صدور ديوانُ “فيما يشبه الجدارية” للشاعر الحسـين نكـور

عن مطبعة وراقة بلال، فاس، المغرب. صدر للشاعر المغربي الحسين نكور ديوان، الموسوم بـ “فيما يشبه الجدارية” (2025)، وهو عبارة عن قصيدة واحدة مفعمة بالحزن والألم، تنهل من تجارب النصوص الشعرية الطويلة، وتختزل نظرة الذات الشاعرة للحياة. هي تجربة شعرية جديدة تستلهم مصطلح “الجدارية” من الفن التشكيلي، وذلك لأن للفنان التشكيلي قدرة على اختيار ألوان وأشكال وشخوص جدارياته، والشغف نفسه للشاعر في أن يرسم جدارية حياته بالحروف والكلمات والرمزية والصور الشعرية. إذن الديوان عبارة عن جدارية شعرية يسعى فيها الشاعر إلى محاولة اختصار نظرته للحياة عبر مجموعة من التأملات الفلسفية والشعرية في تيمات الحياة، الموت، الوجود، الذات، الغياب، الانتظار، الرحيل، الألم… برؤية انطباعية في بوح شعري شفاف كأنها وشم ينقش في ذاكرة من مروا من تجربة الاغتراب النفسي، الرحيل الداخلي والبحث عن الذات وسط ضجيج العالم. تقع هذه القصيدة بعد التقديم والاستهلال والإهداء في أكثر من خمسين صفحة من فئة A5، وبغلاف من تصميم الشاعر المبدع عبدون إسماعيلي.
قدم الباحث زكرياء وجيط قراءة معمقة لهذا العمل الشعري، مبرزاً أبعاده الفكرية والجمالية وتفرده في المشهد الشعري المعاصر. يفتتح وجيط ورقته بتعريف للشعر بكونه “تورّط الذات في قضايا الكون دون إغفال فكرة حتمية الوجود من لدن الشاعر المتفاعل المنفعل مع ما فوق البسيطة”. هذه الرؤية تؤسس لمنهجية قراءة نتاج نكور، الذي استطاع أن يصنع لنفسه مسارًا إبداعيًا مميزًا بتعدد مساراته الموضوعية، ويواكب حضوره في المشهد الشعري المغربي المعاصر بخطوات خصيبة ومشروع ينمو ويتطور بالتزام تام.
ويُبرز وجيط أن ديوان “فيما يشبه الجدارية” يمثل عملًا مكثفًا ومركزًا، غنيًا بـ “استنطاق قضايا موضوعات شتى ثاوية في جغرافيا الوعي الذاتي من جهة، والوعي الجمعي من جهة أخرى”. هذه الفرادة تجعل الديوان في مصاف الأعمال التي تذكرنا برائعة محمود درويش “الجدارية” (2000) وساحرة نزار قباني “بلقيس” (1982)، مما يؤكد عمق تجربته. كما يسلط الباحث الضوء على البوح الشفاف والعميق الذي يميز هذا العمل، مشيرًا إلى تشبع الشاعر الحسين نكور بالفكر الفلسفي المتقد بأنوار الانفطار الروحي. هذه الرؤية الروحية تقترب من حالة الاتقاد الروحي في قصيدة “الأرض اليباب” (The Waste Land 1922) للشاعر العبقري ت. س. إليوت، حيث يرى وجيط تشابهًا بين النموذجين في كونهما أعمالًا أساسية في شعر الحداثة.
يلتقي الشاعران في التعبير عن “حالة الوعي الشقي النوعي الذي يوازي تحولات الذات في الزمكان وتأثرها بمختلف العوامل السياقية تاريخيًا وسياسيًا واجتماعيًا”، مما يدفع نكور إلى تجسيد “تلونات قلق السؤال الوجودي المفعم بأنين التأمل المتجاوز لحدود الزمكان”، في مقاربة تستدعي وجهة نظر جان بول سارتر حول ماهية الأدب. إن الخط الإبداعي في “فيما يشبه الجدارية” يتميز بنزعة تأملية تدمج بين المستويين الفكري والشعوري دون فصل، مما يكرس وضعية رومانسية جديدة تبعث قيمًا شعرية حافلة بخصوصية لحظة الكتابة المنسجمة مع بواعث وجدانية لا تقبل المهادنة المتعالية.
يختتم الباحث زكرياء وجيط ورقته بتأكيده على قدرة الشاعر الحسين نكور على تبني مسالك التبسيط في صور شعرية تظهر براعة التصوير المحسوس والممتع، بعيدًا عن التعقيد الذي قد يُغرق القارئ. ويدعو القراء إلى تجربة متعة حقيقية مع هذا الديوان، بمنطق رولان بارت، حيث يمكن اختزال حالة الإنسان بشكل عام في هذا العمل. ويؤكد أن التواصل مع النصوص الأدبية الخلاقة كفيل ببعث بواعث تحقيق الوعي بالذات، وأن هذا الديوان يستحق كل أشكال القراءة، من العامة حتى العالمة.
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي