الشاعر الجزائري ياسين أوعابد

حبيبة زوكي*
رجل طويل القامة حزين الملامح، شفيف الروح. إنه بروميثيوس الشعر، يقرأ القصائد فيضيء ذات المتلقي. يقرأ بكل جوارحه ويكتب بها أيضا. يحملك عبر بساط العبارات والمعاني إلى أماكن وفضاءات كانت الشاهد على حدث ما. الأماكن ذاكرة جماعية. كل حي يحمل مجازا أو حقيقة حكاية تاريخية ما. كل زقاق يغني ما يزال خفية بأصوات خنقت ذات انفلات إنساني. يستمد الشاعر أوعابد ياسين قوة قصائده من تجربته، مما رآه وشاهده وأحس به ومن التاريخ.
ليس الشعر كلمات منسقة ولا صور جميلة مزخرفة، ولا عبارات متراصة، بل هو وجود، وجود فكري ووجداني وفضائي وفضاء الشعر يعد من عدة درجات فهناك فضاء الايقاع وفضاء الايحاء وفضاء البدء. يدخل الشاعر اللغة مطوق بالحيرة والخوف والتوهج.
الشعر وجهة نظر، زاوية من خلالها نحدد موقعنا من الحياة. الشعر شرارة تساهم في إعادة ترتيب العالم. بشعره يزيح الشاعر أوعابد ياسين الغبار عن ملامح الحياة، هذه الملامح التي بدونها لا يستوي ظل الوجود.
في جلسة على هامش الشعر، استطعت الغوص في تجربة الشاعر أوعابد فوجدته يغترف معانيه ; وينهل من الوسط الذي ترعرع فوق ثراه. وسط لا حدود فيه بين مغربي ولا جزائري او تونسي. وسط يمحي فيه الانتماء الجغرافي لننتصـــر للإنسان بكل الوانه ومرجعيـــاته وتطلعاته. كيف لا ووحدة المعانـــاة والمصير تجمع هذه الشرائح.
أوعابد ياسين عاشق للمغرب حد التيه. مازالت عبارتك ايها الانسان تتردد “حْنَا إل بغينا تحركَوا نحركَوا للمغرب” وجدت فيك أيها الأبي عشق نسيه أو تنساه أبناء الوطن. أشاطرك الحلم، لنحلم معا بوطن موحد تتبخر فيه الحدود، وتمسخ فيه الجمارك لحراس وعسس للوطن.
اغزل حروفك من هموم الناس، وافتل معانيك من آلام المستضعفين، لا تتنازل عن التزامك بالقضايا الإنسانية حيثما كانت. احفر في ذاكرة الشعب عن الحكايات التي بهت لونها، اطرق أبواب كل المعاني تأتيك مسربلة، ترفــل في إيحاءات متقدة، منسابة ومطواعة. اجعل للجراح ألسنة فصيحــة واكسر قيود المعاني التي تتعثر. صدى صوتك يتردد ما يزال على ضفة أم الربيع، لقد سكن أزقة القصبة.
في انتظار أن تشنق مسامعنا في محافل أخرى، محافل تكون فيها الكلمة المتوهجة أميرة، محافل نستمتع فيها بالإصغاء إلى شعرك وتشدنا وأنت تصدح بعباراتك العارية إلا من حقيقتها. الشعر الصادق لا يلبس أقنعة، الشاعر الصادق يترك أثرا بالفضاءات التي تحتفي به.

الشاعر السوري شاهر خضرة
شاهر خضرة، شاعر سوري فاره الطول أبيض البشرة. يتميز بأسلوبه السهل الممتنع. قصائده تشبه تراب الوطن البهي كما أنها تتميز بالاشتغال على الحكاية الشعبية. هل العمر مجرد قصة تتكرر وتتلون بفصول الحياة؟
الإنسان يعبر عن أسلوبه أو بعبارة أخرى، الانسان تجل للأسلوب الذي يقتنع به. وفي هذا الصدد نجد الشاعر شاهر خضرة يعزف على كوامن الإنسان وهو ينقش قصائده. حينما تسمع الشاعر شاهر خضرة يقرأ تشدك الحروف والمعاني حد الانصهار. إنه يتنفس شعرا، وهو يقرأ فكأنه يقول للمتلقي افتح قلبك للشعر فبالشعر نحيا.. قصائده لا تمنحك الانتشاء فقط، بل تستوطن الذاكرة وتترك سيلا من الأسئلة التي تتوالد بسرعة فائقة. القصيدة التي لا تغادرك إلا بعد مخاض قصيدة بدواخلك هي القصيدة الشعرية بامتياز والمحيرة في ذات الآن.
شنف مسامعنا خلال أمسية شعرية بقصيدة من الشعر العامي بعنوان “بيت المونة” شدتني القصيدة بكل معانيها ورموزها، لا أخفيكم أنني وهو يقرأ:
“… لكن صدر أمي بقي نشفان
لا شفت صدرا ولا رضعتني ”
أحسست أن المعنى والعبارة سيان.
الشاعر شاهر شهرة، يكتب بكل المعاني وبكل الحروف. له صور شعرية جد دقيقة بدلالاتها، راقية بمدلولها. إنه يختزل العالم في قصيدة وبالقصيدة يجعل للإنسان وجودا.
احفر مناجم لغتك لتخلق صورا شعرية تستوقفنا وارسم بحروفك للقصيدة طريقا. فالقصيدة منذ البدء سؤال وجودي يقلق البعض، ويسكن ذوات البعض الآخر.
كاتبة من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي