عن “طابا نوار” و”طابا جون” للمبدع علي الداه

ياسر بوسلام*
في “طابا نوار”، يبرز جمال الكتابة بقدرة الكاتب علي الداه على أن يجعلنا نغوص في أعماق حياة أولئك الذين يعيشون على هامش المجتمع. الرواية لا تقدم لنا مجرد حكاية عن شخصيات تُعاني، بل هي نافذة تفتح على عوالم معقدة وموحشة حيث يظل الحلم بعيدًا، والواقع أشبه بشبح يلاحق الجميع دون هوادة. الكتابة في “طابا نوار” تتميز بالواقعية الدقيقة التي لا تترك مكانًا للتهرب أو المجاملة. كل كلمة وكل وصف يأتي بحمولة ثقيلة، لا تترك القارئ في حالة من اللامبالاة، بل تجبره على الوقوف والتفكير في تلك الحياة الصعبة التي لا يظهر فيها النور إلا قليلًا، حتى وإن كانت تلك الأنوار مجرد ومضات بعيدة في الظلام.
لكن ما يميز “طابا نوار” حقًا هو الطريقة التي يتم بها فتح باب الحلم، وإن كان هذا الحلم يبقى دائمًا غير محقق. الرواية تأخذنا في رحلة مليئة بالأسئلة العميقة، وفي النهاية نجد أنفسنا أمام إشكالية الحقيقة المرة: هل الحلم، رغم بعده، هو الذي يمنحنا الأمل، أم أنه مجرد سراب لا نستطيع أن نلمسه أبدًا؟ الأسئلة التي تطرحها الرواية عميقة، وغالبًا ما تبقى بلا أجوبة قاطعة، مما يجعلها تحمل أبعادًا فلسفية تجعل القارئ في حالة من التأمل المستمر.
وعندما ننتقل إلى “طابا جون”، نجد أن الرواية قد ارتقت لتفتح لنا الأفق نحو إمكانية التغيير. إذا كانت “طابا نوار” تتركنا مع حلم غير محقق، فإن “طابا جون” تسلط الضوء على بداية التحول، وتعرض لنا الشخصيات وهي تسعى للخروج من دائرة الظلام. الكاتب في هذه الرواية لم يقدم فقط عالمًا مليئًا بالمأساة، بل قدم لنا أيضًا نظرة على الأمل، حتى وإن كان هذا الأمل محدودًا. كان هناك في “طابا جون” ذلك الشعور بالتحول، تلك اللحظة التي يبدأ فيها الناس في محاولة تغيير حياتهم، مهما كانت الظروف، رغم الأوجاع التي لا تزال تثقل كاهلهم.
الشيء المشترك بين الروايتين هو الأسلوب المتميز الذي يمتلكه علي الداه في نقل هذه القصص المعقدة. كتابته قادرة على الوصول إلى أعماق القارئ، حيث تلامس مشاعره وتجعله يعايش كل لحظة من اللحظات. هو لا يكتفي بسرد الأحداث، بل يستخدم الكلمات لتدق الأبواب الداخلية للقارئ، ليجعله يرى ما وراء السطور. أسلوبه ليس فقط سردًا بل هو بحث عميق في النفس البشرية، في تلك اللحظات الصعبة التي يمر بها الإنسان عندما يقف أمام مفترق الطرق بين الحلم والواقع.
يستحق علي الداه كل التشجيع على هذه الكتابة المتميزة التي لا تشبه سواها. هي كتابة جريئة، صادقة، ومؤلمة في بعض الأحيان، لكنها في نفس الوقت تكشف عن عالم مدهش في تفاصيله، وتحمل قدرة على مخاطبة القارئ بشكل مباشر. من خلال “طابا نوار” و”طابا جون”، استطاع علي أن يحقق توازنًا بين السرد الواقعي والأحاسيس العميقة التي تبرز قوة الرواية وجاذبيتها. طريقته في الكتابة تتيح للقارئ أن يعيش مع الشخصيات ويشعر بأوجاعها وأمالها كما لو كانت تجارب شخصية له. إنه يعرف جيدًا كيف يصوغ كلماته، وكيف يصل إلى أعماق القارئ بذكاء وحنكة.
إن أعمال علي الداه تظل حية في ذهن القارئ بعد أن يترك الكتاب بين يديه، مما يجعلها تجربة لا تُنسى، ويستحق منا كل تقدير وتشجيع لهذا المبدع الذي استطاع أن يطوع اللغة ليعكس الواقع بصدق، ويترك لنا أسئلة لا نجد لها جوابًا بسهولة، ولكنها تبقى معنا، تدفعنا للتفكير في حياتنا بشكل أعمق وأوسع…
باحث في علم موسيقى الشعوب من المغرب
خريج جامعة : Université Paris Nanterre
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي