المتوارون (إمحضان)

الحسين زگورا*
المتوارون (إمحضان)
خرج المتوارون إلى الطريق،
تاركِين الضمائرَ خلفهم،
كأنها ثوبٌ خلعوه،
أو ظلٌّ تنكر لصاحبه.
★
هذا زمن الهبات،
من يملك المالَ يُمجد،
ومن يعاني الفقر، يُسحق تحت الأقدام.
يا حكيمًا غاب عني،
دلّني على مفتاحٍ،
يُفتح بالحيلة، لا بالعطاء،
يليّن القلوب القاسية،
ويُرغم الألسنة على النطق بالحق.
★
الكلامُ خنجرٌ مسنون،
يذبح الأجيال،
لا يصدأ، لا ينكسر،
لا يفقد حدته مهما مرّ الزمن.
إن صرتَ اليوم غصنًا،
هززناك حتى تساقطت أوراقك،
وحين تجف، تُطحن وتُذرّى في الريح.
بذورُك ليست إلا أعطيات،
وقروشُك في راحتيك صدقات،
اليومَ لك، والغدُ عليك،
فلتتبارز الكلمات،
ومن خانته ذاكرته،
محاها الزمان كما يُمحى أثر الندى.
★
في فجوات الجبال، يولد الوعل،
لا يترك أثرًا لمن يتبعه،
يتجاوز كل شِراك،
يتذوق طُعم الفخّ، ثم يهرب،
يا من تحمل البارودة،
لك الديكُ والغراب،
أما الوعلُ فقد نجا،
وترك الصيادين تحت التراب.
★
ما لنا والوعل، والرصاص، والقناص؟
فاللسان أشدّ من الرصاص،
وإن لم يُصب، فقد جَرَحَ…
تحليل قصيدة “المتوارون“

الموضوع العام
تعكس القصيدة أجواءً من الخداع، الفساد، وانقلاب الموازين حيث يختبئ الجبناء والمتخاذلون في الظلال، تاركين مبادئهم وراءهم، بينما يطغى المال والنفوذ على القيم والأخلاق. كما تتناول القصيدة قوة الكلمة وتأثيرها، مشبهة إياها بالسلاح القادر على التغيير أو التدمير.
الأفكار الرئيسية
- الفرار من المسؤولية والتخلي عن المبادئ
- يبدأ النص بتصوير المتوارين الذين هجروا الضمير، وكأنه عبء تخلصوا منه:
“خرج المتوارون إلى الطريق، تاركِين الضمائرَ خلفهم، كأنها ثوبٌ خلعوه، أو ظلٌّ تنكر لصاحبه.” - هذه الصورة تجسد حالة الجُبن والخيانة، حيث يتنصل البعض من مسؤولياتهم الأخلاقية ويتظاهرون بالبراءة.
- يبدأ النص بتصوير المتوارين الذين هجروا الضمير، وكأنه عبء تخلصوا منه:
- انقلاب الموازين في المجتمع
- يبرز الشاعر مفارقة بين أصحاب المال والفقراء:
“هذا زمن الهبات، من يملك المالَ يُمجد، ومن يعاني الفقر، يُسحق تحت الأقدام.” - تكشف هذه العبارة عن استغلال النفوذ، حيث يتحكم المال في مصائر الناس، ويضيع الحق أمام القوة والثراء.
- يبرز الشاعر مفارقة بين أصحاب المال والفقراء:
- البحث عن الحيلة بدل المواجهة المباشرة
- يسأل الشاعر الحكيم عن مفتاح يفتح القلوب القاسية بالحيلة، لا بالعطاء، وهو طلب غريب يعكس حالة يأس من عدالة العالم، حيث لا تنفع القيم النبيلة وحدها.
- هذه الفكرة تعكس واقعًا يعاني فيه الإنسان الشريف، بينما ينجح المخادعون في تحقيق غاياتهم.
- قوة الكلمة وتأثيرها عبر الزمن
- يصف الشاعر الكلام بالخنجر المسنون، الذي يذبح الأجيال ولا يصدأ أو يفقد حدته:
“الكلامُ خنجرٌ مسنون، يذبح الأجيال، لا يصدأ، لا ينكسر، لا يفقد حدته مهما مرّ الزمن.” - يشير هذا إلى أن الكلمات قد تخلّد أفكارًا، سواء كانت خادعة أو صادقة، وقد تُستخدم كأداة للبناء أو الهدم.
- كما يبرز استغلال البعض للكلمات كسلاح لتمرير الأكاذيب والتلاعب بالآخرين.
- يصف الشاعر الكلام بالخنجر المسنون، الذي يذبح الأجيال ولا يصدأ أو يفقد حدته:
- النجاة لمن يعرف كيف يراوغ
- يستخدم الشاعر رمز الوعل الذي يجيد التخفي والهروب من الفخاخ:
“في فجوات الجبال، يولد الوعل، لا يترك أثرًا لمن يتبعه، يتجاوز كل شِراك، يتذوق طُعم الفخّ، ثم يهرب.” - يرمز الوعل إلى الإنسان الذكي الذي يعرف كيف ينجو من المؤامرات والمكائد.
- في المقابل، يسخر الشاعر من الصيادين الذين يظنون أنهم قادرون على الإمساك به، لكنهم في النهاية يسقطون بأنفسهم.
- يستخدم الشاعر رمز الوعل الذي يجيد التخفي والهروب من الفخاخ:
- الكلمة أقوى من السلاح
- ينهي الشاعر نصه بمفارقة قوية:
“ما لنا والوعل، والرصاص، والقناص؟ فاللسان أشدّ من الرصاص، وإن لم يُصب، فقد جَرَحَ…” - هنا، يؤكد أن الكلمة تمتلك تأثيرًا يفوق الرصاص، فهي قد لا تقتل مباشرة، لكنها تترك جروحًا لا تُشفى، وقد تغيّر مصير الأمم.
- ينهي الشاعر نصه بمفارقة قوية:
الأساليب الفنية في القصيدة
- التكرار
- تكرار فكرة التخلي عن الضمير وقوة الكلمة يعزز الرسالة ويجعلها أكثر تأثيرًا.
- التشبيه والاستعارة
- “الضمائر كالثوب المخلوع أو الظل المتنكر لصاحبه“: تشبيه بليغ يجسد كيف تخلّى الناس عن المبادئ بسهولة.
- “الكلام خنجر مسنون“: استعارة تصوّر تأثير الكلمات وكأنها سلاح قاتل.
- الرمزية
- الوعل يرمز إلى الذكاء والقدرة على الهروب من المؤامرات.
- الصيادون يمثلون القوى القمعية التي تحاول فرض سيطرتها، لكنها تسقط في النهاية.
- البارودة والرصاص يرمزان إلى العنف، بينما اللسان يقابلهما كقوة معنوية قد تكون أكثر فتكًا.
الخاتمة
تقدم القصيدة رؤية نقدية للمجتمع، حيث الفساد يهيمن، والأموال تتحكم في مصائر الناس، بينما تختفي القيم والمبادئ. لكنها في الوقت ذاته تؤكد أن الكلمة، رغم كل شيء، تظل السلاح الأقوى، القادر على فضح المستور وإحداث التغيير.
إنها قصيدة عميقة، تجمع بين الواقعية والفلسفة، مستخدمة الرمزية والتصوير الفني لإيصال رسالة اجتماعية وإنسانية قوية.
باحث في الأمازيغيات من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي