الأماكن المستحدثة في النصّ الشعري

علاء حمد*
لاتشغل البياضات إلا تلك الصور الشعرية المستحدثة، أي أن تمضي الزمنية لكي تلتقي بالمكانية، ولم يشغل المكان إلا المكان، فنضع المكان على المكان؛ ومن ناحية النفور الكتابي، نلاحظ أنّ الاقتراب الشعوري عائم في بعض الأحيان ولكنه يبتعد عندما تكون الأحلام قد بدأت، فالوعي الشعوري لايمثل إلا المظهر السطحي، وعند هدوء الأحلام، وقد يكون هدوءاً لحظوياً فيحلّ محلها المقترب الحسّي الداخلي، فتكون الأحلام متأجّجة في طلب الكتابة الشعريّة، وعندما يلتقيان في بؤرة فكريّة أو بغرفة الجنّ، يكون الجنون الكتابي قد انجذف نحو التصوّرات والمتعلقات الذاتية وكذلك المكبوتات التي تظهر من خلال الذات الإضافيّة، فتصبح الذات قابلة لتوليد ذات أخرى بسبب قوّة تواجدها وعملها المتقن والمدفوع إلى تغطية البياضات التي تلامسها؛ فالشاعر لايبسط يده بالسكوت الأخرس، وإنّما السكوت الناطق، وتعني لنا أن النطق يخرج من خلال السكوت اللحظوي أو السكوت المقطعي بين الحين والحين.
عندما تشتعل الذات، تشتعل البصريّة، وتشتعل الورقة، ويشتعل الحدث الشعري، ويبحث الشاعر من خلال الاشتعال عن التأمّل الكتابي، وليس البحث هنا عن منظور مجهول، بل البحث عن ذلك الحلم المرصود في الاشتعالات الشعرية، وقد ذكر إريك فروم : الحلم هو المجهر الذي من خلاله ننظر إلى المصادفات أو الأحداث في الواقعيّة، المتواريّة في نفوسنا (السريالية في عيون المرايا – ص 58).
إذن نحن في واقعة من الأحلام والتي تعدّ مظهراً من مظاهر الخيال، ومن خلالها نبحث عن الجسد الضائع القابل للاشتعال الكتابي، وطالما تواجد الحلم، تواجدت لغته، ولا نحتاج أكثر من الذهاب إلى اللغة الكتابيّة؛ فالالتقاء الذي يبحث عن تقويمه الشاعر، التقاء المؤثر مع التأثير، طالما أنّ فعل الكتابة بديمومة غير حرجة، بل بسيولة مائية من خلال التلقائيّة، فيظهر لنا فعل الإثارة والذي يحضن النصّ الشعري كحاضنة طبيعية في المنظور الكتابي.
إنّ الفعل يعمل من أجل فعله، إذن نحصل على غاية كتابية، ليس فقط من خلال الأثر الكتابي، وإنما من خلال الفعل التأثيري الذي يعمل على تواجد فعله: الفعل الفلسفي – الإدراكي – الابتكاري – الكينوني – الأوّليات المطلقة – الأثر الإشاري – مقدّمة الفعل النصّي – الحقيقة النصّية. التعدّدية التي اعتمدناها باحثة وليست جاهزة، لذلك نميل إلى ما يفعله وينتجه الفعل الكتابي المتوجّه بالأساس نحو التصوير الذهني.
نعتبر علاقة الفعل بمكانه وزمانه، حيث أنّه الباحث عن المفاهيم العامة بمنظور خاص، وهذا مانجده في فعل الكينونة لجسد النصّ، ولا نتغيّب عن العنونة وعلاقتها بالباث بشكل مباشر أو أنّها تبتعد قليلاً لتكوين أبعاد مختفية بفعل منفرد له خصوصيته الاستقلاليّة.
الفعل الفلسفي:
لانستطيع تعريف الفعل الفلسفي من خلال البؤرة النصّية الداخليّة ولا الخارجيّة، لأنّه ينطلق كدلالة غير معرّفة، لذلك فهو يحوي على اتجاهين، الاتجاه اللغوي والاتجاه الحدثي، ومن هنا يلتقي مع فعل الإثارة، حيث يشكّلان لفظاً دالا على التأويل المتقن للفعل وحركته الانتقاليّة أو الحركيّة أو التموضعيّة. فمن ناحية حركته الانتقاليّة، يعطي مدلولا غير ثابت، ومن ناحية حركته الحركيّة فإنه بتبدّلات وتحوّلات ممكنة ضمن تركيب الجملة، ومن ناحية تموضعه، فإنه يتجانس بشكل متغيّر، أي أنّ هناك تغييرات في نتائج الفعل التموضعي، ولم يبق مراوغاً في مكانه وخصوصاً علاقته مع المفردات الدالة.
يقع الفعل الفلسفي على فاعليه، بمعنى القبول والتفاعل، أي أنّ الفاعل يوجهه من خلال المعاني والتأويلات، لكي يكون ذا صيغة تفاعليّة وخصوصاً في تركيب الجمل الشعريّة وتأثيره بشكل مباشر وذلك لعلاقته مع الذات وتأثيره على انفتاحها.
الإدراكيات:
تؤثر العوامل الخارجية على الخلق التصويري، لذلك فالصورة التي تبنيها الذات العاملة هي لحظة إدراكها، ومن هنا تبدأ العلاقات مع الأشياء وتتدخل الذات في الحسية الداخلية، حيث أنها ترى العالم المحيط بها؛ وتستوعبه على أنّه العالم الأقرب وتستطيع الاحتكاك به.
إنّ العلاقات الحسّية المشتركة لها الأثر والفعالية في إدراك الأشياء، وهي تفيدنا في حركة الفعل المدرك في الصورة الشعريّة، فحركة رجل ما في البيت تدركه حاسة السمع والحاسة البصريّة وكذلك حاسة اللمس؛ يقول ابن سينا (ليست المحسوسات المشتركة محسوسات خاصة للحسّ المشترك كما قد يظن بتسميتها بالمشتركة، ولذلك يقول ابن سينا ” وأما الحسّ الذي هو المشترك فهو بالحقيقة غير ماذهب إليه من ظنّ أنّ للمحسوسات المشتركة حسّاً مشتركا دكتور محمد عثمان نجاتي – الإرداك الحسّي عند ابن سينا – ط3 لسنة 2005م، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر – ص 164).
إنّ الأبعاد المحسوسة، طبقا لتواجدها ضمن الحسّي الدلالي، تصبح نوعاً من الاستعارات المقرّبة، لذلك فالشاعر يقدّر المسافة المكانية إما عن طريق البصريّة أو عن طريق الذات التي ترى وتدرك تلك المحسوسات وتقترب من مشهدها الحسّي. لذلك، إن إلتفاتة الشاعر نحو الصورة الشعريّة بوعيها الملحوظ إلتفاتة حسّية أكثر مما تكون إلتفاتة بصرية مشهدية؛ ومن هنا تبدأ التقديرات حول كيفية دمج اللغة المختلفة لتكوين تلك الصور التي تهيأت في الذهنية، لتصبح نصّاً مجزئاً مقروءاً، بصيغته التصويريّة، قابلا للكتابة والانتباه.
الابتكار:
العنصر الابتكاري في حركة الإبداع الشعري يجرّد التكرار وما يطرحه الشاعر من ظواهر إبداعيّة غير مطروقة، حيث يغلب الطابع الاستمراري لفعل المتخيل الذي دائما في المكون الشعري له خاصيته وظواهره، ومن خاصيته عدم الاستقرار في دائرة واحدة، أي يخلق الجديد ويذهب إلى الانفتاح التعبيري من خلال العناصر الفنية والتي لها علاقات معه لإيجاد الخلق العجائبي المنسجم مع الحالة الشعريّة المنظورة.
إن الثقافة الفكريّة وفكر الاختلاف داخل شرنقة التفكيك، لذلك فالحداثة الشعرية تعتمد على اللامألوف وتتجاوز المألوف باعتباره ضمن التقليد المكرّر، والتمثيل الابتكاري لإيجاد حالة وأسلوبيّة مخصخصّة لنبوءة الشاعر تقوم على ابتكار المعاني والتي تقودنا إلى التأويل والاستدلال الدلالي، وكلّ أشكال التجدد في الشعريّة الحديثة، حيث أنّ الشاعر يتكئ على مايثير الوعي ومكبوتاته من خلال اللاوعي الكتابي، فتدرجنا حالة اللاوعي للوصول إلى الوعي المختفي في الذات العاملة، والتي أطلقوا عليها بالوعي الحقيقي.
المواجهة التي تواجه الشاعر عادة، هي المتناقضات المتراكمة، ولكي يشبع الشاعر عالمه بالذات العميقة وعمليّة الإدراك الأكثر حدة للوعي، فإنه يلتجئ إلى الرغبة بالاقتراب من الأسس الداخليّة للإدراك الحسّي؛ لكي يستطيع أن يواكب البناء التفكّري الإبداعي.
الكينونة:
تعتبر الكينونة مع الوجود كتتمّة لبعضهما، مثلما نقول يبدأ الشاعر من المحدود والذي نعتبره مسكنه الوجودي وإلى اللامحدود، أي إلى الفضاء الواسع، فلو أخذنا مصدر الطائر الذي يبتهج بطيرانه في الفضاء الفارغ، فسوف نلاحظ أنّه انطلق من عشّه الذي أسّسه في مكان ما، وكذلك المسكن الوجودي الذي يحدّد انطلاقة الشاعر وهو ببهجةٍ شعريةٍ مع اللامحدود والذي لايصطدم بجدران أو سقف محدّد.
إن الذات مفتوحة هنا، ولا تشكّل نهاية مذكورة، بل اللانهاية في كينونة النصّ الشعري، فتميل إلى الرمزيّة والخيال الرمزي، طالما أنّنا مع مسكن الشاعر وانطلاقته، تنزع إلى التصوير الفضائي لتخلق فضاء الصور الشعريّة خارج انحصارها المنغلق.
إن التداخلات الأبديّة تقودنا إلى ما وراء الواقع، إذن تشكّل الأحلام بعالمها المنفصل مع عالم الوعي المتخفي كينونة ذاتيّة للانتقال إلى ما وراء الواقع، وهي تشكيلات سرياليّة تظهر من خلال الاختلاف اللغوي وإبادة الحواجز التي تعيق اللغة الشعريّة في الانتماء إلى العالمين.
لايتمظهر حضور الكينونة إلا في اللغة حسب ما جاء به ” هيدغر، وقد سماه بـ “فعل القول الأصلي، وهو الشعر”
لم نحصل على كينونة الرؤية إلا من خلال المشهد الرؤيوي للشاعر، فالبعد الذي يعتمده من الأبعاد التقديريّة؛ إذا ما طرقنا كينونة الرؤية المشهديّة، لذلك نعود إلى المنجز كحالة اعتبارية تمّ تقديرها وتقييمها، فالسكن الذي هيأه الشاعر أصبح صالحاً للاستعمال ومن الممكن جداً إشغاله في البعد الشعري، والذي يمثل اللغة، ككائن يحتوى ويحضن هذه الخاصية.
الأوّليات المطلقة:
النصّ الشعري هو الذات نفسها كانطلاقة نفسية ينطلق منها الشاعر أثر تراكمات تأثرية وتأثيرية، لذلك فمن أوّليات الفضاء الشعري المطلع النصّي الذي ينطلق منه بعلاقة تامة مع الذات ومدى انصهارها كحالة فنّية ممكنة في النصّ الشعري، فهي تلاقي الفضاء الملائم والحاضنة الخاصة لعملها فتتحوّل إلى كائن مستقلّ عليه واجباته ومميّزاته وظواهره التقنيّة في الولوج مع الأحداث الشعريّة وكيفية تفكيكها ومن ثم نسجها من جديد.
النصّ الشعري كينونة الذات، وبما أنّ النصّ لغة تعتمد القول الشعري، فنبحث عن القول الأوّلي للنصّ، فتصبح الذات هي القول الأوّلي؛ ومن الأوّليات المطلقة نحو الفضاء الواسع، فتهيئ مساحتها لتقيم علاقاتها مع الحواس، وتتدخل في الأثر الحسّي وتعمل على تقريب الأبعاد، ودمج المقرّبات، ويكون الحاضنة الأصليّة هو النصّ، والذي يبدأ بأصغر وحدة لغوية، كمطلع من مطالع النصّ الشعري وانطلاقته، ولكن أن نحافظ على المطلع الأوّل وعدم التفريط به أو نسفه من قبل العنوان، فالعنوان له استقلاليته، وتكراره لايؤدّي إلى الجمالية أو التأكيد؛ لأنّه عتبة مستقبلة وهو أوّل عتبات النصّ الشعري ويتميّز بجماليته ومؤثراته على المتلقي.
الأثر الإشاري:
من الضرورات التي تترك الأثر الحسّي في الذات العاملة هوالأثر الإشاري، حيث أن الإشارة إلى الأشياء تشكّل معاني جديدة، وفي الوقت نفسه الاحتفاظ ببعض المعاني الدالة، فمثلا من الآثار الإشاريّة مفردة المطر، وعندما نشير إلى المطر كمفردة دالة فليس من الضرورة أن نشير إلى السماء بأنّها غائمة، فمفردة المطر احتفظت بمفردة السماء، كسماء غائمة وإلا كيف ينزل المطر والسماء صافية؛ وكذلك مفردة الربيع والتي تعني لنا بأنها تحتفظ بتفتّح الزهور.
إنّ الرمزيّة تستوعب وتحضن الأثر الإشاري في الصور الشعريّة المقتضبة، أو تلك التي تؤدّي إلى عنصر الدهشة، فمثلا رمزيّة الألوان، فالسماء تترك أثرها الإشاري من خلال لونها، والحطاب يترك أثره الإشاري من خلال الفأس، وهكذا تقام العلاقات بين الأثر الإشاري كرموز فاعلة في النصّ الشعري الحديث والذات العاملة التي توجّه تلك الآثار المشار إليها.
تكون علاقة الذات مع الأثر الإشاري متعيّنة بفعلها القصدي، أي أنّ الذات تصهر تلك المفردات والعبارات في النصّ الشعري، وتنسجم هي بذاتها من خلال علاقتها، فالرمزيّة التي تحيك العلاقات بينها وبين المفردات التي تتقبل التحويل، يكون لها الأثر بشكل مطلق، لذلك نلاحظ أنّ الرموز في بعض الأحيان تميل إلى استقلاليتها وفي أحيان أخرى تكون منصهرة في الجمل الشعرية.
مقدمة الفعل النصّي:
النصّ كتلة حركيّة تنوب عن الذات، فينتمي إلى كتلة التجاوز والعبور، كلما قرأتَ نصّاً، فإنك تتجاوز مرحلة زمنيّة ويكون قد دخلت في مرحلة أخرى، وكلما دققت في محتويات النصّ، فإنّك تتعرّف على أماكن جديدة لها كينونتها الحاضنة للأدوات المختلفة، وقد تختلف وتتناقض حتى مع وضعها المستتب.
فالحالة النصّية فعل متقدم على الأفعال الأخرى، وهي الحاضنة الطبيعية للمختلف؛ وهو الحاضنة للغرائبيّة والعجائبية وكذلك مايثير الدهشة وهي تنتفض كمبيّنة دالة على التأثر الشعري؛ كلّ على كلّ، من خلال فعل الإثارة الذي يتصدّر النصّ الشعري، وبما أن النصّ يبدأ بوحدة لغوية، فإنّ لهذه الوحدة توابعها، ولن نجدها في نصّ آخر، بقدر مانجدها في ممكنات النصّ الفنية.
يكون الفعل النصّي بؤرة أوّلية للدخول إلى التخييل، فالتخييل عالم حاضن موسّع يقودنا إلى اللامحدود، لذلك عندما نعتمد لغة اللامحدود، فنحن في لغة تخييلية تجنّبت الواقع المباشر، يقول بول ريكور: (إنّ عالم التخييل هو مختبر للأشكال نحاول، داخله، إنجاز تشخيصات ممكنة للفعل، من أجل اختبار التماسك والمعقولية. وهذا التجريب بواسطة النماذج ” البرادغمات ” يعود إلى ما أسميناه آنفا المخيلة المنتجة. – بول ريكور – ص 12 – من النصّ إلى الفعل – ترجمة : محمد رادة، حسان بورقية ).
لانستغرب عندما يصطدم النصّ بالواقع ولكن خارج المباشرة، فالمنقولات والمتعلقات اللتان نتكلم بخصوصهما واقعيتان ولكن تبتعد عن المباشرة النصية، فعالم النصّ، لأنه عالم مستقل، تنتجه المتخيلة إما بشكل يومي، أو يكون للحظة الشعرية الأثر في تفاعلاتها اللحظوية.
الحقيقة النصية:
عالم النصّ، عالم حقيقي له علاقة مع العالم الذي تنتجه الذات، لذلك فهو المتغيّر الحقيقي من خلال الرموز التي يجمعها في غرفته المباشرة، ويكون للواقع الماضوي الأثرالباقي في الذات العاملة، فتفكيكه يكون بالواقعة الماضوية، ونكون أمام حدث قد وقع بالفعل، ومن هنا تحول الذات بانطلاقتها الآنية تلك الواقعة إلى واقعة آنية، فيكون النصّ الشعري واقعاً آنياً سلب ميزة ماضية واتكأ عليها. لذلك في بعض الأحيان يسعفنا الزمن الماضي في حدوث الوقائع، وترجع المتخيلة خلفاً لدمج تلك الواقعة مع واقعها الآني.
ناقد من العراق
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي