيسية للحافلات عند مبني البلدية حيث يرفرف العلم فوق الصارية، نفس الصورة المطبوعة في كتاب الجغرافيا، سؤال هنا وهناك فوصلت.

انتظرت الحافلة حتى ظهرت، حشود كثيرة من الخلق تصعد وتنزل ولم أعرف كيف أخترق بقامتي القصيرة هذه الحشود حتى أبلغ الباب، حاولت حتى نجحت ولكن تكدست الناس جلوساً ووقوفاً، لم يكترث بي أحد، المهم أنني كنت أتعجل الوصول إلى القرية وها قد وصلت مع أذان الظهر. هرولت إلى باب بيتها، أشتاق لرؤيتها حاملاً الهدية الملفوفة في الكيس الورقي الملون وهذا آخر جدار أمامي أنعطف خلفه فينكشف بيت زينب، فقط لو أطير في الهواء مثل “سو برمان”.

ولكني وجدت المشهد شيئاً آخر، قلبي يكاد يطير خوفاً من صدري. ما بال هذا التجمع المشئوم من عباءات النسوة تحاصر بسوادها بيت زينب، بكاء وهمهمات ومزيد من النسوة تتجمع، أتذكر شيئاً يشبه هذا التجمع، يوم ماتت جدتي على فراشها ولم تستيقظ كعادتها قبلنا لتحثنا على أداء صلاة الصبح، لحظات حتى تكاثرت النسوة من الجارات والأقارب على باب بيتنا. امرأة عمي حجبت عني قسوة المشهد وأعطتني شيء يؤكل وحملتني إلى بيت آخر.

من يبعدني الآن عن كل هذا الصخب الخائف؟

الآن يضربني نفس الشعور، أهجس مكروهاً وقع في هذا البيت ولا أعرف القصة.. زينب هل أصابها مكروه؟ القصة كما ترويها إحدى الجارات لأختها، أن أم زينب وقعت مغشياً عليها في البيت وأخذ جسدها ينتفض وخرج الزبد من فمها وفاضت الروح إلى خالقها.

فتحة صغيرة من جدار العباءات وقلبي يدق بشدة رأيت زينب متعلقة بجسد أمها المسجى في فناء البيت، تحجبه بطانية رثة، تبكي وتبكي مبعثرة الشعر والمشاعر.

إنها المرة الأولى التي أرى فيها زينب على هذا الحال، أشعر بالعجز ثم أقرفص عند الباب وأستسلم لكل هذا، يسقط مني الكيس، يسقط فرحي وأتورط مع الوجوه المحتشدة أبكي لبكاء زينب.

 

*زينب.. تحولت لفلم قصير، سيناريو فريد رمضان ومن إخراج محمد ابراهيم، حيث شارك في عدة مهرجانات سينمائية دولية.

 

قاص من البحرين

 

 

عن madarate

شاهد أيضاً

القلق الوجودي في شعر ياسين بُعبسلام – بدر متشو

بدر متشو*   تقديم: يسعى هذا المقال إلى بيان ثيمة القلق الوجودي في شعر الشاعر …

اترك تعليقاً