بين عقارب الوقت ونبض القلب: قراءة في هايكو “الساعة” عند الشاعر شفيق درويش

تغريد عمران*
يسيء البعض فهم العلاقة بين الهايكو والزمن، فيراه مجرد التقاطة فوتوغرافية للحظة وتنتهي، فلا يدركون العلاقة العضوية التفاعلية الجامعة لهما والفاعلة فيهما. الهايكو لا يرصد الوقت كخلفية ساكنة، بل يرسمه في حالاته الحيوية بكل ما تتضمنه من تاريخ وأفكار.
وحين يتكرس “الوقت” نفسه كعنصر أساسي في سلسلة من نصوص الهايكو – كما في هايكوات الشاعر شفيق درويش – فإننا لا نكون إزاء عمل تكراري ممل، بل هو استحضار متنوع لكوامن الزمن: زمن الذاكرة، زمن الوحدة، الزمن الاجتماعي، والزمن الشعري وغيرها.
في هذه المجموعة المنتقاة من نصوصه الهايكوية، يعرض درويش أمامنا ساعاتٍ ليست كغيرها. إنها ساعاتٌ معبأة بالناس، بالفساتين، بالنباح، بأصابع تشبه الشواهد، بالدخان الأبيض، وأحياناً، بأزمنة تسبق اللحظة بثلاثين عاماً.
هذه هي ساعاته التي نسجها من خيط الزمن، لكنها تجاوزت وصف هذا الزمن أو عدّه. لهذا نلاحظ أن التوقيت في هذه النصوص ليس مرهوناً بالزمن الحقيقي. حين يقول الشاعر:
ريحٌ وفستانٌ أزرق
التاسعةَ
إلا ثلاثينَ عاماً
فإن “التاسعة إلا ثلاثين عاماً” لا تجعله يخالف قوانين الوقت، بقدر ما هو يُحطم ساعة الحائط لصالح ساعة الذاكرة. هنا، يتحول الزمن إلى استجابة داخلية لحنين ممتد على عقارب لا تنفك عن اللدغ.
كذلك في قوله:
الثامنة صباحاً
وهكذا أيضاً كانت
منذ مئة عام
يلمّح إلى التكرار الساكن، كأن الزمن لم يتحرك فعلياً، أو كأن الإنسان هو من ظلّ ساكناً رغم تبدل العقارب. النص هنا يتساءل: هل الوقت حدث أم إحساس؟ أهو خارجي أم داخلي؟ أم هناك ما لا يمكن تغييره؟
ومن اللمحات الجميلة في نصوص الشاعر أن كل توقيت يرتبط بمشهد محدد صغير لكنه عميق التأثير. مثلاً:
الثانية عشرة ليلاً
صوت نباح كلب
وأنا أيضاً وحيد
هايكو في غاية البساطة والصدق، يتكئ على تفصيل صغير لكنه ذو عمق وجودي وغير مفتعل، حيث يطلق صدى الوحدة في ليل مفتوح. ولعله شعور مرّ به كلّ منا.
وفي نص آخر للشاعر:
يوم غائم
أيادينا تلوّح لهم
أياديهم تلوح لنا
يتلاعب بالمشهد بمهارة وبالزمن أيضاً. ففي اللحظة ذاتها، لحظة الوداع والفراق، هناك من يبدأ لحظة فرح ولقاء. الزمن هنا لا يبدو عادلاً، لكنه صادق في انقسامه العاطفي.
تأخذ “الساعة” في بعض النصوص وظيفة رمزية أيضاً. ففي نص مدهش آخر له، يقول:
ساعة رملية
خلف رمل القاع
تبدو إصبعي كشاهدة
يتحول الزمن إلى قبر، والإصبع إلى شاهد، بينما لا نعرف تماماً ما الذي انتهى أو دُفن. قد يكون العمر، أو لحظة ما، أو حتى شعور ما. هذه المسافة بين الرمز والواقع هي ما منح نصه كثافته الجمالية.
حتى التوقيت غير اليومي أو غير المتوقع، كما في:
العاشرة صباحاً
موسم كسّار الزبادي
في الشمال البعيد
يشير إلى مكانية الزمن، لا عالميته. ليس الزمن هو نفسه في كل بقاع الأرض، بل إن لكل ثقافة وبلد توقيته الخاص، وطقوسه التي تُسجل ضمن ساعات لا نعرفها في حياتنا اليومية. هذا النوع من النصوص يفتح باباً نحو تعدد الزمن لا توحده.
وحتى المشهد السياسي أو الطقسي، كما في:
البهجة عارمة
تصاعد الدخان الأبيض ساعة-
ويبقى البابا وحيداً
يتحوّل إلى مشهد إنسانيّ يخترق السطح البروتوكوليّ، ليكشف العزلة خلف الضوضاء، والوحدة التي تلي الانتخاب والفرح العام.
في نصوص شفيق درويش، نجده لا يتحدث عن الوقت، بل يتحدث بالوقت. يكتبه كما تُكتب نصوص المشاعر من حزن أو فرح، ويستخدمه كأداة لبناء لحظة شعرية، لا لقياس لحظة عابرة. وهكذا تصبح الساعة، في يده، مثل القلم والمسطرة في يد المهندس المعماري: أدوات لبناء نصوص دقيقة في هندستها، عميقة في أثرها، ومفتوحة دوماً على أفق زمني يتجاوز القياس.
هايكيست من سورية
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي