الرئيسية / الأعداد / حوار مع الزجال المغربي نور الدين مديح

حوار مع الزجال المغربي نور الدين مديح

حوار مع الزجال المغربي نور الدين مديح

حاوره الشاعر الحسَن الگامَح

يأخذنا هذا الحوار مع الزجّال المغربي نورالدين مديح في رحلة عميقة إلى عالَم الزجل المغربي الأصيل، الذي ينهل من التراث الشعبي ويواكب قضايا العصر. يشاركنا مديح في هذا اللقاء جوانب من مسيرته الإبداعية، التي بدأت في بيئة مولعة بالشعر والمديح النبوي، وتأثرت بالظاهرة الغيوانية التي شكلت نقطة تحوّل في مساره. يتناول الحوار رحلة الزجّال في استلهام مواضيعه من تفاصيل الحياة اليومية، وعلاقته المتجذرة باللهجة المغربية، بالإضافة إلى التحديات التي تواجه الزجل كممارسة فنية في المغرب. كما يكشف عن رؤاه حول مستقبل هذا الفن ودوره في الحفاظ على الهوية الثقافية. إنه لقاء يكشف عن شغف فنان، وعمق تجربته، وحرصه على أن يكون الزجل مرآة تعكس هموم المجتمع وطموحاته.

الجزء الأول: البدايات والنشأة

1. كيف كانت بدايتك مع الزجل؟ وهل كان هناك شخص أو حدث مهم ألهمك لدخول هذا المجال؟

منذ طفولتي، نشأت في بيئة مولعة بالشعر، حيث كان والدي وجدي، رحمهما الله، يحفظان قصائد ومدائح نبوية. وكان جدي، الذي قيل إنه ناظم ومدّاح، يشاركنا رباعيات ورثها عن جده. تأثرت بهذه الأجواء، وزاد شغفي مع ظهور الظاهرة الغيوانية التي كنت أردد أغانيها وأحاول فهم معانيها العميقة. كان ابن عم أبي، عبد اللطيف مديح المعروف بـ”باطمة”، يكتب زجلاً غيوانيًا، وكانت له علاقة بمجموعة “ناس الغيوان”؛ مما زاد من ارتباطي بهذا الفن. كما كنت أتابع ما يُنشر من أعمال لكبار الزجالين مثل أحمد لمسيح وإدريس أمغار.

2. ما الذي جذبك تحديدًا للزجل المغربي مقارنةً بأنواع الشعر الأخرى؟

في البداية، كانت ميولي تتجه نحو الشعر الفصيح، وكتبتُ قصصًا قصيرة وقصائد نثرية متأثرًا بمارسيل خليفة، محمود درويش، ونزار قباني. لكن احتكاكي بابن عمي وولعي بالظاهرة الغيوانية دفعاني نحو الكتابة بالدارجة المغربية. وجدتُ في الدارجة استقلالية أكبر في التعبير، كما أن ردود الفعل الإيجابية التي تلقيتها من المقربين على قصائدي الأولى جعلتني أدرك أن هذا النمط هو الأنسب لي.

3. من هم الزجالون الذين تأثرت بهم في مسيرتك؟ وما أبرز قصائدهم التي لا تزال عالقة في ذاكرتك؟

تأثرت بشكل خاص بأسلوب أحمد لمسيح، الذي جدد القصيدة الزجلية بأسلوبه المستوحى من الشعر الحر. كما أثرت فيّ كتابات كل من العربي باطمة، إدريس أمغار مسناوي، عبد القادر القادري، وأحمد فؤاد نجم. وأيضًا، لا يمكنني أن أنسى قصائد كتاب الأغنية المغربية المعاصرة مثل علي الحداني، الطيب لعلج، وفتح الله لمغاري.

4. متى شعرت لأول مرة أن لديك القدرة على كتابة الزجل؟ وهل تتذكر أول قصيدة كتبتها؟

شعرت بهذه القدرة في سن مبكرة، بفضل احتكاكي بتجربة ابن عمي ومتابعة الظاهرة الغيوانية. كانت قصيدة “الأمل” من أوائل ما كتبته آنذاك:

على الفراق إني ما صابر

يطول البعد والهموم تتكاثر

يزداد الشوق في ذكرك

والعين دموعها تنفجر

القلب في أحلامه عايش

في وهم رجوعك صابر

العقل في تفكيره شارد

يهمّد جراح عنادك يكابر

حياتي بلا بيك بلا معنى

صبحت عبارة عن ذكرى

تصفحها تفهم يا غافل

شحال قصّات من الحسرة

ما هي تنسى في الحين

أو تُقطع أوراقها بالمرة

حكايتي بك ستعيش سنين

منقوشة في القلب تكويه جمرة

 

الجزء الثاني: الإبداع والأسلوب

1. كيف تختار مواضيعك الزجلية؟ وهل تستمد إلهامك من أحداث معينة أو مواقف يومية؟

مواضيعي مستمدة من المواقف التي تثيرني، سواء كانت اجتماعية أو عاطفية. بعض القصائد تولد بشكل عفوي وسريع، مدفوعة بقوة الإحساس، في حين أن قصائد أخرى تتطلب وقتًا أطول في البناء، خاصة تلك المخصصة للمسابقات أو السجالات.

2. ما هي خطواتك المتبعة في كتابة قصيدة زجلية؟

تختلف الخطوات باختلاف نوع القصيدة:

القصيدة العفوية: تبدأ بجملة ملهمة، وتتوالى بعدها الصور البلاغية بشكل تلقائي وسريع.

قصيدة المسابقات: تتطلب تخطيطًا أكبر، حيث أختار الشكل (عمودي أو نثري)، أبحث عن الصور البلاغية والمفردات المناسبة، ثم أكتب القصيدة وأراجعها بعد يوم أو أكثر. أصف هذه العملية بقولي: “نسج قرشل المعنى، غزل لحروف، كبب لكلمة، اعقد خلخل انسج، كَرّجْ زربية مزركشة”.

3. هل تفضل الكتابة في مواضيع عاطفية، اجتماعية، وطنية أو سياسية؟ ولماذا؟

المواقف هي التي تحدد الموضوع. إذا أحسست بموقف وتفاعلت معه، تولد القصيدة. مؤخرًا، جربت مواضيع علمية، متأثرًا بالزجال إدريس أمغار مسناوي، وكتبت ثلاث قصائد: “نسافرو ف الكون”، “لهيه (السكن ف الكون)”، و**”بغيت نور”**.

4. كيف تحافظ على أصالة اللهجة المغربية مع تطور اللغة الدارجة؟

أحرص على استخدام المفردات المتداولة في اللهجة المغربية اليومية، والتي يسهل فهمها، وتكون قريبة من اللغة العربية الفصحى قدر الإمكان.

5. هل هناك قوالب زجلية معينة تفضلها؟ ولماذا؟

تأثري بفن الملحون، خاصة بعد إقامتي في مكناس، جعلني أقتبس منه في بناء بعض قصائدي. فزت بالمرتبة الثالثة في مسابقة “الصالون الثقافي والفني” بقصيدة “اتاي بلادي”، التي كتبتها على هذا القالب. أرى أن الملحون فن راقٍ في بنائه ومعناه، ويحتوي على بحور شعرية وصور بلاغية لا توجد في الأشكال الأخرى.

 

6. كيف توازن بين الوزن والقافية من جهة والمعنى والرسالة من جهة أخرى؟

فن الملحون يلهمني هذا التوازن. أبدأ بتشكيل فكرة القصيدة، ثم أختار الوزن والقافية المناسبة، مع الحرص على الحفاظ على سلاسة المعنى والرسالة التي أود إيصالها.

 

7. هل تستخدم الموسيقى كملهم لزجلك، أو العكس؟ وكيف ترى العلاقة بين الزجل والموسيقى؟

أرى أن الزجل والموسيقى متلازمان. فالموسيقى هي الوزن الذي لا يمكن الخروج عنه. شخصيًا، أفضّل الاستماع إلى القصيدة الزجلية على قراءتها، حيث تزيد الموسيقى وحسن الإلقاء من جمالها ومعناها.

 

الجزء الثالث: الزجل كممارسة فنية

1. ما هي أبرز التحديات التي يواجهها الزجال في المغرب؟

يواجه الزجالون العديد من التحديات، منها:

قلة المنابر والفضاءات: لا تتوفر مساحات كافية لعرض أعمالهم.

ضعف الاهتمام النقدي: يندر وجود نقاد متخصصين في أعمال الزجالين.

غياب الدعم الرسمي: لا يوجد دعم كافٍ من وزارة الثقافة أو الجهات المنظمة للمهرجانات.

صعوبة التوثيق: هناك غياب للمساعدة في توثيق الأعمال الزجلية.

محدودية اللقاءات: اللقاءات الزجلية قليلة ومتباعدة.

2. كيف ترى مكانة الزجل المغربي على الساحة الفنية والثقافية؟ وهل يحظى بالتقدير الكافي؟

على الرغم من تزايد عدد الزجالين والزجالات في السنوات الأخيرة، خاصة على المنصات الرقمية، إلا أن الزجل لا يزال يعاني من ضعف الاهتمام الرسمي. لكن مكانته تتزايد بين المثقفين.

3. هل هناك اختلافات جوهرية بين الزجل الرجالي والزجل النسائي في المغرب؟

لا أرى اختلافات جوهرية، فالزجل هو منظومة فنية واحدة. لكن يمكن ملاحظة بعض الاختلافات في الأسلوب؛ فالزجل النسائي يميل إلى “السهل الممتنع” في كثير من الأحيان، ويهتم بالمواضيع العاطفية أكثر من الزجل الرجالي الذي يميل أكثر إلى المواضيع السياسية. الجدير بالذكر أن الزجل النسائي أصبح أكثر جودة وجرأة وغزارة في الإنتاج مقارنة بالعقود الماضية.

4. كيف يمكن للجيل الجديد أن يساهم في إحياء الزجل والحفاظ عليه؟

يمكن تحقيق ذلك عبر:

إدخال الزجل في المنظومة التربوية والتعليمية.

تشجيع الجمعيات الثقافية للشباب على فهم تقنيات القصيدة الزجلية وتوفير فضاءات للممارسة.

إقامة مسابقات سنوية في المدارس والجامعات بالتعاون بين وزارتي التربية والثقافة.

5. ما هي أهم المحطات في مسيرتك الزجلية التي تعتبرها علامات فارقة؟

أقسم مسيرتي إلى محطتين:

المحطة الأولى (16-32 سنة): كانت فترة البداية والتعلم من تجارب الرواد، وكانت كتاباتي قليلة من حيث الكم ولكنها غنية من حيث الكيف.

المحطة الثانية (32-62 سنة): فترة انقطعت فيها عن الكتابة بسبب ظروف العمل والانتقال إلى مكناس. كان انشغالي بالعمل وتكويني الذاتي، بالإضافة إلى عدم وجود من يشاركني شغفي، سببًا في هذا الانقطاع. لكن فكرة العودة كانت تراودني دائمًا. بعد التقاعد، بدأت رحلة البحث والتقرب من المجتمع الثقافي، وكان للقاء بالفاعل الجمعوي عبد علي بوزيان دور كبير في عودتي للكتابة والنشر عبر منصات التواصل الاجتماعي. كما قدم لي العديد من المثقفين الدعم، مثل حسن إمامي، محمد أدرغة، عبدالله دكدوك، ومحمد المرعازي.

6. هل ترى أن هناك حاجة لتوثيق الزجل المغربي بشكل أكبر؟ وما هي الطرق المقترحة لذلك؟

نعم، هناك حاجة ماسة لتوثيق الزجل. فكثير من الكتابات الزجلية الشفهية ضاعت بموت حفظتها، وإبداعات ذات جودة عالية لم تصل إلى الأجيال الحالية. توثيق الزجل ضروري لأنه يحكي جزءًا من تاريخنا وحضارتنا وهويتنا. يمكن الاستفادة من التجربة الرائدة لأكاديمية المملكة في توثيق فن الملحون.

 

الجزء الرابع: أسئلة شخصية وتأملية

1. ما هو أعمق أثر تركه الزجل في حياتك؟

الزجل ساهم في توطيد علاقاتي الاجتماعية، ومنحني سكينة روحية.

2. لو لم تكن زجالًا، فماذا كنت ستكون؟

كنت سأكون كاتب قصص، فقد كنت مولعًا بالقصة والرواية في شبابي.

3. ما هي الرسالة التي تحرص على إيصالها للجمهور من خلال زجلك؟

أحرص على إيصال رسائل حول الحفاظ على السلم الاجتماعي والسعي نحو المعرفة. كما أوجه رسالة للمواهب الصاعدة بأن يثقوا بأنفسهم وأن يكونوا هم التغيير الذي يتمنون رؤيته.

4. ما هي القصيدة الزجلية الأقرب إلى قلبك من أعمالك الخاصة؟ ولماذا؟

كل قصيدة لها مكانة خاصة في قلبي، لأن كل واحدة هي تجربة إنسانية فريدة عشتها. أعتبر قصائدي مثل أبنائي، لا فرق بين واحد وآخر. أشارككم قصيدة “ضيق الحال” التي تعكس معاناة المجتمع:

 

يَا رَبِّي حَلْ عَقّاد مِنْ صُعْابَتْ اَّيَّامُو

بِهْمُومْ زَمَّانُو مَا اِرْتَاحْ لِيِه بَالْ

نَاسْ ملَاَحْ عَلَ فِعْلْ الْخَيْرِ رَامُو

يَسَاعْدُو كُلْ هُو فِ ضِيقْ الْحَالْ

بارك للناظم لقصيدة وارحامو

مديح بنلمداح سعدو براحة البال

عن madarate

شاهد أيضاً

أحلام فارس – حسن لشهب

حسن لشهب*   أدار عينيه في كل اتجاه ناظرا لما حواليه دون كبير اهتمام باحثا …

اترك تعليقاً