المنسوجة المعاصرة فن متحول في بيئة رقمية
عمر عياد*
الملخص:
يمثل التطور التكنولوجي والوسائط الرقمية الحديثة محور مسائلة فنية تستدرج قيم التواصل بين المنسوجة ببعدها المادي وبين حدود توظيف الثورة الرقمية في مجال الابداع لا سيم في مجال النسيج وذلك بتوظيف طرق انتاج مبتكرة ومستحدثة وقد لعبت التكنولوجيا دورا محوريا في اعادة اخراج المنسوجة التقليدية من الحرفة الى الشكل نحو المسائلة والمشكل في إطار عمليات انتاج يعيد التفكير في المنسوجة ببعدها المادي ضمن إشكالية المعاصرة. ومن حلال الاداء التكنولوجي والتقني تكمن جملة من الإشكاليات التي تبحث في مسالة المنسوجة الفنية ما ين المادي واللامادي كوسيلة للتعبير عن مضامين التحول ومقاصده في رهانات الفن المعاصر تجاه التراث والهوية الإبداعية.
Summary:
Technological development and modern digital media are at the center of artistic questions that draw the values of communication between the textile with its physical dimension and the limits of the application of the digital revolution in the field of creativity, especially in the field of textiles, by the employment of innovative and updated production methods. Technology has played a pivotal role in the reextraction of traditional textiles from craft to form towards accountability and problem within the framework of production processes that rethink the textile with its physical dimension within the problem of contemporary. Through technological and technological performance lies a number of problems that are considered in the issue of artistic textiles, between material and intangible, as a means of expressing the contents and purposes of transformation in the bets of contemporary art towards heritage and creative identity
المقدّمة
لطالما مثّل النسيج أحد أعرق الفنون اليدويّة وأكثرها التحاما بحياة الإنسان اليوميّة والثقافيّة، حيث شكّل منذ القدم مرآة للهويّة، وسجلاً للذاكرة الجمعيّة، ووسيلة للتعبير عن الانتماء الطبقي أو الجغرافي أو الطقوسي. غير أنّ هذا الفن الذي نشأ في رحم الحرفة التقليديّة، ودُوِّن على أنوال الطين والخشب والخيط، وجد نفسه في العصر الرقمي أمام تحوّلات جذريّة مسّت بنيته ومفاهيمه وطرائق إنتاجه وتلقّيه. فبين رهانات الإبداع الجديدة التي أتاحتها التكنولوجيا، وتحدّيات المسؤوليّة تجاه التراث والبيئة والهويّة،
اتجه الفنان إلي استخدام أساليب مستعارة من مجالات فنية أخرى فاحتوت أعماله النسيجية على صباغة، بصمات، أستنسل، كولاج ورسم زيتي، كما أثري سطح مشغولاته بتأثيرات ملمسية من خلال إضافة تطريز، تريكو، عقد مكرمية، كروشيه وبذلك استطاع الفنان أن يتحرك بين مجالات الفن المختلفة وذابت الفوارق الاستخدامية للخامات، فاحتوى المسطح النسيجي على تطريز، أباليك، وخامات متنوعة وغيرها من الخامات التي أدخلها في مجال عملياته الابداعية والنسيجية لتطوير ثراء السطوح النسيجية تشكيلياً وجمالياً.
ليحضر الفن الرقمي بكونه، “تطويع التكنولوجيا الحديثة وتقنية المعلومات لخدمة الفنون بمختلف أشكالها، وإنشاء أعمال فنية مرئية أو سمعية أو محسوسة” (قبوس، مها أحمد، 2011، صفحة45) ، في مجال إنتاج الأعمال النسيجية المعاصرة ويصبح امرا واقعا يفتح آفاقاً جديدة للتشكيل والابتكار من خلال تصميم النماذج الرقمية معقدة لأعمال نسيجية واستخدام برامج التصميم الرقمي وهذه النماذج يمكن أن تتضمن أشكالاً وزخارف غير تقليدية صعبة التنفيذ بالأساليب اليدوية التقليدية. كما تحضر تكنولوجيا الرقمية بالطباعة المباشرة على الأقمشة باستخدام الطابعات الرقمية إدخال تفاصيل دقيقة وألوان غنية في أعمال الفنانين.
ليقف فن النسيج اليوم على عتبة أسئلة جوهريّة تعيد النظر في شروط وجوده المعاصر. كيف يمكن للنسيج أن يتطوّر دون أن يفقد عمقه الروحي؟ وهل يستطيع الفنّان المعاصر أن يوفّق بين الإبداع الحرّ والمسؤوليّة الأخلاقيّة والثقافيّة؟ هذا ما سنحاول تفكيكه فيما يلي.
- النسيج كفنّ متحوِّل في البيئة الرقميّة
لم يعد النسيج في العصر الرقمي، مقتصرا على الطُرُز التقليديّة أو الأنسجة اليدويّة ذات الطابع المحلّي، بل أصبح يتجاوز بنيته الحِرفيّة نحو أفق بصري مفاهيمي متطوّر، تُعيد من خلاله الوسائط التكنولوجيّة تشكيل العلاقة بين الفنّان والخامة، بين الذاكرة والتقنية، وبين الماضي المتجسّد في الطقس النسيجي والراهن المتحوّل في واجهات الشاشة. لقد غدا النسيج اليوم أكثر من مجرد بنية زخرفيّة تُنظّم بالخيط والعقد، بل أصبح نظامًا بصريًا معقّدًا يتفاعل مع الخوارزميات، ويتعالق مع البرمجيات، ويتماهى مع أشكال جديدة من الإدراك الحسي والتأويل البصري. فلم تعد الخامة تُقاس بملمسها أو بثقلها أو بقدرتها على التحمّل، بل بما تتيحه من إمكانات رمزيّة وقرائيّة، إذ تُصبح الألياف الرقميّة معادلاً بصريًا للخيط اليدوي، وتغدو الشاشات امتدادًا للأنوال التقليديّة، لا قطيعة معها فلم يعد. الفنّان صانعًا يدويًا فقط، بل مبرمجًا للّون والإيقاع والتقابل، إذ باتت أدواته تتراوح بين برامج التصميم ثلاثيّ الأبعاد، والمولّدات الخوارزميّة، والمنصّات التفاعليّة. وهذا ما يجعل من “النسيج الرقمي” ممارسة تستند إلى البُعد التصويري والرمزي. “والنسيج ليس مجرّد تشابك بسيط للخيوط، بل هو تنظيم لتدفّقات، ومخطّط حيّ للعالم” (Gilles Deleuze & Félix Guattari 1980, p. 551)، حيث لا ينظر هذا التصوّر الفلسفي إلى النسيج بوصفه ممارسة يدويّة أو شكلا زخرفيا فقط، بل يُعيد تأويله كآليّة وجوديّة تعمل على ترتيب العالم بصريًا وانسيابيًا. فكل خيط لا يُمثّل عنصرًا معزولًا، بل يدخل ضمن شبكة من العلاقات الحركيّة التي تُنتج المعنى، وتُعيد رسم العلاقة بين العناصر في حيّز زمانيّ ومكانيّ متحرّك. ووفق هذه القراءة، لا يُنتج النسيج مادّة محسوسة فحسب، بل يُنتج رؤية، ويوزّع الطاقة، ويُجسّد البُنية الحيّة للعالم، ما يفتح هذا إمكانيّة تأويل النسيج الرقمي بوصفه ليس تطوّرا ماديًا فقط، بل تحوّلا في طبيعة السرد البصري ذاته، حيث لم يعد الشكل غاية في ذاته، بل حاملًا لبنية رمزية قابلة للقراءة. فالنقوش ليست مجرّد زخرفة، بل خطاب لغويّ يُكتب بلغة الخيوط، وتُعاد صياغته بخطابيّة الشفرة الرقميّة. وغدت الخامة التي كانت شاهدا على زمنيات الانشاء الحرفي والصّنعة تتماهى مع مفاهيم مثل “التفاعليّة”، و”المرئيّ الافتراضي”، و”التشغيل البرمجي”. فلم يعد النسيج يُنجز في صمت الورشات المعزولة، بل يُبثّ مباشرة عبر الشبكات، يُعاد تعديله بصريًا من قِبل الجمهور، يُخزّن، يُفلتر، يُحوّل إلى مجسّم أو صورة ثلاثيّة الأبعاد قابلة للعرض في فضاءات ميتافيرسية. من هنا يتولّد مفهوم جديد للنسيج لا كمادّة تُلتحم، بل كخطاب بصري يتقاطع فيه الحرفي بالجمالي، والتقني بالرمزي واللوني واهم ما يميز برامج تصميم المنسوجات الرقمية هي القدرة على تجربة الألوان والأنسجة والأنماط المختلفة واستكشاف إمكانيات التصميم. كما توفر برامج تصميم المنسوجات الرقمية معاينة التصميمات في بيئة افتراضية، “يتميز فيها الفن الرقمي بالدقة والابتكار في إنتاج الأعمال الفنية المرئية أو السمعية أو المحسوسة، والتنوع واللامحدودية في الأفكار والتطور من خلال استخدام البرمجيات الرقمية” ( سماحة، وفاء محمد، 2017.،صفحة158)، تعطي محاكاة للمنسوجة قبل النسج والسماح بادراج التعديلات اللازمة لتحقيق الرؤية الإبداعية للفنان، ولا يقتصر دور برنامج تصميم المنسوجات الرقمية على تبسيط عملية التصميم فحسب، بل يعمل أيضًا على رفع مستوى الدقة والدقة في إبداعاتنا، ومن بين أنواع البرامج التصميمية النسيجية Weave It Pro وبرنامج WeavePoint

الوجه التصميمي للنسيج على برنامج الوجه التصميمي للنسيج على برنامج
weave point weave it pro software
ولعلّ ما يُميّز هذا الجيل الجديد من الفنّانين الرقميّين، هو قدرتهم على إعادة توظيف هذا الإرث النسيجي الغنيّ ضمن معالجات تخييليّة جديدة لا تنفي المرجع، بل تعيد صياغته وفق منطق العصر. فهم لا ينسجون فقط، بل يبرمجون، لا يزخرفون وحسب، بل يشكّلون نصوصًا حيّة متحوّلة، حيث يصبح التكرار الآليّ وحدةً إيقاعيّة، والخطأ البرمجيّ عنصرًا تعبيريًا، والملمس الافتراضيّ وسيطًا حسيًّا. وهكذا تتقاطع في أعمالهم مشهديّة النسيج التراثي بنسق الصور المتحرّكة، وتتزاوج العلامات الرمزيّة بالتقنيّات السينمائيّة والضوئيّة، ليولد شكل هجين، مركّب، معقّد، هو النسيج المعاصر بجمالياته الخاصة، ” فالجمال في ذاته ليس وجوداً ولابد لقوة حاسّة من أن تستشعره” (عفيف بهنسي، 1972، ص 69-70.)
وهنا يغدو من المشروع أن نسأل: هل نحن بصدد تجاوز مفهوم “الخامة” كما عرفناه؟ أم بصدد إعادة توسيعه ليشمل ما هو افتراضي، متبدّل، وغير ملموس؟ إنّ النسيج الرقمي لا يُعيد فقط إنتاج الحكاية القديمة، بل يُحدث قطيعة معها في المستوى الحسّي، ووصلاً معها في المستوى الرمزي. وبين هذين القطبين، يولد شكل ثالث، مفهومي، مفكّك، يؤسّس لمسار جديد للفنّ النسيجي في زمن الصورة، وزمن الكود، وزمن التجربة التفاعليّة، فعندما يكون المثير الجمالي غير مألوف أو جديدا تسود الرغبة في التعرف إليه ومن ثمة يفضل على غيره، أما عندما يصبح هذا المثير مألوفا، فإن التشبع به يتصاعد ومن ثمة يؤدي التعرض الإضافي له إلى تناقض التفضيل الخاص به.” ( د. شاكر عبد الحميد. 1978. ص 53)
لتحضر في هذا السياق اعمال الفنان ‘ شين بيرلي-دوتشر. Shane Perley-Dutcher’ مثيرة ومختلفة وهو فنان الوسائط المختلطة من ‘ولاستوك’ في ‘نيو برونزويك’. تدرب في كلية نيو برونزويك للحرف والتصميم، وحصل على دبلوم في الدراسات الفنية للسكان الأصليين وتصنيع المجوهرات. يستمد شين إلهام تصميمه من المعرفة التقليدية والجماليات المعاصرة. يستخدم شين مواد طبيعية مثل خشب البتولا والأرز والتنوب والرماد والنحاس والفضة والذهب والبلاتين لإنشاء خطوط فريدة من المجوهرات والمنحوتات الفريدة من نوعها. يجمع شين مواده التقليدية لفنه لأنها تحافظ على ارتباطه بالأرض، وتشتمل على جزء مهم من رحلته الإبداعية تدمج تقاليد الزينة والجماليات والتقنيات المعاصرة اين جمع بين النسيج في الاسلوب والنحت كتقنية معتمدا التطبيقات الرقمية في التصميم.

Shane Perley-Dutcher, 𝘗𝘢𝘭𝘪𝘵𝘢𝘩𝘢𝘮𝘴𝘰/𝘗𝘳𝘰𝘶𝘥, 2023; 𝘞𝘩𝘦𝘳𝘦 𝘞𝘢𝘵𝘦𝘳 𝘮𝘦𝘦𝘵𝘴 𝘭𝘢𝘯𝘥, 2020; 𝘚𝘬𝘪𝘵𝘬𝘰𝘮𝘪𝘬𝘸/𝘔𝘰𝘵𝘩𝘦𝘳 𝘌𝘢𝘳𝘵𝘩, 2020; 𝘛𝘩𝘦 𝘊𝘳𝘰𝘸𝘯, 2024.
2. بين الإبداع والانزلاق: مسؤوليّة الفنّان أمام التراث
لا يخلو الانفتاح الإبداعي للمنسوجة المعاصرة على الوسائط الرقميّة من إشكالات جوهريّة تمسّ جوهر الممارسة النسيجيّة، بل وتضع الفنّان أمام مسؤوليات مضاعفة، تتطلّب قدرًا عاليًا من الوعي الجمالي والأخلاقي معًا. ففي خضمّ الانبهار بما توفّره التكنولوجيا من أدوات تصميم، ومحاكاة ثلاثيّة الأبعاد، وتوليد آليّ للأشكال والزخارف، يكمن خطر جوهري: أن تتحوّل المنسوجة إلى واجهة تقنية محضة، تفرغ النسيج من حمولة رمزيّة وثقافيّة ضاربة في الذاكرة، وتقطعه عن جذوره الاجتماعية والأنثروبولوجية. إذ لا يمكن الحديث عن النسيج دون استحضار تاريخه الجماعي، بوصفه ممارسة تشاركية شكّلتها النساء من خلال تراكم ثقافي ابداعي ضمن الورشات المنزلية، أو في فضاءات النسج المرتبط بالمواسم والمعتقدات والتحوّلات الحياتية والاحتفالات، فـ” الصّناعات التقليديّة (هكذا في صيغة الجمع) فنون شعبيّة يدويّة “1971 page 18) ، (Bahnasi Afif
لقد ظلّ النسيج على امتداد قرون أداة لحفظ الذاكرة، وحاملا للرموز، ومنسوجا يُحاك بأنامل الأنوثة وخطاباتها. فيروي كل خيط حكاية من الصّبر والجهد، وتحيل كل عقدة إلى معنى دفين من عواطف نسويّة. لذلك، فإنّ إقحام الوسائط الرقميّة على هذا الفن لا ينبغي أن يُختزل في بعده الشكلي أو الأدائي، بل ينبغي أن يُستوعب كتقاطع حذر بين الذاكرة والتقنية، بين الروح والآلة ذلك إن التراث يمكن استغلاله فنيا، “حيث نأخذ بدراسة القديم ونترك ما لا يفيدنا بالمعاصرة وتكوّنه إلى حيث يصبح لغة ذات طابع يمثلنا من جهة ويمثل لغة عامة تقبله وتهضمه الشعوب الأخرى ويضيف إليها كثيرا من ثقافتنا وينقلها إليهم وهكذا تكون عن طريق التراث قد ساهمنا في خضم الحضارات المنافسة لنا عالميا”. (فرج عبو. 1982. ص772.)
وعليه، تظلّ المسؤولية الأخلاقية للفنّان المعاصر قائمة في استحضار روح الحرفة دون الوقوع في فخّ المعاودة. فليس المطلوب أن يُعيد الفنان إنتاج الرموز التراثية كما هي، أو أن يكرر أنماط الزخرفة التقليدية دون وعي تاريخي وجمالي، بل أن يسعى إلى استلهام هذه الجذور في ضوء تساؤلات العصر، وفي انسجام مع الرهانات التعبيريّة الجديدة التي تفرضها البيئة الرقمية. عليه أن يُعيد توليد الموروث لا نسخه، وأن يفكّك الرموز دون تسطيحها، وأن يُجسّد الذاكرة دون تحويلها إلى سلعة أو مجرّد نمط يُستهلك ويُنسى. اين “يحاول إستلهام أعماله من التراث في محاولة منه للبحث عن الهويّة وإيجاد خصوصيّة في عالم تشابهت فيه الأشكال وامتزجت حتى فقد خصوصيتها إلى حدّ كبير، وأصبحت لا تعبّر عن شخصيّته وبصمته الفنيّة المميّزة، فهو لا يلجأ إلى قواعد التراث وتقاليده وتقنياته كغاية في حدّ ذاتها وإنما يلتقط من هذه التقاليد بقدر ما يستوعبه ليعيد تنظيمه وترتيبه ودمجه على نحو الطراز الفني المميز له ليخرج في النهاية المنتج الفني الأصيل بعيدا عن التقليد “. ( أمين القريطي، 1984، ص84.)
وهو ما سعى اليه الفنان النساج ” كينت ويليامز. Kent Williams ” الذي يقوم بصناعة الألحفة منذ أكثر من عشر سنوات باستخدام قطع صغيرة، يقوم بإنشاء أعمال كثيفة قائمة على الأنماط تستكشف الإمكانيات التي لا تنضب للخط والشكل واللون والضوء والنمط والمناظر الطبيعية، لتستكشف بعض أعمالي الرقمية أيضًا الإمكانيات التي لا تنضب للحياة في مجتمع حديث وصناعي وتكنولوجي. ”
تعود بعض الأنماط التي يعمل بها إلى خياطة اللحف التقليدية، بتاريخها الطويل في استخلاص التصاميم المعقدة من الأشكال البسيطة. لكن معظم تصميماته لها جذورها في الفن والتصميم الحديث، بدءًا من النقوش الخشبية اليابانية ونسيج باوهاوس وحتى الفن التشكيلي وحركة الأنماط والديكور. لقد تأثر بتقاليد الفن التجريدي الحديث التي تعود إلى قرن من الزمان، من بيت موندريان إلى إلسورث كيلي إلى بريدجيت رايلي وغيرها. لقد تأثرت أيضًا بالعالم الحديث من حولي: Slinkys وSpirographs ولوحات الدوائر وبطاقات البت. الهدف هو تجاوز هذه التأثيرات، لصنع شيء له تأثير فوري مع إخضاعه أيضًا لمزيد من التدقيق.

نماذج من الاعمال النسيجية للفنان كينت ويليامز
إنّ العلاقة بين الإبداع والتشييء علاقة هشّة، لا تُقاس بالنتيجة البصرية فقط، بل تُقاس بمدى وفاء الفنان لروحه النقديّة، وبقدرته على أن يُحوّل الوسيط الرقمي إلى امتداد إنساني، لا إلى قطيعة. فكم من منسوجة رقمية بهرت البصر، لكنها خانت المعنى وكم من عمل نسيجي متواضع بصريًا، ظلّ وفيًّا لذاكرته، فلامس الجوهر وأثار السؤال. لذلك لا تكمن قيمة النسيج الرقمي في براعة توليف الألوان والخطوط فقط، بل في الوعي العميق بما تحمله الخيوط من سرديّات، وما تفتحه من أسئلة متعدّدة حول الجسد، والهوية، والسلطة، والذاكرة.
إنّ المحافظة على الأصالة لا تعني الانغلاق في قوالب ثابتة أو تمجيد الحرفيّة بمعزل عن التحوّل، بل تعني ترميم الجسر بين الأجيال، وإعادة تحديث الأسئلة التي طرحتها الأمهات والخالات والحرفيّات على مدى قرون، ضمن لغة جديدة، قادرة على مخاطبة الإنسان الرقمي المعاصر. الأصالة الحقيقية لا تكمن في الاستنساخ، بل في القدرة على الإصغاء لصوت الماضي وهو يتكلّم عبر الأدوات الجديدة، في أن نسمع النول في طنين الشاشة، وأن نعيد اكتشاف الإبرة في نبض الكود.
إنّ الفنّان المعاصر، إذ يقارب النسيج بوصفه خطابًا بصريًا في زمن الصورة المتحوّلة، لا بدّ أن يعي أنّ كلّ تقنية هي موقف، وأنّ كلّ معالجة رقمية هي خيار أخلاقي قبل أن تكون حلاً بصريًا. عليه أن يطرح السؤال لا فقط حول كيف ننسج، بل حول لماذا ننسج، ومن أجل من، وبأيّ معنى. عليه أن يدرك أنّ الرقمنة لا تُبرّر التفريغ، وأنّ الإبهار لا يُغني عن العمق، وأنّ السرعة لا تُعفي من التفكير.
وبين النسيج بوصفه حرفة، والنسيج بوصفه رؤية، تتولّد المسافة الفاصلة بين الأصالة والانبهار، بين الذاكرة والانفصال، بين التفاعل والتشييء. فالحفاظ على هذه المسافة هو جوهر المسؤوليّة الإبداعيّة في الحاضر، لا التمسّك بالثوابت ولا الانسياق وراء المستحدثات. إذ ليس الإبداع الحقيقي في محاكاة التقنية، بل في توظيفها بحسّ نقديّ يعي أنّ ما يُحاك ليس شكلًا فقط، بل أثرًا، وأنّ ما يُنسج ليس خامةً فقط، بل حكاية ممتدّة من الجسد إلى العالم. فـ”جميع القدرات والعمليّات المكتسبة الدّاخلة في الفن، والتقنية في صنع شيء معيّن تتضمن ما في المنتج من المهارات والنواحي الجماليّة والنفعيّة وتشمل أيضا القدرة على الاختراع إن وجدت في إعمال الفكر”.( توماس مونرو، 1972، ص62.)
3. النسيج الرقمي كمنصّة للخطاب البيئي والاجتماعي
أضحى كثير من الفنّانين يوظّفون النسيج الرقمي كوسيط للتعبير عن مواقف اجتماعيّة وبيئيّة، حيث يُستثمر النسيج في نقد النزعة الاستهلاكيّة، والتلوّث الصناعي، والاستلاب الجندري. من خلال مواد مُعاد تدويرها، أو تصاميم رقميّة واعية تنجز بتقنيات نسيجية راقية، “فالتقنية هي أداء لفكر الإنسان في النمو والتطور” (أحمد فؤاد باشا، 2004، ص 3-4)، أو أعمال فنّيّة تشاركيّة، يعيد النسيج بناء علاقته مع الجمهور بوصفه خطابًا مفتوحًا يطرح أسئلة، لا مجرّد منتج يُباع. وهكذا يتحوّل النسيج إلى أداة مقاومة ناعمة، تحمل في خيوطها بيانًا أخلاقيًّا يحثّ على إعادة التفكير في علاقتنا بالمواد، وبالزمن، وبالآخر. وهنا يلتقي الإبداع بالمسؤوليّة في أسمى تجلّياتهما: حين يتحوّل الفنّ من استعراض بصري إلى ضمير حيّ.
النسيج البيئي ان صح القول كان ولا يزال يجاهد ليتجاوز المحدود، كونه فن معاصر يواكب تغيّرات لأساليب والغايات الفنية ليوظف العناصر البيئية الطبيعية ويستغل الفضلات الصناعية الضارة بأساليب رقمية على مستوى التصميم والتوظيف والتحليل والتطويع لتصبح هذه العناصر قابلة للتطويع ليدوي والبناء التشكيلي. لنجد من اهم التجارب المنجزة في هذا الإطار اعمال الفنانة” ليز أستون Lizz Aston” هي فنانة نسيج ومصممة صناعية مقيمة في تورونتو. تبحث في ايجاد مقارابات بين ممارسات النسيج التقليدية والرقمنة والتصميم المعاصر. يشمل عملها النحت والتركيب، بما في ذلك المشاريع التفاعلية والخاصة بالموقع.
تقوم ليز أستون بالاستلهام بشكل مباشر من تقنيات النسيج لبناء لغتها البصرية بتفكيك أنماط النسيج لإنشاء أشكال منحوتة وبصرية، وتجمع بين العمليات اليدوية والأدوات الرقمية.

Lizz Aston, 𝘖𝘱𝘵𝘪𝘤𝘢𝘭 𝘞𝘦𝘢𝘷𝘦 𝘔𝘪𝘳𝘳𝘰𝘳 𝘦𝘥.2/15; 𝘖𝘱𝘵𝘪𝘤𝘢𝘭 𝘞𝘦𝘢𝘷𝘦 𝘔𝘪𝘳𝘳𝘰𝘳 – 𝘜𝘯𝘥𝘶𝘭𝘢𝘵𝘦, 𝘦𝘥.1/15, 2025.
هذا الاسلوب – في البحوث النسيجية صديقة البيئة- حديث الولادة من حيث المعالجة الرقمية الا انه فن معاصر بعناصر عريقة، فهو وليد القرن الا انه متجذر رغم حداثته إنه حرفة بصبغة تشكيلية فنية، فهو فن ملموس بلغة الجمال والخلق وهو فنٌ يملك بُعداً تأمُّليّاً في الطبيعة, بُعداً حديثا يوازي بين التكنولوجيا الرقمية والحرفة والتشكيل والبيئة, حيث يحاول الفنان المبتكر من خلاله أن يخلق حسّ التفاعل الحسّي الإيجابي مع الطبيعة من خلال تدوير المهمل وتحويله إلى منسوجات جميلة، أي خلق قيمة بواسطة المهمل المضرّ، فالنسيج البيئي بتصاميمي رقمية ومعالجة يدوية هو فن تحويل اللاشيء إلى إبداع فني بصَري.
هذا التمشي البحثي التشكيلي المنتهج من العديد الفنانين، اسلوب زاد الثراء للحقل الفني لجمعه بين التقنيات الحديثة وما لها من ايجابيات كبيرة وهي الرافد الكبير في عالمنا المعاصر الان وبين الفنون التشكيلية والحرفة في بعدها اليدوي الفعلي، فهو يحمل في طياته مفاهيم فنية بحتة ” تدوير، نحت، رسم، تشكيل”، كلها تدور في مجال اللامحدود لتخاطب كل الفئات العُمرية في المجتمعات وتجعلها مشدودة الى رسالتها التشكيلية والرقمية والمجتمعية. وهو ما سعت اليه الفنانة التشكيلية “سامية احمد مصطفى الشيخ”
اين عرفت باستخدامها تقنيات الطباعة الرقمية للتعبير عن “بورتريات” النسيج اليدوي، اين استخدمت في بعض اعمالها على تقنية الطباعة على القماش من خلال طباغة نسخة من اللوحة الأصلية، على قماش ثم تقصها شرائط، وعلى جانب آخر تشد الخيوط على المنسج، وفى الخطوة التالية تدخل الشرائط بالتبادل فى النسيج، فتبدو اللوحة وكأنها تصويرمن خلال استخدامها الوسائط التشكيلية المتنوعة كالتلوين المباشر بالصبغات وورق الذهب والتشكيل الحر بالخيوط.

أحد اعمال سامية الشيخ من معرضها، “هي في عيونهم” ،2022،
ان النسيج بتصاميم رقمية وممارسات يدوية هو سفير الجمال بشكل ملموس، اين أصبح هذا المجال يتميز بالثراء البصري والتقني لينتج ديناميكية الابتكارات الجميلة من الطبيعة إلى الطبيعة بأسلوب تشكيلي وظيفي أحيانا ويبنى على ابتكارات أغلبها مدروسة ونابعة من وعي فنانين بالتطور العلمي والتقني وضرورة الاستفادة منه في المجال الفني والحرفي وذلك لتطوير فني حديث ولإنقاذ الكوكب من مخاطر الصناعات.
حاول عدة فنانين معاصرين ترسيخ هذا الفن في لدى مجتمعاتهم حيث اسسوا هذه الثورة الفنية المعاصرة من بلدانهم الأوروبية خاصة فباتت هناك دينامية مجتمعية تبدلها جمعيات للحفاظ على البيئة وتوظيف الرقمة
الخاتمة
يعيش النسيج في زمن الرقمنة والتكنولوجيات الحديثة لحظة مفصليّة تضعه أمام تحدّيات مزدوجة: تجديد الشكل دون فقدان العمق، والانفتاح على التكنولوجيا دون التفريط في القيم. وفي هذا المعبر الدقيق، يغدو دور الفنّان محوريًّا في الموازنة بين الإبداع والمسؤوليّة، وبين الحرفة والترميز، وبين الذاكرة والتخييل. فالمستقبل ليس فقط ما نبتكره، بل ما نحافظ عليه أيضًا من رموزنا ومشاعرنا. وبين خيط وخيط، يولد نسيج جديد لزمن متحوِّل، تتعانق فيه يد الأجداد مع نبض الشاشات، ويُطرّز فيه الحنين بلغة المستقبل لينتج فن شامل فنٌ يحافظ على سيرورة العلاقة الإيجابية بين الإنسان ومحيطه ويساعد الفنان النساج على تطوير اساليبه وافكاره. فالمنتج النسيجي “التقليدي” و”الرقمي” هو تعبير مباشر عن التواصل بين الأجيال والتطور التقني والاسلوبي ومدخل من مداخل التجربة التطبيقية للمعرفة البشرية، من حیث إضفاء التصميم التقني الحديث على المواد الخام من خلال رؤية فنية وجمالية، لیعلو هذا الابتكار ويكون له قیمة تاريخية وجمالية ويرتبط الإنتاج الحرفي النسيجي بالتنمية الشاملة والمستدامة لجعلها رافدا من روافد الإنتاج وقادرة على المنافسة عن طريق استخدام التكنولوجيا والتصميم الحديثة التي تتناسب مع ثقافات العصر الاستهلاكية بما لا یخل بالمستوى الفني والتّقني للمنتج الحرفي ودون وضع المعاصرة في موقع التناقض مع التراث وخصوصياته، فبالتقنيات العصرية نحمي موروثنا المادّي والفكريّ.
قائمة المراجع
1- قبوس، مها أحمد: عالم الفن الرقمي، دار العلم للملايين، بيروت، لبنان، 2011
2- سماحة، وفاء محمد: الرؤية الإبداعية للفنون الرقمية التجريدية والإفادة منها في صياغات فنية لإثراء الجانب الزخرفي لأزياء المرأة المعاصرة، مجلة بحوث التربية النوعية، جامعة المنصورة، العدد 47، مصر، 2017 م
3- عفيف بهنسي، علم الجمال عند أبي حيان التوحيدي رسائل في الفن، السلسلة الفنيّـة 18، وزارة الاعـلام مديرية الثقافة العامة، بغداد 1972،
4- د. شاكر عبد الحميد. التفضيل الجمالي . مطبعة عالم المعرفة . الكويت .1978.
5- فرج عبو. علم عناصر الفن. وزارة التعليم العالي والبحث العلمي. جامعة بغداد. طبع في دار لين. إيطاليا. 1982.
6- أمين القريطي، مفهوم الأصالة بين التجريد والتقليد في محتوى الإبداع الفني التشكيلي، بحث منشور في مجلّة دراسات وبحوث، جامعة حلوان، 2مارس 1984،
7- توماس مونرو، التطوّر في الفنون، الجزء الثّالث، ترجمة عبد العزيز وآخرون، الهيئة المصريّة، القاهرة، 1972،
8- أحمد فؤاد باشا، فلسفة العلم والتقنية، محاضرة، بتاريخ الأربعاء، 13-4-2004،
-9 “le tissage n’est pas un simple entrecroisement de fils, mais un agencement de flux, un diagramme vivant du monde” Gilles Deleuze & Félix Guattari, Mille Plateaux, Éditions de Minuit, 1980, p. 551.
-10Bahnasi Afif، Dictionnaire trilingue des termes d’arts، Académie arab de Damas، 1971، page 18.
باحث في الجماليات من تونس
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي
