الرئيسية / الأعداد / مقاربة أنثربولوجية في القصة القصيرة “يد” للقاص الطاهر لكنيزي – عبد المجيد بَطالي

مقاربة أنثربولوجية في القصة القصيرة “يد” للقاص الطاهر لكنيزي – عبد المجيد بَطالي

مقاربة أنثربولوجية في القصة القصيرة “يد” للقاص الطاهر لكنيزي

عبد المجيد بَطالي*

عندما نقول: (مقاربة)، فإننا نقصد اصطلاحا، ذلك الإطار النظري الذي سنتناول من خلاله نصًّا أدبيا معينا… باعتباره خطابا منفتحا له حمولته، سواء على المستوى الدلالي أم على المستوى اللغوي والتركيبي..، ذلك أن المقاربة الشاملة المحيطة بالخطاب عموما، هي التي تتميز بأساسها النظري، الذي يتكون من مجموعة من المبادئ والآليات، التي يتأسس عليها التأويل والتحليل والتشريح للنص المُقارَب /موضوع الدراسة…

كما أنها أي (المقاربة) تعني من الناحية اللغوية كما جاءت به المعاجم (قاربَ.. يقارب، مُقارَبةً، فهو مُقارِب اسم فاعل، ومُقارَب اسم مفعول، ومن ذلك (قَارَبَ نَصّاً أَدَبِيّاً: بمعنى تَنَاوَلَهُ بِالتَّحْلِيلِ وَالتَّفْسِيرِ… ومنه كذلك مُقَارَبَةُ نَصٍّ: بمعنى: النَّظَرُ فِيهِ، وتَحْلِيلُهُ لِمَعْرِفَةِ أَوْجُهِهِ…

أما كلمة أو مصطلح (أنثروبولوجية) كما في معاجم اللغة، فهو يعني ذلك “العلم الذي مناطه الإنسان من حيث هو كائن فيزيقي واجتماعي، من حيث هو جزء من الوجود الطبيعي والاجتماعي، يتأثر ويؤثر في الطبيعة والمجتمع الذي يعايشه… و”الأنثروبولوجيا الاجتماعية”: هي علم دراسة الإنسان في بيئته الاجتماعية، وتتبع تطوره مع تطور المجتمعات التي يساكنها، واللغة التي يتفاهم بها، والأشكال الأدبية والفكرية والفنية التي يعبر بها عن نفسه” (1)، وكان في القديم لا يهتم إلا بالشعوب البدائية.. وعليه تعتبر: “الأنثروبولوجيا من فروع المعرفة التي ترتبط ارتباطا وثيقا بالمجتمع الإنساني.. إذ تعكس في حقيقة الأمر قِيمَه السّائدة وتخدم مصالحه..” (2) وقد جاءت كلمة (أنثروبولوجية) نعتا لخبر(مقاربة)، مبتدأه محذوف تقديره اسم إشارة (هذه).. حتى يكون المتلقي على بينة مما سنقدمه بين يديه من تحليل وتشريح لهذا النص القصصي القصير المعنون بــ (يد).. وعليه ستكون مقاربتي لهذا النص السردي تحليلا وتشريحا وتأويلا، يقارب ويلامس الجانب الاجتماعي.. والجانب الدلالي الذي يوحي به النص من وراء حجب بنية اللغة سطحيا، ويشير إليه ظاهريا، في مجموعة من الكلمات التي سنقوم بتفكيكها بغية التبيّن والتبيين، لما وراءها من معاني ودلالات وأبعاد..

ولعل ما يثير في المتلقي فضول التأويل – بداية – هو عتبة النص، التي تعد المدخل الرئيس الذي يسلط بعض الأضواء على خارطة الطريق، بغية الوصول إلى مداخل النص واستقصاء مكامنه وأبعاده، ودلالاته العميقة.. وعنوان هذا النص الذي بين أيدينا مثير وفاتن في ذات الآن، إذ جاء كلمة واحدة مفردة نكرة (يد) تفيد العموم في إطلاقها.. وقد أفلح السارد (الطاهر لكنيزي) في اختياره تيمة العنوان لما توحي به من تنوع في الحقل الدلالي لهذه المفردة الحمّالة لعدة تأويلات.. إذ تأخذ معناها الخاص حسب السياق اللغوي والتعبيري في النص.. هذه المفرد التي تحمل رمزية لها عمقها الاجتماعي والأنثروبولوجي..

وسيتضح للدارس من خلال القراءة الفاحصة، أن القصة القصيرة “يد” من نوع السرد الذي يصب في معالجة الاجتماعي والثقافي.. من خلال ما يطرحه من قضايا تجذرت وبقوة في الفكر البنيوي المؤَسِّس لبعض العادات والتقاليد الاجتماعية.. حيث يعتبر النص السردي “يد” مسرحا وفضاء لمناقشة قضايا اجتماعية تهم العلاقات الإنسانية والأسرية، ويتعلق الأمر بقضية الزواج والعنوسة على الخصوص..  وما يرتبط بها من معتقدات عشّشت في النفوس وعَزفت بالأفكار.. إذ تعتقد بعض الشعوب أن العنوسة لها خيط سحري متعلق بــ (العين) أو (السحر) وغيرها..، كما في اعتقاد أم العانس: “إنها العين تردد أمها دائما” (3) وبهذا تحتل رمزية (اليد) “بؤرة vocalisation” رئيسية يتمحور حولها السرد/ الحكي في نص القصة: (يد)، بخلفية اجتماعية ترتكز على الاعتقادات السائدة عند مجموعات اجتماعية معينة، إذ تعتبر الأم قاموسا شفويا، ومرجعا اجتماعيا مقدسا في العادات والتقاليد، لا يناقش ولا تخالف أوامره خصوصا في قضايا مثل: الحسد والعين، وبعض الخرافات المنتشرة في أوساط الناس.. وتعدّ ظاهرة (اليد) التي تُعلّق على أبواب المنازل والبيوت واحدة من هذه القضايا، لها قصتها الأنثربولوجية رمزا لدفع الحسد والعين والنحس، خصوصا عند البنات العانسات اللواتي تأخر بهن قطار الزواج، كما تعتبر (اليد) في اعتقادهن جالبة للسعد، لكن مع بطلتنا في هذه القصة نجد أن “يدا خزفية” هي من سيدفع عنها نحس العنوسة كما في اعتقاد أمها “التي اشترت يداًّ من الخزف الرفيع تتوسطها عينٌ زجاجيّة بعدسة بلّوريّة. لمّا أرادت أن تعلّقها على باب غرفتها، انفلتت من يدها وسقطت، فتكسّر الخنصر والبنصر.” (4) في الوقت الذي لا تدرك الأم من جهلها الذي يحاصرها اجتماعيا وثقافيا.. أن المشكل يتعلق بالشخص ذاته، وملتصق بنفسية ابنتها البطلة/ العانس التي تركض خلف اختياراتها الصعبة، أو حيرتها في اختيار من سيكون فارس أحلامها، بشروطها هي، وبمواصفات كما أرادتها هي، لا كما أرادها لها القدر والنصيب… كما أشار إلى ذلك السارد في بدايات القصة..

في خضم هذا السرد العجيب الذي يتنقل بالمتلقي بين دروب وفضاءات النص القصصي، ومن خلال المُتخيَّل السردي عند الطاهر لكنيزي، الذي استطاع أن يرسم بتقنية عالية لوحات المشهد القصصي أنثروبولوجيا من قلب المجتمع، كما يصوغ أحداث القصة، ويسبك بحبكة فنية متفردة علاقات شخصياتها بالبطلة/ العانس المتعنتة، والتي لا تنصاع إلا لما تمليه عليها هواجسها واختياراتها المستعصية لفارس أحلامها…

وقد أبلغ السارد في تصوير تَغيّرات حالات “اليد الخزفية” التي وضعتها الأم لدفع العين على ابنتها، كما أفلح في تشكيل تقلباتها اللافتة خياليا، إذ أخذت وضعيات رمزية متعددة حسب سياقات السرد القصصي فهي (يد الميت) بعدما كانت يدا خزفية، وبعدما كانت (يد النجار ادريس التي لحسها المنشار)، وهي اليد (اليمنى أو اليسرى) في حوار شخص الحاجة حليمة العرّافة مع العانس.. وبتقنية السرد الرائعة، يصور القاص علاقة الخنصر والبنصر اللذين تكسرا من اليد الخزفية التي تهشمت بعد سقوطها، هذا الرمز الساحر لم يفك لغزه إلا الحدث المؤلم الذي تعرض له (ادريس النجار) الذي يعتبر واحدا من طالبي يد العانس.. “رآها مرّة تمرّ وهو ينشر قطعة خشبية، فطار لبّه، وزاغت عيناه، فلحس المنشارُ الكهربائي خنصرَه وبنصره. قال مرة في نفسه:” والله إن الحبّ لحربٌ.” ص/ 6

برع القاص لكنيزي في توظيف تقانة: “قصة داخل قصة” Story within a story حيث ينتقل بالمتلقي في سردية مشوقة، من حالة شخصية إلى أخرى، ومن موقف إلى آخر، الكل في وثاق محكم مع الشخصية البطلة/ محور (القصة الإطار).. وهو إذ يسرد الأحداث ويحكي عن وقائع وأحوال شخصيات تقدمت لخطبة البطلة، ما فتئ يحفر أنثروبولوجيا في العمق المكون للأنساق الثقافية للمجتمع، وكذا تعرية الواقع لتوعية القارئ وتنقية ما أفسده الجهل من أفكار ومعتقدات.. وهذا المعطى من اهتمام علم الأنثروبولوجيا ومجالات دراساتها.. الاجتماعية والثقافية، في إطار من البحث والتقصي العميق لمثل هذه الظواهر.. ومن (شخصية النجار) إلى (شخصية السائق) الذي ينتمي لأفراد عائلة العانس الذي هو الآخر كان يطمع في طلب يدها من أبيها “لن يتردّد سائقهم في تلبية رغبتها المحفوفة بالمخاطر. ما زال يطمع هو الآخر في الزواج بها…  أحياناً يحمل إليها باقة من الورود وقطعا من الشوكولا، ولو دون مناسبة. كانت تقْبلها منه لتُؤنس عنوسَتها، لكن بعدما بدأ طموحه يُزعجها، حشّتْ كل آماله. ذات عيد ميلادها، أضاف إلى هديته التقليدية خاتما من ذهب مرصّعا بجوهرتين على شكل قلبين، فرمت بهم إليه وقالت له: اُترك الورود تجفّ، واسحقها، وانقعها في الماء سبع ليال تحت النجوم ثم اشربها لتشفى من أوهامك.” (5)

مع كل شخصية قصة مشوقة، وأحداث مثيرة جدا، استطاع السارد الطاهر لكنيزي أن يخلق من خلالها مفاجآت مدهشة، كما استطاع بأسلوبه السردي الشيِّق أن يجعل المتلقي مشدودا لتتبع خيوط السرد، ومجريات الأحداث حتى النهاية.

إن سِعة ورحابة المتخيل السردي عند القاص الطاهر لكنيزي، ومطاوعة اللغة لفكره، جعلته يصنع المَشاهِدَ، ويبدع الأفكار، ويصور المجتمع تصويرا فنيا وإبداعيا دقيقا وشيقا.. يأخذ بجمهوره نحو الدهشة الجمالية، التي تختطف منهم وقتهم، بل تربطهم بالقصة إلى نهايتها التي “تقوم بوظيفة القوة الممغنطة، والمبدأ المنظم للسرد، إذ تكون وظيفة الانتظار وثيقة الصلة بطبيعة السرد” (6) وغالبا إلى إعادة القراءة مرات عديدة للتأمل والمتعة التي تخلقها الأحداث المسرودة في نفسية المتلقي.

وأنت تقرأ هذه القصة القصيرة ذات الصفحات المعدودة، لا تحس بغفوة من الملل، أو سِنة من الثقل، لكنك تنتشي بحلاوة السرد ولذة القراءة، حين يسافر القاص بلبك في تجاويف غرائب الحكاية وعجائبها، ويزجّ بك في عوالمها الحكائية الساحرة.. وهو يحرّك الجمادَ، فيصور لك (يدا خزفية)، وهي تتحرك في علاقتها ببطلة القصة، حيث تقوم اليد الخزفية المعلقة على الباب بما يفعله الأحياء، كما في هذا المقطع التخييلي الجميل..  “وهي تأوي إلى غرفتها، أثار انتباهَها بريقٌ يشعّ من اليد الخزفية المعلّقة على باب غرفتها. رأت العين التي تتوسطها تتحرك، وتحدّق فيها كأنها لإنسان حيّ. ذعرتْ وأشاحت عنها بوجهها. اندسّت في فراشها وقد انتفش شعرها وجَفَّ حلقُها. ظلت ترتجف بعدما أصابتها نوبة من الحمّى. بعد حين أحسّت بدفء يسري في عظامها. أخذتها سِنة، فرأت شُعيرات تنبت على اليد الخزفية، وتنمو بسرعة. أخذت تتحرك كحشرة كبيرة وحيدة العين. زحفت نحوها. ارتمت على رقبتها وخنقتها. استفاقوا على صراخها. أحاطوا بها. كانت تقبض على رقبتها وتصرخ. بعدما استردّت وعيها، قامت مسرعة واتّجهت نحو اليد، نزعتها بقوّة وحطّمتها على الأرض، حتى تطايرت شظاياها، وبقيت مكانها بقعة سائل أحمر. عادت إلى سريرها وجسمها يرتجف. مكثوا مشدوهين من حركاتها. أطفئوا النور وانصرفوا بعدما جدبت الغطاء وأخْفت رأسها، تبلبل فكرها، وعصر الندم روحها، فبقيت متمدّدة على ظهرها شاخصة في العدم. غفتْ لحظة، فسمعت أنّة ألم، ورأت شظايا اليد الخزفية تتحرك مشعّة في الظلام كحشرات صغيرة، ثمّ تتجمع لتصبح يدا حيّة. قفزت وقبضت على رقبتها. اختنقت وجحظت عيناها. أيقنت أن ذلك حقيقة وليس كابوسا، فأخذت تصرخ محاولة بكل جهدها التخلص منها. استفاقت فلاحظت أنها كانت تخنق نفسها بيد، وتنتش شعرها بالأخرى. كانت تصرخ بكلام غير مفهوم. خرجت إلى باب غرفتها، رأت اليد ما زالت في مكانها، غير أن العين كانت تنظر إليها شزرا. أخذت سكينة وحاولت أن تفقأها. لم تنفذ السكينة في العين البلورية، لكنها رأت عليها سائلا بنيّا. آلمهم حالها فحملوها إلى عدة أطباء. لم تزدها الأدوية إلا هلوسة وجنونا.” (7)

شخصية البطلة/ العانس لا تدرك أنها مريضة نفسيا، فعلقت آمالها وأحلامها على اليد الخزفية، اليد التي كانت تعتقد أنها هي المخرج الوحيد لها من العنوسة، بل هي السبيل الأوحد في دفع النحس عنها، وجلب السعد المتمثل في فارس أحلامها الذي طالما انتظرته بشروط وصفات ومواصفات معينة لا وجود لها إلا في أبطال المسلسلات التي كانت لا تحيد عن مشاهدتها قيد أنملة.

تردد على طلب يدها راغبون كثر، لما حظيت به من جمال وقدّ، وحسن خلق ووضع اجتماعي.. “إنّها أجمل فتيات قريتها، وأحسنهن خُلُقا، ووحيدةُ ثريّ صنع مجده بعصاميّة نادرة..” فكانت ترفض من يرغب في الزواج منها لأتفه الأسباب.. تقدم لها الأستاذ، والنجار وساق العائلة.. والشاب الجميل الذي بُثرت يده اليمنى من معصمها.. وأخيرا شاب وسيم يدير متجرا لمواد البناء.. ولكل واحد منهم قصة متعلقة بها وبــ (اليد الخزفية) ذات الدلالات المتعددة في هذا السرد المشوق أسلوبا، ولغة، المرغِّب في تتبع أحداث القصة وتفاصيلها المتداخلة حكائيا.

يقوم القاص الطاهر لكنيزي في هذا النص السردي الموسوم بــ “يد”، بالحفر كتابة وتأليفا، ابتغاء تعرية بعض القيم المنتشرة في المجتمع، والمتجذرة في الأعراف والعادات والمعتقدات المتفشية بين طبقات معينة من الناس، طبقة مطبوعة بمستوى ثقافي بنيوي مؤسس على ثقافة التوارث الضيقة جدا، طبقة عرفت بعقلية ترتكز في خطاباتها على الخرافة والشعوذة، وتؤمن باستحضار الطلاسم والخزعبلات، إيمانا لا يتزحزح رغم انحرافه عن المعقول والمنطق.

فمن يصنع إذن هذه القيم؟ المجتمع أم الإنسان داخل المنظومة الاجتماعية؟ طبعا، إذا تأملنا في هذا النص السردي العميق: “يد”، يتجلى لنا ذلك البناء الاجتماعي والثقافي المتشابك عموديا، والمتشاكل أفقيا، على قواعد ثقافية شعبية وإرهاصات ضاربة في القدم، متوارثة جيلا عن جيل بعيدة عن العلم، تقوم على أساس من البداهة والعاطفة.

إن الأدب عموما والسرد القصصي والروائي خصوصا، يتيح أمام الدارس القيام بالحفر في تربة المجتمعات الإنسانية، لاستخلاص الظواهر والإشكالات المتعالقة بالإنسان، وبالمعيش اليومي، وبالحياة الاجتماعية، وما يتمخض عنها أنثروبولوجيا، من تصورات وسلوكيات في إطار نظم اجتماعية، وأنساق ثقافية متفاوتة.

هوامش الدراسة:

  • عبد المنعم الحفني، “المعجم الشامل لمصطلحات الفلسفة”، مكتبة مدبولي – القاهرة، الطبعة الثالثة 2000، ص 115.
  • د حسن فهيم، “قصة الأنثروبولوجيا”، عالم المعرفة -الكويت، 1986، عدد 98، ص 8.
  • مجموعة أدباء، “بردة السرد”، مختارات عربية من القصة القصير والقصيرة جدا”، إعداد حسن يارتي، الناشر: برشلونة الأدبية. جامعة المبدعين المغاربة. الطبعة الأولى 20ً25. ص 6.
  • نفسه، ص 6.
  • نفسه، ص 7.
  • جيرالد برنس، “قاموس السرديات” ترجمة السيد إمام، ميريت للنشر والمعلومات – القاهرة، الطبعة الأولى، 2003، ص 58.
  • بردة السرد، ص 8.

 

ناقد من المغرب

عن madarate

شاهد أيضاً

العدد الواحد السبعون السنة السابعة مارس 2026

   

اترك تعليقاً