الرئيسية / الأعداد / عبد الله الحريف المناضل الذي ورث استقامة الوالد المتدين وهام بفكر ماركس – مـحـمد بـشـار

عبد الله الحريف المناضل الذي ورث استقامة الوالد المتدين وهام بفكر ماركس – مـحـمد بـشـار

عبد الله الحريف المناضل الذي ورث استقامة الوالد المتدين وهام بفكر ماركس أو المكناسي الذي لم يروضه رصاص سنوات الجمر

مـحـمد بـشـار*

 

سلسلة متواضعة عن أعلام مدينتي مكناس. أعدها تحت عنوان (علم من مدينتي) وذلك للتذكير بهم وبأهم منجزاتهم.

 

بداية أتقدم بالشكر الكبير للأستاذ عبد الله الحريف على تفاعله الجميل مع طلبي، وتجاوبه بسعة صدر وأريحية وصراحة مع تساؤلاتي وأسئلتي الشفاهية والمكتوبة، وتعاونه معي في إنجاز هذه الورقة.

العلم المكناسي، موضوع ورقتنا لهذا الشهر، شخصية سياسية مغربية متميزة ومثيرة للجدل. إنه أحد رموز الحركة الماركسية اللينينية بالمغرب، أو اليسار الجدري كما يحلو للبعض أن يسميه، وأحد قيادييه البارزين الذين ما بدلوا تبديلا. سواء اختلفنا أو اتفقنا معه، يبقي عبد الله الحريف أحد المناضلين المغاربة الأصلاب الذين اكتووا مطولا بنار سنوات الرصاص دون أن تفلح طلقاتها في ترويضه أو تجعله يحيد عما يؤمن به ويتبناه من أفكار ومبادئ ومواقف. باختصار، عبد الله ما بعد السجن بقي مخلصا لعبد الله ما قبل السجن رغم فترات المعاناة الطويلة.

ولد عبد الله الحريف سنة 1946 بمكناس بالمدينة العتيقة بزقاق القرموني (درب سعدون) بمنزل عتيق حازته الأسرة عن طريق الإرث العائلي. وكان ترتيبه الثالث في سلسلة ولادات الأسرة التي تتكون من خمسة أولاد وثلاث بنات.

والدا عبد الله ينحدران من عائلتين عريقتين بمكناس، وهما الحريف بالنسبة للأب وبنعبد الجليل بالنسبة للأم.

يروي عبد الله بان الحالة المادية لأبيه، الطيب الحريف، لم تكن جيدة في بداية حياته الزوجية، التي استهلها في الفترة الاستعمارية. تلك الفترة التي كان يتعاطف خلالها بشكل كبير مع حزب الاستقلال، وكان ينتظر أن يتم اعتقاله بسبب ذلك بين الفينة والأخرى.

كان في إمكان السيد الطيب الحريف أن يكون في وضعية مالية أفضل لو قبل بمهنة “عدل”، لكونه كان خريجا لجامعة القرويين. لكنه -وهو الرجل المتدين العفيف -لم يفعل:

– تخوفا من ممارسة مهنة، كانت للأسف مرتبطة في التصور الشعبي بعدم الاستقامة والتدليس.

– توجسا من أن يجد نفسه متورطا أو مرغما على اقتراف آثام يرفض أن يحمل أوزارها ﺇلى يوم القيامة.

توجسه هذا كان يعبر عنه بقوله لزوجته، “لن تكوني معي في قبري”. في المقابل اكتفى بإعطاء دروس في الجامع الكبير نظير أجر متواضع.

رغم دخل الوالد المتواضع، يقول عبد الله، كانت أحوال الأسرة ميسورة. فالوالد كان يملك أرضا فلاحية في أحواز مكناس، كانت توفر للأسرة أهم احتياجاتها من المواد الغذائية الفلاحية من خضر وفواكه وحبوب. لاحقا سيقتني بستان أشجار فواكه في حي الزيتون الذي كان، في تلك الفترة، عبارة عن بساتين وأراضي فلاحية. وقد كنا نقضي فيه عطلة نهاية الأسبوع وجزء من إجازة الصيف.

مع بداية مرحلة الاستقلال -الذي يعتبره عبد الله استقلالا شكليا-سيصبح الوالد أستاذا في التعليم الثانوي الأصيل، وبذلك ستزداد الوضعية المادية للأسرة تحسنا. لقد فضل السيد الطيب ميدان التدريس على وظيفة قاضي شرعي، اعتبارا لما سبق من جهة. ومن جهة ثانية، لكونه كان يحرص بكل قوة على الابتعاد عن كل ما له علاقة بالمخزن، ويتحاشى ما أمكن الحضور في المناسبات الرسمية.

على مستوى آخر، كان السيد الطيب مولعا بالمطالعة وكان مشتركا في بعض المجلات والكتب: الهلال المختصة في سير العباقرة، وكان عباس محمود العقاد من كتابها الأساسيين. روايات تاريخ الإسلام لجورجي زيدان. وأيضا العديد من كتب الدين الإسلامي وسير الأنبياء والتاريخ «العربي-الإسلامي”. وقد ترك خزانة مهمة تتوفر، زيادة على الكتب والمجلات، على مخطوطات كثيرة. هذا الغنى المعرفي كان محفزا لعبد الله ليلتهم العديد من محتويات الخزانة أيام طفولته.

عن عائلة والدته (بنعبد الجليل) يقول: كانت من العائلات الغنية بمكناس، فجده الذي كان تاجرا ناجحا، كان يملك ضيعة ضخمة بنواحي مكناس وفيلا بإفران، كما كان لديه رياض كبير بحي روامزين، حيث كان يقيم رفقة بعض أبنائه وأسرهم الصغيرة. وضعه الاجتماعي والمالي هذا، أهله لأن يصبح رئيسا للغرفة التجارية لمكناس.

من ذكرياته، يروي عبد الله:

– أن أباه كان مرهف الإحساس، وكان يصاب بقلق شديد كلما تأخر أحد أفراد الأسرة في الرجوع إلى المنزل. ورغم أنه كان يتمالك نفسه خلال زياراته لي في السجن، فقد علمت فيما بعد، أنه كان يتألم كثيرا بسبب اعتقالي. في يوم 24 شتنبر 1986، وأنا ما زلت في السجن، وافته المنية، ورفضت السلطة حضوري في جنازته.

– أن أمه، كانت تتمتع بشخصية قوية جدا مكنتها من مواجهة كل المحن والمضايقات بعزيمة وجلد. وبسبب مشاركتها في الاحتجاجات التضامنية معنا، خلال إضرابنا الطويل عن الطعام سنة 1977 (45 يوما)، تعرضت، بمعية عدد من أمهات المعتقلين، للحبس في كوميسارية الرباط. على عكس الوالد، توفت أمي بعد خروجي من السجن، وكان ذلك يوم 9 نونبر 2014.

– أن إخوته جميعا كانوا متعاطفين معه في محنته، والبعض منهم كان يشاطره أفكاره.

– أن عمه محمد، الذي كان يقطن معهم في نفس المنزل، لم يكن لديه أطفال، وكان ضعيف البصر، لهذا كان يعتمد على عبد الله في كل مسائله المهنية التي تستوجب الحساب والتوثيق.

– أن عمه هذا كانت لديه زوجة ذات شخصية قوية، وكانت مولعة بالأفلام المصرية ولأجل مشاهدة هذه الأفلام كانت تذهب الى قاعات السينما غير آبهة بأي شيء. وربما كانت السيدة الوحيدة المنقبة في المدينة العتيقة، المحافظة جدا في تلك الفترة، التي كانت تتجرأ على الذهاب ﺇلى السينما.

– أن عمه إدريس، الذي كان يقطن منزلا محاذيا لمنزلهم، كان إنسانا طيبا ومنزويا على نفسه، وكان من مريدي الزاوية الدرقاوية.

– أن العائلة شهدت سنة 1961 حدثا أليما تمثل في وفاة جده وجدته لأمه اختناقا بالغاز.

– أنه بعد هذه الكارثة أصبحت الأسرة تقضي عطلة الربيع في مراكش وعطلة الصيف في طنجة. قبل ذلك كانت تقضي الاجازات موزعة بين ضيعة ناحية مكناس وفيلا إفران.

– أنه خلال السنة الدراسية 61-62 حصل على أعلى نقطة في التاريخ وأدناها في الجغرافية الشيء الذي أوقع أستاذه –في التاريخ والجغرافية-في حرج.

عن مساره التعليمي يحكي: بدأت دراستي في الجامع المحاذي لمنزلنا عند الفقيه السي جدي. ورغم التحاقي بالمدرسة الحرة (وهي مدرسة للوطنيين كان يديرها السيد الجيلالي مزوار) لمدة سنتين، ثم بعدها بمدرسة عمومية (المدرسة الابتدائية الفرنسية-الإسلامية درب السلاوي)، ضللت أتردد على الجامع لحفظ القرآن إلى حدود حصولي على الشهادة الابتدائية. فيما بعد التحقت بثانوية مولاي إسماعيل حيث تسجلت في الشعبة الفرنسية. قضيت بهذه المؤسسة ست سنوات، انتقلت بعدها الى ثانوية بول فاليري التي حصلت فيها على الباكالوريا سنة 1966 في شعبة الرياضيات بميزة حسن. خلال مرحلة دراستي الثانوية تعرفت على العديد من التلاميذ الفرنسيين واليهود. وكانت العلاقة بيننا يطبعها الود والتنافس الشريف. أغلب التلاميذ اليهود كانوا من قاطني الملاح القديم أو الجديد، وكانوا في المجمل من أسر متواضعة.

كنت مولعا أساسا بمادتين، الرياضيات والتاريخ. خلال الموسم الدراسي 1961-1962 درسنا، في مادة الفرنسية، فلاسفة التنوير (فولتير-ديدرو – روسو)، وفي مادة التاريخ، الثورة الفرنسية. وقد كان لذلك تأثير كبير علي حيث بدأت اطرح بعض الأسئلة على نفسي، واكتشفت بأن التاريخ يخضع لقوانين كنت أجهلها.

بعد البكالوريا، التحقت بالأقسام التحضيرية بثانوية ليوطي بالدار البيضاء حيث قضيت سنتين متعبتين وقاسيتين. فالتحضير لمباريات مدارس المهندسين الكبرى بفرنسا لم يكن بالشيء الهين. المهم هو أن الفترة كللت بنجاحي في مباراة الدخول الى مدرسة المعادن بباريس.

دراستي خلال ثلاث سنوات في باريس كان لها عظيم الأثر على تفكيري، وبالتالي على نمو ونضج وعيي السياسي. بالموازاة، أصبت، كالعديد من أبناء جيلي، بصدمة قوية إثر هزيمة الجيوش العربية في يونيو 1967. وهكذا بدأت أهتم بالقضية الفلسطينية وأحاول فهم أسباب هذه الهزيمة، وجدور التخلف الذي يضرب المجتمعات العربية. وكان لمكتبة ماسبيرو، التي كانت تزخر بالعديد من الكتب القيمة التي تتناول هذه المواضيع وغيرها، الفضل الكبير في اطلاعي على العديد من الأجوبة لمجموعة من التساؤلات التي كانت تؤرق كياني.

ولأن مدرسة المعادن توجد في شارع سان ميشال، في قلب الحي اللاتيني، فإنني وجدت نفسي في قلب أحداث “ماي 1968″، التي استمرت لحوالي شهرين، وواكبت الإضرابات والمظاهرات والاعتصامات التي طبعتها، وكذلك القمع الذي جوبهت به والنقاشات المتعددة التي أثارتها، كأزمة المجتمع الفرنسي والقضايا العالمية الكبرى، خاصة حرب التحرير الشعبية التي كان يخوضها الشعب الفيتنامي ضد أمريكا وعملائها…

عندما أشرفت السنة الأخيرة من دراستي، في مدرسة المعادن، على نهايتها، اقترح علي أستاذ الرياضيات أن أمكث في فرنسا وأحضر شهادة دكتورة تحت إشرافه. لكنني رفضت العرض لأنني كنت أحلم بالعودة لبلدي لأساهم في تنميته.

عاد عبد الله الى المغرب مهندس دولة والتحق بمكتب التنمية الصناعية، لكنه أصيب بخيبة أمل كبيرة. فهذا المكتب لم يكن يحمل من التنمية إلا الاسم.

في بداية السبعينات تفجرت فضيحة كبيرة في البلد، وكان ذلك على عهد حكومة أحمد العراقي. أبطالها كانوا مسؤولين كبار (وزراء، مدراء مؤسسات عمومية، موظفون سامون، مهندسون … من مغاربة يهود ومسلمين) اعتقلوا وحوكموا بتهمة الرشوة وسوء التدبير. هذه الأحداث عمقت وعي عبد الله بتغلغل الفساد في كل مفاصل الإدارة، وباستشراء اللامبالاة بين المسؤولين وبحثهم فقط عن مصالحهم الخاصة على حساب تنمية البلد ومصالحه العليا. وكان من نتائجها أنها حفزت عبد الله ﺇلى جانب مجموعة من المهندسين الشباب، المهووسين بتقدم بلدهم وازدهاره، كأمين عبد الحميد وأنيس بلافريج ومحمد الخطبي وعلى العمراوي وآخرون، على العمل على تأسيس الاتحاد الوطني للمهندسين على أساس ميثاق أهم بنوده:

– محاربة الانتهازية والوصولية التي كانت تسم تصرفات العديد من المهندسين الذين كانوا يستغلون مراكزهم الوظيفية وجمعياتهم المهنية لتحقيق أطماعهم الخاصة.

– المساهمة في توعية المهندسين وتحسيسهم بدورهم الحاسم في تنمية البلاد وخدمة مصالح الشعب.

هكذا أصبح عبد الله، سنة 1971، أول كاتب عام للاتحاد الوطني للمهندسين المغاربة.

في نفس السنة تعرف عبد الله على أبراهام السرفاتي الذي كان من المساندين بقوة لتأسيس الاتحاد.

سنة 1972ساهم الاتحاد الوطني للمهندسين المغاربة، بجانب الاتحاد الوطني لطلبة المغرب والاتحاد الوطني للتقنيين والنقابة الوطنية للتعليم في تأسيس أول لجنة لمناهضة القمع في المغرب. وفي نفس السنة، أي 1972، أسهم عبد الله، مع أنيس بلافريج ومحمد الخطبي وجمال بلخضر، في كتابة وتوزيع بيانات في الأحياء الشعبية في الدار البيضاء وذلك:

+للتعريف بالنضالات التي تخوضها الطبقة العاملة والطلبة والتلاميذ والقمع الذي يواجهون به.

+إنعاش الحركة الجماهيرية بعد المحاولتين الانقلابيتين ليوليوز 1971 وغشت 1972.

في شهر مارس من نفس السنة وقعت عدة اعتقالات، من بين ما مست مهندسين من مؤسسي الاتحاد الوطني للمهندسين (أنيس بلافريج وأمين عبد الحميد ومحمد الخطبي). أفلت عبد الله من هذه العملية، فدخل إلى السرية لبضعة شهور. وقد قام الاتحاد الوطني للمهندسين خلال تلك الفترة بحملة قوية للتنديد بهذه الاعتقالات والتضامن مع المعتقلين. وكان من المفروض أن تتوج تلك الحملة بإضراب عام للمهندسين لولا-كما يروي عبد الله-عرقلة تنفيذه من طرف مهندسي حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، الذي كان يراهن آنذاك على عقد توافق مع النظام.

منذ عودته من فرنسا والى حدود شهر ماي 1972، لم يكن عبد الله منخرطا في أي تنظيم سياسي شرعي كان أو سري. كان يمارس نشاطه النضالي بشكل حر، ومن منطلق ما كانت تمليه عليه قناعاته وملاحظاته، ومما استطاع تجميعه وراكمه من معطيات ومعلومات سلبية عن حكامة البلد وظروفه العامة. خلال هذه الفترة، وجد عبد الله نفسه مضطرا لإعادة تكوين نفسه في اللغة العربية لكونها لغة الكتابة والتواصل مع المواطنين والمناضلين. فتعليمه الذي كان أساسا باللغة الفرنسية (البعثة الفرنسية بالمغرب – مدرسة المعادن بفرنسا) فصله عن لغته الأم، ولم يترك له الفرصة لتنمية المستوى الذي اكتسبه فيها خلال المرحلة الابتدائية. أكثر من ذلك يروي عبد الله بأنه فقد حتى عادة الكتابة بالعربية.

في نفس الشهر (ماي 1972)، أي بعد حوالي سنتين على تأسيس المنظمة، في 30 غشت 1970، اتصل به أبراهام السرفاتي الذي كان في السرية، بعد إفلاته من عملية الاعتقالات المذكورة، وأخبره بوجود المنظمة الماركسية-اللينينية “إلى الأمام”، ودعاه للالتحاق بها. الشيء الذي قبله دون تردد.

بدأ عبد الله نشاطه في “منظمة الى الأمام” في الرباط. وفي بداية 1974 انتقل الى الدار البيضاء وفيها انضم الى إحدى خلايا التنظيم السرية. أنشطة وتحركات أعضاء الخلايا السرية كانت تخضع لنظام أمني صارم، لدرجة أنه كان يجهل أسماء رفاقه في مختلف الخلايا وأيضا أماكن الاجتماعات نتيجة لتطبيقه الحرفي للإجراءات الأمنية.

خلال شهر نونبر 1974، انطلقت حملة اعتقالات واسعة في صفوف عناصر الحركة الماركسية-اللينينية المغربية. لثاني مرة، أفلت عبد الله من الاعتقال بسبب انتقاله من الرباط الى الدار البيضاء، ولعدم معرفة الشرطة بمكان إقامته الجديد. أحد أبناء عمومته، الذي اعتقل خطأ، أخبره بالبحث الجاري عنه. الشيء الذي اضطره إلى الدخول إلى السرية والإقامة في منزل اكتراه التنظيم وكان يجهل موقعه. سيعرف هذا الشهر وفاة المعتقل عبد اللطيف زروال تحت التعذيب وهو في سن الثالثة والعشرين.

حرية عبد الله لم تدم طويلا، إذ في 30 يناير 1975، ستضع الشرطة يدها عليه بمعية رفيقين، هما إدريس بنزكري وفؤاد الهيلالي اللذان كانا يقطنان معه نفس المنزل واللذان لم يكن يعرف أسماءهما. تم اقتياد عبد الله إلى المعتقل السري درب مولاي الشريف، الذي مكث فيه إلى حدود 15 يناير 1976. خلال هذه الفترة كان تحت الحراسة ليلا ونهارا. وقد تعرض للتعذيب والاحتجاز ممددا على الأرض، معصوب العينين، مقيد اليدين، محروما من الكلام مع من كان معه في الزنزانة، وفي ظروف ينتفي فيها الحد الأدنى من شروط النظافة والتغذية وغيرهما.

بعد هذه الفترة، نُقل عبد الله الى السجن المدني للدار البيضاء (اغبيلة)، حيث وضع في زنزانة منفردة لمدة تجاوزت السنة، وفي عزلة تامة عن باقي المعتقلين وفي ظروف صعبة (زيارات قصيرة جدا-حراسة مشددة – “فسحة” لا تتجاوز مدتها 10 دقائق في ممر ضيق لا تصله الشمس…) لكن ما ساعده نسبيا على مواجهة عزلته هو السماح له بالتوصل بالكتب التي كان يلتهمها بنهم.

تبين -حسب عبد الله-أن النظام كان يماطل في تقديم مجموعتهم إلى المحاكمة لانزعاجه من موقف منظمة “إلى الأمام” من قضية الصحراء. نتيجة لهذا لتماطل قامت المجموعة بإضراب لا محدود عن الطعام دام 17 يوما، وذلك للمطالبة بالمحاكمة أو إطلاق السراح. وقد استفادت المجموعة في حركتها هذه من دعم العائلات، ولجن مناهضة القمع بفرنسا، وكذلك زيارة رئيس الدولة إليها (فرنسا) في فترة تنفيذ الإضراب. وهكذا اضطر النظام إلى إطلاق سراح 105 معتقلا وتقديم 139 عنصرا إلى المحاكمة. هذه المحاكمة، التي حوكم فيها بعض الرفاق غيابيا، كانت على رأي المجموعة مهزلة بكل المقاييس، وهو ما دفع المعتقلين إلى القيام بإضراب جديد لا محدود عن الطعام، دام 19 يوما وقاطعوا الجلسات المتبقية من المحاكمة. صدرت الأحكام وكانت صادمة وجد قاسية، فقد تراوحت، بالنسبة للأغلبية الساحقة من المعتقلين، بين 20 سنة نافذة والمؤبد. وكان عبد الله من فئة المحكومين ب 20 سنة نافذة. لعبت العائلات دورا كبيرا في التحسيس بقضية ذويهم المعتقلين، والتعريف بها وفك الحصار عنهم ودعمهم بكل الوسائل الممكنة. وقد قدم العديد من أفراد العائلات تضحيات كبيرة في سبيل ذلك.

في مارس 1977، يقول عبد الله، نقلت المجموعة إلى السجن المركزي بالقنيطرة وتم توزيعها على ثلاثة أحياء. أما السرفاتي فقد احتفظ به، في عزلة تامة، في السجن المدني بالدار البيضاء. نفس السجن بقيت فيه الرفيقات المعتقلات. ونتيجة لهذه الوضعية انطلقت معارك جديدة كان من أهم مطالبها:

-معاملة المعتقلين كمعتقلين سياسيين

– فك العزلة وتجميع كل عناصر المجموعة في سجن واحد

– إلحاق أبراهام السرفاتي بالمجموعة

هذه المعارك عرفت ذروتها خلال الإضراب اللا محدود على الطعام الذي استمر لمدة 45 يوما واستشهدت خلاله الرفيقة سعيدة لمنبهي يوم 11 دجنبر 1977. ومع توالي الاحتجاجات واﻹضرابات، تم تجميع المجموعة في حيين. وفي سنة 1979 أُلحق أبراهام السرفاتي برفاقه بسجن القنيطرة.

في الحركة الماركسية –اللينينية، يؤكد عبد الله، تعلمنا واقتنعنا بأن السجن واجهة من واجهات النضال. ولذلك ما أن توفرت الشروط حتى انطلق النقاش وسط مناضلي منظمة “إلى الأمام” لتقييم ما وقع، خاصة وأن حملة الاعتقالات اجتثت أغلب أطر ومناضلي المنظمة. عملية التقييم أفرزت خلافات في الآراء وفي التصورات المستقبلية بين الرفاق. هذه الخلافات في وجهات النظر يمكن إجمالها-حسب عبد الله- فيما يلي:

1-اتجاه يعتبر بأن تأسيس الحركة الماركسية-اللينينية كان خطأ، وأنه يجب حلها والالتحاق بأحزاب اليسار.

2-اتجاه يعتبر أن المنظمات الماركسية-اللينينية، لكونها مشكلة من البرجوازية الصغرى لا يمكن أن تبني حزب الطبقة العاملة، وأن على مناضليها -لتحقيق هذا المشروع-الالتحاق، كأفراد، بالطبقة العاملة.

3-اتجاه (كان عبد الله ضمنه) يعتبر:

– أن تأسيس الحركة لم يكن خطأ، بل جاء استجابة لضرورة تاريخية يفرضها تطور الصراع الطبقي في المغرب، ألا وهي، أساسا، مهمة بناء حزب الطبقة العاملة المغربية. وهي المهمة-حسب عبد الله-التي تخلى عنها الحزب الشيوعي المغربي (حزب التحرر والاشتراكية آنذاك-التقدم والاشتراكية حاليا).

– أن أخطاء ارتكبت: المماثلة بين الصمود الذي كانت تدعو إليه منظمة “إلى الأمام” والصدام المباشر مع النظام، وذلك دون أخد موازين القوى بعين الاعتبار-الاعتقاد بأن الثورة على الأبواب -اعتبار الشبيبة التعليمية كمقدمة تكتيكية وقنطرة العبور نحو الطبقة العاملة -الصدام الفوقي مع البيروقراطية النقابية…

– أن مشروع بناء هذا الحزب-رغم ما سجل من هفوات-لا زال قائما. والحل يتمثل في إعادة بناء منظمة “إلى الأمام” السرية على أساس دروس التجربة السابقة والتوجه مباشرة إلى العمل في المعامل…

يضيف عبد الله، سيلعب رفاق السجن، من أنصار التوجه الأخير، دورا مهما في الشروع في إعادة البناء هاته، ومن ضمن ما تم القيام به في هذا الإطار:

+إعادة إصدار مجلة “إلى الأمام” في الخارج وجريدة “الأفق” ومجلة “المقدمة” في الداخل.

– التحاق بعض الرفاق للعمل في المصانع.

– تطوير أشكال للتواصل في الأحياء الشعبية بتكثيف الأنشطة في دور الشباب والجمعيات وإبداع أشكال نضالية علنية جديدة…

على إثر الانتفاضة الشعبية في يناير 1984، التي عمت على الخصوص مراكش – القصر الكبير – الناضور – تطوان – الحسيمة، تعرضت منظمة “الى الأمام” للهجوم من طرف النظام. فقد اتهمها الحسن الثاني بالضلوع فيها، وهكذا تم فرض مجموعة من الإجراءات الأمنية الحازمة: مراقبة صارمة على دور الشباب، منع عدد من المجلات التقدمية، من ضمنها “المقدمة”، اعتقال عدد من المناضلين المتعاطفين مع منظمة “إلى الأمام” في مراكش والحكم عليهم بأحكام قاسية وصلت 15 سنة سجنا نافذا. وستخوض هذه المجموعة إضرابات لا محدودة عن الطعام استشهد خلالها الرفيقين الدريدي مولاي أبو بكر وبلهواري مصطفى، وتسببت في عاهات مستديمة لعدد منها. كما تم اعتقال العديد من مناضلي الحركة الماركسية-اللينينية المسرحين من السجن والحكم على أغلبهم بسنة سجنا نافذا… وباعتقال أغلب مناضلات ومناضلي المنظمة ستتوقف هذه التجربة في نونبر1985

عن علاقات “الى الأمام” مع الحركات الماركسية اللينينية الأخرى، يقول عبد الله بخصوص منظمة “23 مارس”، عرف هذا التنظيم تحولات كبيرة. فقد قام جناح الخارج، الذي كان يشكل الأغلبية، بمراجعات تخلى بموجبها عن الماركسية اللينينية والعمل السري، واستطاع أن يهيمن على المنظمة التي ستتحول إلى “منظمة العمل الديمقراطي الشعبي” في 1 يناير 1983، وستحصل على الشرعية القانونية. (للإشارة، قصة هذا الفصيل لم تنته عند هذا الحد، فقد عرفت تطورات كبيرة ليس هنا مجال سردها). بالنسبة للتوجه الثوري، الذي رفض هذه المراجعات، والذي كان أحد قادته الرفيق الراحل رحال جبيهة، الذي توفى يوم 15 أكتوبر 1979 في محاولة للهروب بغية استئناف عمله الثوري خارج أسوار السجن، فكانت تربطنا بأفراده علاقات ودية ونضالية. هذا التوجه حاول إعادة بناء “23 مارس” في السرية. لكن التجربة تعرضت للقمع وتم اعتقال أغلب مناضليها. ونتيجة للإضرابات البطولية المتوالية عن الطعام التي خاضتها هذه المجموعة، استشهد الرفيق عبد الحق اشباضة، وأصيب العديد من الرفاق بعاهات مستديمة، وخاصة الرفيق حسن العلمي البوطي الذي رافقته العاهة حتى يوم وفاته. عن رفاق منظمة “لنخدم الشعب” في السجن، يقول عبد الله علاقتنا بهم كانت شبيهة بما كان يربطنا بالجناح الثوري لمنظمة 23 مارس.

الحياة في سجن القنيطرة بدأت -حسب عبد الله-تتحسن تدريجيا بعد سنة 1979. فالسجن، يقول، الذي نعتبره ساحة للنضال. كان كذلك مدرسة. وهكذا إضافة إلى الدراسة حيث حصلت على إجازة ودبلوم الدراسات العليا في الاقتصاد، كان وقتي يتوزع بين:

– القراءة، فقد أصبحنا نتوفر على خزانة هامة جدا، اكتسبناها خاصة بفضل الرفيق السرفاتي الذي كان شغوفا بتتبع آخر الإصدارات في ميادين متعددة بالفرنسية والإسبانية والانجليزية (التاريخ وعلم الاجتماع والماركسية والاقتصاد والسياسة والفكر والفلسفة…)

-العمل النضالي: تتبع عملية إعادة بناء “إلى الأمام”، كتابة مقالات للنشر في “إلى الأمام” و “المقدمة” و”الأفق وغيرها من المجلات والجرائد، تتبع الأخبار الدولية والعربية والوطنية، صياغة بيانات المجموعة حول قضايا ساخنة أو ترجمتها إلى الفرنسية وبعثها إلى الإعلام، إضرابات عن الطعام تضامنا مع نضالات شعبية ومع مجموعات أخرى من المعتقلين السياسيين في مختلف السجون…. من هذه الإضرابات أذكر بالخصوص، إضراب عن الطعام دام 26 يوما تضامنا مع مجموعة معتقلي انتفاضة مراكش 1984 التي كانت تخوض بدورها آنذاك إضرابا لا محدودا عن الطعام.

فترة 1985-1992، أي ما بعد الانتفاضة، يقول عنها عبد الله، بأنها فترة اغتنى فيها الخط السياسي والفكري لمنظمة “إلى الأمام” حيث تطورت تصوراتها لعدة قضايا:

– هوية شعبنا: القضية الأمازيغية، قضية الدين الإسلامي، العروبة…

– أهمية النضال الديمقراطي الجماهيري وقضية حقوق الإنسان والحريات الديمقراطية

– دروس انهيار الاتحاد السوفيتي وتراجع حركات التحرر الوطني تحت قيادة الطبقات الوسطى.

في نهاية سنة 1991، يَذكر، انطلق نقاش من أجل تجميع المناضلين والمناضلات المنحدرين من تجربة الحركة الماركسية-اللينينية المغربية. وإثر إطلاق سراحي، في 15 يناير 1992-بعد 17 سنة من الاعتقال-بمعية الرفيقين أحمد آيت بناصر وأحمد راكز، وكنا آخر معتقلي مجموعتنا، انخرطت في هذا النقاش الذي لم يؤد الى النتائج المرجوة بسبب خلافات عميقة لها علاقة أساسا:

– بالجانب اﻹيديولوجي والسياسي والتنظيمي: التشبث بالماركسية كمنهج للتحليل، هل يجب تطويرها باستمرار أو التخلي عنها،

– بالموقف من النظام: هل تغير جوهره الاستبدادي، أم فقط مكن النضال الديمقراطي من تحقيق مكتسبات جزئية في ميدان حقوق الإنسان والحريات الديمقراطية، قابلة للتراجع في أي حين،

– بالتنظيم الذي نريد: هل تجميع لمكونات متناثرة على أساس المحاصصة، أو انصهار المناضلين على أساس حد أدنى من الوحدة السياسية والفكرية والتنظيمية…

في أبريل 1995، يضيف عبد الله، قرر مناضلو منظمة “إلى الأمام” تأسيس منظمة “النهج الديمقراطي”، كاستمرارية سياسية وفكرية للحركة الماركسية-اللينينية المغربية. انخرطت في بناء هذه المنظمة من خلال المساهمة في صياغة أرضيتها الفكرية والسياسية والتنظيمية، وفي تشكيل فروع لها في مدن البلاد، والمساهمة في اللجنة الوطنية للتنسيق، وفي جريدة “النهج الديمقراطي” التي تم إصدارها في نفس السنة. لقد التف حول التنظيم مناضلو «إلى الأمام” والمتعاطفون معها الذين كانوا فاعلين في الإطارات الجماهيرية، خاصة في النقابات وحركة حقوق الإنسان. كنت أقوم بمهام المنسق الوطني للنهج الديمقراطي. وبعد أن أصبحنا نشتغل في العلنية، ناقشنا مسألة المطالبة بالاعتراف القانوني. في سنة 1999 عقدنا مؤتمرا وطنيا، تم على إثره انتخابي كاتبا وطنيا ووضعنا طلب الاعتراف القانوني بتنظيمنا لدى السلطة. لكن النظام لم يستجب. خلال سنة 2004، ونتيجة لحملة دعائية كبيرة ووقفة أمام مقر وزارة الداخلية وبفضل دعم الصف الديمقراطي، انتزع حزبنا الاعتراف الرسمي به. وهكذا عقد مؤتمره الأول الذي انتخبني كاتبا وطنيا. وأعيد انتخابي في المؤتمر الوطني الثاني سنة 2008. ومنذ المؤتمر الثالث المنعقد سنة 2012 وأنا عضو في الكتابة الوطنية للحزب.

في سنة 2004، أطلقت مجموعة من الأحزاب اليسارية مبادرة لتجميع اليسار الديمقراطي، على أساس أرضية مشتركة بينهم، تضع القضايا الخلافية جانبا (قضية الصحراء -طبيعة النظام -الانتخابات). كان هذا التجمع يضم، الى جانب النهج الديمقراطي، حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي، حزب المؤتمر الوطني الاتحادي، الحزب الاشتراكي الموحد وجمعية الوفاء للديمقراطية. هذه التجربة -يشير عبد الله-لم تعمر طويلا بسبب عرقلتها من طرف قيادة الحزب الاشتراكي الموحد الذي ظل يركز على القضايا الخلافية، وكان يعتقد بإمكانية جر النهج الديمقراطي إلى الاتفاق عليها.

يعتقد عبد الله بأن المغرب لم يسبق له أن توفر على نموذج تنموي حقيقي، إذا ما استثنينا محاولة حكومة عبد الله إبراهيم التي أجهضت في المهد. الاختيارات والسياسات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية –بالنسبة إليه-ظلت خاضعة لمصالح الإمبريالية الغربية، وخاصة الفرنسية، والكتلة الطبقية السائدة المشكلة من الملاكين العقاريين الكبار والبرجوازية الوكيلة للشركات المتعددة الاستيطان والمخزن. ولهذا السبب، فإن ما يُسمى ب” النموذج التنموي” يخدم، بالأساس، مصالح هذا الثالوث.

بخصوص جماعة العدل والإحسان، يعتبر بأن هذه الجماعة معطى موضوعي في الواقع المغربي، وأنها قوة معارضة كما هو اليسار. وبما أن اليسار المناضل ضعيف ومشتت، أليس مطلوبا منه النضال الميداني المشترك وفتح نقاش عميق في كيفية التعامل مع هذه القوة. وطبعا فتح نقاش والنضال الميداني المشترك لا يعني تحالفا.

بالنسبة لحركة 20 فبراير، يرى بأنها شكلت محطة فارقة في تطور النهج الديمقراطي لأنها طرحت ضرورة وإمكانية القضاء على الاستبداد والفساد، وإقامة نظام ديمقراطي يضمن حرية وكرامة المواطن. وجمعت حول هذا الشعار قوى مختلفة المرجعيات الفكرية، يسارية ولبرالية وإسلامية، أمازيغية وعربية. وأظهرت أن التناقض ليس بين اليسار والإسلام السياسي، ولا بين الامازيغ والعرب. لقد انقسم “اليسار” واليمين، ومكونات الإسلام السياسي، والعرب والأمازيغ، بين مؤيد للحركة ومناهض لها. لذلك يعتقد النهج الديمقراطي أن المطلوب الآن، هو بناء أكبر جبهة شعبية تضم كل المتضررين من استبداد وفساد المخزن، الذي يشكل عقبة كبيرة أمام تطور بلادنا وشعبنا.

ختاما تجدر الإشارة الى أن عبد الله –المهندس المتقاعد منذ سنة 2014 -متزوج، وله ابنتان وابن وحفيدة. زوجته الحالية ليست سوى السيدة خديجة مصدق، المناضلة النقابية والكاتبة العامة السابقة لنقابة القرض العقاري والسياحي، التي تم الانقلاب عليها من طرف بيروقراطية اﻹتحاد المغربي للشغل لكونها كانت تؤدي واجبها النقابي بإخلاص، وكانت ترفض الخضوع للتعليمات، ولأنها كانت متعاطفة مع اليسار المناضل عموما، والنهج الديمقراطي و “ﺇلى الأمام” بصفة خاصة.

ﺇلى اللقاء مع علم مكناسي آخر في الشهر المقبل إن شاء الله

 

كاتب من المغرب

عن madarate

شاهد أيضاً

حلاق قريتي – عمر ايت سعيد

عمر أيت سعيد*   يبدأ الجمال حين يستقبلك الحلّاق الفنان في صالونه المتواضع بابتسامته الرقيقة …

اترك تعليقاً