حين يهدر دم القصيدة.. محاولات يائسة لاعتقال المعنى

محمد إكيدر*
يا لغتي !
هل أكون أنا ما تكونين؟
أنت – يا لغتي- ما أكون؟
– محمود درويش –
1- قَدَرُ الشاعر:
إذا كان “كل شعر مقاومة” على حد تعبير محمود درويش، فقَدَرُ الشاعر أن يقاوم الرداءة ويسبح ضد التيار ويحمل على عاتقة هَمَّ القصيدة حملا سيزيفيا، ويجعل البهاء قضيته الأولى والأخيرة، ويعيش تجربة المخاض بكل تفاصيلها وآلامها، وأن يسافر إلى أقاصي اللغة وتخوم المعنى، يبحث فيها عن ذرر البيان، ممتطيا صهوة الخيال، غازيا مدن الملح، باحثا عن واحة ظليلة وسط البيداء .. قدر الشاعر أن يظمأ كي يروي عطش القارئ الولهان، وأن يسبح ضد التيار، من أجل البقاء .. قدر الشاعر أن يرى بالبصيرة ما عميت عن رؤيته الأبصار، ويؤمن بشريعة الحب، ويحلم بلمس النجوم وهي في عنان السماء، وأن ينثر في تربة الروح، ما بيده من لقاح المجاز، كي تزهر الحروف زنابق في آذار، ويعزف على ربابة الشعر لحن الخلود، حتى تتكوثر دماء الحب في جسد القصيدة، ويستمر نبض الوجدان لحنا جميلا في أوردة البيان.
فما أحوج البشرية إلى الشعر، ليس فقط باعتباره حاجة ثقافية ووجدانية، وإنما حقا من حقوق الإنسان كالماء والهواء، ومحرابا للبهاء، ولحظة مائزة ومنفلتة نحو ذلك الوميض المتوهج بالبيان، والذي تعرج من خلاله الروح إلى عالم الطهر والنقاء، ونهرا رقراقا تتوضأ بمائه القلوب، وتغتسل من أدران المادة التي بلدت الإحساس، ومفتاحا يحرر عصافير البيان المعتقلة في أقفاص اللغة المستهلكة، كي تحلق عاليا في سماء البهاء، وقناة للحوار والتسامح بين الثقافات، ومنقذا من ضلال التعصب والوثوقية الزائفة والإيديولوجيات التي نمطت العقل كآلة رعناء، ومخلصا من براثين الحقد والكراهية، وخطابا جماليا ينبع من أعماق النفس البشرية، وينصت برهافة إلى نبض القلب، ويقيس حرارة الكلمات التي تفور في شرايينها دماء المجاز، ويدعو إلى المحبة والسلام، ويوحد الشعوب التي أنهكتها الخلافات ومزقتها الصراعات والأحقاد، ويُحْدِث ثقبا في طبول الحروب، ويُخَلِّص الانسان من ربقة النزعة التشيئية التي اغتصبت إرادة الإنسان وقدرته على الفعل.
- المعنى الشعري وتوابل البهاء:
بما أن الشعر فن لغوي بامتياز فإن الشاعر يسكن لغته ويتساكن إليها، وينظر بها ومن خلالها إلى العالم باعتبارها “أخطر النعم” (1)، وتمتلك طاقة بيانية خلاقة، وتشد بفتنتها الأفئدة وتستهوي ببهائها النفوس. من هذا المنطلق اهتم النقاد والبلاغيون والفلاسفة والمتصوفون والشعراء … باللغة باعتبارها مصدرا للجمال، وجعلوها مناط التدبر والاستبصار في طاقتها السحرية وقدرتها المعجزة على الخلق والفعل.. جميعهم يتعقبون ذلك الجمال، وكلهم يبحثون عن مصدره ويسعون لفك شفرته ومعرفة خريطته الجينية، وكأنه سراب حاذق في بلاغة المكر والخديجة؛ ما أن يتجلى في الأفق حتى يختفي تارة أخرى، لكن توابل البهاء تحمل في طعمها سر البيان.
فماهي تجليات اللغة الشعرية؟ هل هي مرآة صادقة تعكس العالم بصفاء وحياد أم هي ماكرة ومراوغة، تتكتم على الحقيقة وتقوم بتذويت العالم وتفريده؟ وكيف انطوى العالم في أحشائها؟ وكيف تتفاعل كيماء البهاء وتتكوثر في أوردتها؟ وكيف ينفخ الشعراء من روحهم في رحم اللغة لتحبل بمعان من لحم ودم؟ وكيف يضبطون عقارب الشعر على زمن الجمال؟ وإلى أي حد يمكن المراهنة على شعرية البهاء لكسب معركة البقاء والجواب عن أسئلة الوجود وتحديات المستقبل، في زمن بات فيه الشعر مغتربا ومحاصرا بفورة رقمية غير مسبوقة وبحملة تترية ضد كل ما هو جميل فينا؟
اللغة الشعرية أنثوية التكوين، فاتنة القوام، جذابة كقارورة عطر، مائزة ومتفردة ومنفلة كالماء والهواء، هادئة / متقلبة، ناطقة/ صامتة، ظاهرة/ خفية، تراودنا عن نفسها، وهي الحاذقة في اختيار مواعيدها وضحاياها واصطياد فرائسها .. لكنها تستعصم علينا كلما طوقنا السؤال وتجرأنا على الجهر به في حضرتها … أحيانا تكون أشبه بسكرة تسرق ألبابنا وتخطف قلوبنا البريئة، وتجعلنا حيارى من أمرنا، وأحيانا أخرى تكون أشبه بجذوة تكوي بلظاها أفئدتنا، وتصيبنا بسهامها في ليلة ظلماء، لكننا نجهل مصدرها وزمانها، ولا نقدر على تجنبها أو مقاومتها.
اللغة الشعرية يد خفية من حرير، تنصب لنا فخاخ المعنى، ونحن في رحلة البحث عن الحقيقة التائهة التي لا نملك فيها سوى السؤال.. وتلال متحركة تعشق ذراتها السفر في الأرجاء.. لكن ما أسعدنا -نحن الهائمين المعتكفين في محرابها- حين نسقط صرعى بين أحضانها، نرقص كديك مذبوح على لحن الخلود، غارقين في دماء الشهادة.
وبما أن الشعر ديوان العرب، فقد وجب صون هذا الرأسمال الثقافي وهذه القيم الجمالية واستثمارهما في تربية النشء وتهذيب الذوق، وتحرير الأفكار والمشاعر، وبناء الانسان، وتمكينه من القدرة على مواجهة العولمة الرعناء والانسلاخ الثقافي وتنميط الذوق والتشيء والعدمية وتأليه الآلة التي تقضي على كل ما هو إنساني وجميل فينا.
وإذا كان الشعر فنا لغويا بامتياز، فماهي حدود العلاقة الحميمية بين الشاعر ولغته؟ وإلى أي حد يمكن اعتبار اللغة الشعرية حبلا سُريا يهب للقارئ الحياة؟
لعل هذه الأسئلة وغيرها تشكل بوصلة تقودنا في مغامرة البحث عن جزر البهاء، ويدا من حرير تأخذنا بوداعة في جولة بين جنائن الشعر وحدائق الحكمة، وأذنا تصغي، بصفاء الذوق ونقاء الروح، إلى نبض القصيدة وهديل البيان، يحدونا، فيها أمل، إلى النبش عن بواطن الجمال الثاوية في الخطاب الشعري العربي ورسم إحداثيات الشعرية فيها، ولعلها مهمة ليست بالهينة إذا وضعنا في الحسبان طبيعة الكتابة الشعرية، باعتبارها تجربة فردية وحميمية تختلف بحسب العصور والأمكنة والمدارس والأذواق والحساسيات والأشخاص، بل تختلف من تجربة إلى أخرى في المنجز الشعري نفسه، لذلك فلا مناص من الاشتغال على المشترك ضمن هذه الأمشاج كلها بحثا عن ملامح الشعرية وكشف الغطاء عن بعض من أسرارها.
لا شك أن اهتمامات الدارسين للشعرية تباينت باختلاف مرجعياتها النظرية والمنهجية والمفاهيمية وأدوات الاشتغال، لكنها قاربت القصيدة الشعرية من زوايا ثلاث، لحظة التَّكوُّن، ولحظة الكينونة، ولحظة الإمكان (2)، وهذه الزوايا سنسِمها بالمقامات، ليس بالمعنى البلاغي فحسب، وإنما بالمعنى الصوفي أيضا. فكيف تتكون القصيدة في أجِنَّـة الشعراء وقرائحهم لحظة المخاض؟ وماهي تجلياتها بعد صرخة الولادة حين تصير كائنا قائم الذات؟ ثم هل يتوقف المعنى الشعري عند أعتاب القصيدة مكبلا بحدود اللفظ؟ ألا تتشضى هذه المعاني بعد أن تُكسِّر مراياها وتقتل أبُوَّتها وترتمي في أحضان المتلقي كي يعيد تشكيلها من جديد؟
- مقام المخاض والتَّكوُّن:
سنستهل هذه الفقرة بالسؤال الآتي: هل القصيدة الشعرية تولد من عدم؟ وهل كانت محوا ومحالا قبل صرخة الولادة؟ لا شك أن ما يسبق عملية الكتابة من مخاض، قد يطول أو يقصر ويسهل أو يعسر، له أثر في فعل الخلق والإبداع. وهذا ما يصطلح عليه بالإلهام، وهو أشبه بالوحي. والإلهام في اللُّغةِ: مُشتَقٌّ مَن (لهم)، يُقالُ: لهِمَه لَهمًا ولهَمًا، وتَلهَّمَه والتَهَمَه، أي: ابتَلعَه، والتَهَمَ الفَصيلُ ما في ضَرعِ أُمِّه، أيِ: استَوفاه، وألهَمَه اللهُ خَيرًا، أي: لقَّنَه إيَّاه، ومِن هذا البابِ الإلهامُ، كأنَّه شيءٌ أُلقيَ في الرُّوعِ فالتَهَمَه(3).
وهو إيقاعُ شَيءٍ في قَلبِ العاقِلِ، يُفضي إلى العَمَلِ به، ويَحمِلُه عليه، ويَميلُ قَلبُه إليه، حَقًّا كان أو باطِلًا، (4) ومِنه قَولُ اللهِ تعالى: “فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا “(5). وانطلاقا من هذا التصور يبدو أن الإلهام عملية قلبية مشرقة، تأتي من مصدر خارجي وقوة خارقة وخفية، تعتمد على صفاء البصيرة وعمق الرؤيا، حيث يوَّلد الإلهام إحساسا داخليا في وجدان الشاعر، تتم ترجمته إلى معان وصور وأخيلة تصاغ في قوالب لغوية وسياقات معينة.
الإلهام هو المخاض الذي يسبق خَلْق القصيدة”، وهو لحظة نورانية مشرقة وحالة وُسطى بين الوعي واللاوعي، وتجربة فردية وحميمية بين الذات والموضوع، حيث يفضل الشعراء الاختلاء بذواتهم والتأمل ليعيشوا التجربة بكل طقوسها، والتي تحمل القلق والألم والمكابدة، كما هو عند الفرزدق في قوله: “يأتي علي يوم، ويكون نزع ضرس أهون علي من قول بيت”، وأحيانا أخرى تحمل الفرح والسرور. والإلهام مثل شرارة أولمح يصيب قريحة الشاعر، بسبب فكرة أو ذكرى أوحلم أو تجربة أو موقف أو إحساس، كما هو الشأن عند الشاعر الألماني «فريدريك شيلر»، والذي كان يضع تفاحة على سطح المكتب الذي يكتب عليه، ليشمها ويتحسسها من حين إلى آخر أثناء الكتابة، كي تتفتح قريحته. ومن مصادر الإلهام العواطف والمواقف والحالات الإنسانية، ومنها على سبيل المثال الخمر عند أبي نواس وبودلير، والمرض عند السيّاب، والوطن عند محمود درويش والطبيعة عند الشابي وأبي ماضي … وهكذا تعددت عوامل الإلهام والوحي الشعري بتعدد الشعراء والمواقف والسياقات الاجتماعية والنفسية والثقافية، ولنا أمثلة عديدة نذكر منها ما اصطلح عليه الإغريق “ربات الشعر”، وما سماه العرب في الجاهلية “شياطين الشعر”، وهذا “أبو النجم الراجز” يقول:
” إني وكل شاعر من البشر شيطانه أنثى وشيطاني ذكر” (6)
وقد كان بعض العرب يلتمسون الإلهام من “وادي عبقر” الذي تسكنه الجان ومن أشهرهم أمرؤ القيس وعبيد بن الأبرص، وكان منهم من يستوحي الشعر بالأمكنة التي تولد الحنين إلى الماضي واسترجاع الذكريات المفتقدة كما هو الشأن بالنسبة للبكاء على الأطلال، وهذا أبو تمام يصور عملية المخاض والتشكل بطريقة إيروتيكية كما قائلا:
” والشعر فَرْجٌ ليست خصيصته طـــول الليـــالي إلا لمفترِعٍهْ” (7)
في المقابل نجد أبا القاسم الشابي يصف الحبل السُري والعلاقة الوجدانية والوجودية التي تربطه بالقصيدة والتي تشبه علاقة الأم بفلذة كبدها حين قال:
“أنت يا شعر فلذة من فؤادي تتغنى وقطعة من وجودي”
فيك ما في جوانحي من حنين أبدي إلى صميم الوجـــود”(8)
إن لحظة الإلهام لحظة خفية لا تدرك سوى بالممارسة لكونها أشبه بلحظة المخاض بما تتضمنه من ألم وكبد ومشقة، تجعل الروح بين الموت والحياة .. لحظة يسطر فيها الشاعر على الورق عبارة، ثم ينفخ من روحه في رحمها معنى، لتحبل العبارة فتصير النطفة لفظا، واللفظ مضغة، والمضغة كلمة، والكلمة علقة، والعلقة شعرا .. فتولد القصيدة صرخة يفيض منها الوجود، وتتناسل منها المعاني شَرنَقة تَبحثُ في خَفاءٍ عنْ جَسدٍ تَسْكنهُ .. والجسَدُ نايٌ يعزفُ في صَمتٍ أَلفَ سُؤالٍ وسُؤالٍ,
- مقام الكينونة والتجلي:
تشكل صرخة الولادة لحظة فارقة في حياة القصيدة، وانتقالها من حالتها الجنينية – ما قبل النص إلى حالتها الفيزيقية – النص، وهو انتقال من القصيدة بالقوة إلى القصيدة بالفعل، ومن مرحلة التكون والخفاء إلى مرحلة الكينونة والتجلي ; حيث يصير للقصيدة كيان لغوي جسده اللفظ وروحه المعنى. ومن تمة تصير القصيدة قابلة للملاحظة والتحليل والتشريح، ولعل هذا البعد اللغوي للقصيدة جعلها موضوعا لمجموعة من النظريات والمناهج النقدية خاصة الاتجاه البلاغي والنقد البنيوي واللسانيات الوظيفية ولسانيات الخطاب.
وإن تباينت هذه المقاربات النقدية في مرجعياتها وأدوات اشتغالها فإنها تكاد تجمع على أن شعرية القصيدة كامنة في لغتها سواء تم تفسيرها بالصورة الشعرية عند البلاغيين، أو الانزياح عند جون كوهين، أو بؤر التوثر عند كمال أبو ديب، أو الغرابة عند عبد الفتاح كليطو، أو التوازي عند رومان جاكوبسون، أو التشاكل والتباين عند محمد مفتاح… وبذلك فإن اللغة الشعرية لغة متلبسة ومشاكسة، تتسم بالعناد الدلالي وانفلات المعنى وزئبقيته أو هروبه الدائم على حد تعبير رولان بارت; فهي، بهذا المعنى، تقول ولا تقول، وتضمر أكثر مما تعلن، وتخفي أكثر مما تظهر; حيث تجسد جدلية الخفاء والتجلي (9)، إنها لغة فاتنة وفاتكة، هلامية ومائية، حارقة ومارقة ،تجذب القارئ برشاقتها وتسحر فؤاده بقوامها، فتوقعه في شراك المعنى. لكن السؤال الذي يطرح نفسه: هل المعنى الشعري معطى جاهز ومكتمل، تام وقطعي، يصُبُّه الشاعر في قوالب الألفاظ والتراكيب أم نسبي ومتحور ومنفلت ودائم التشكل والجريان؟ وإلى أي حد يخضع لسلطة القارئ وقدرته على التأويل وفق سياقات خارجية تتجاوز حدود النص وسلطته؟
- مقام التشضي والإمكان:
بعدما عجزت النظريات النصية عن إدراك الجزء الخفي من الشعرية كما هو الشأن بالنسبة لجبل الأيسبيرغ وانحسرت كفايتها التفسيرية عند ضفاف النص وتشريح مكوناته البنيوية، فُتح المجال أمام نظريات وحقول معرفية أخرى غيرت دفة الإبحار نحو القارئ، وعلى رأسها نظرية التلقي والهيرمينوطيقا والتداولية، والتي اعتمدت على مفاهيم إجرائية كجمالية التلقي وأفق الانتظار والقارئ الضمني والسياق الخارجي …
إن القصيدة، بهذا المعنى، تكسر مرآتها لتعكس أكثر من وجه، وتقتل أبوتها، وترتمي في أحضان القارئ كي يعيد تشكيلها من جديد، ويهبها حياة أبدية ودائمة التجدد، وبذلك فالمعنى نهر دائم الجريان لا يسبح فيه القارئ مرتين. وحيث إن عمليتي الهدم وإعادة البناء تجعل من القارئ كاتبا ثانيا للقصيدة، وتهبه القدرة على النفخ من روحه في رحمها كي تحبل بمعان جديدة ومتجددة. لكن تبقى عملية القراءة والتجسس على المعنى الشعري مغامرة محفوفة بالمخاطر; لأنها أشبه بالإبحار في خضم لجي لا ساحل له، وهذه المهمة تطلب حذقا في مغازلته ونفاذا إلى بواطنه وطبقاته العميقة، وإمساكا بتلابيبه، وتبصرا بأسراره الخفية في أفق الإمساك باللحظة الجمالية دون أن يفقد شيئا من طراوته، بعيدا عن جلبة النظريات العلمية والصرامة المنهجية والولاءات الإيديولوجيه والأفكار التبشيرية التي تتقوَّل على النص وتصادر حقه في الكلام، دون أن تصغي لنبضه وتتحسس درجة حرارته وتوثره الشعري.
- من فتنة المعنى إلى دهشة التلقي:
إذا كان الخطاب الشعري يتسم بالتشظي والتناسل الدائم خارج حدود الزمان والمكان فلكونه معرفة ظنية متلبسة تقوم على معان مجازية حدسية ، قابلة للتأويل والمفارقات، لا تأله الحقائق ولا تؤمن باليقينيات على حد تعبير أبي العلاء المعري (10):
“أَمّا اليَقينُ فَلا يَقينَ وَإِنَّما أَقصى اِجتِهادي أَن أَظُنَّ وَأُحدِسا”
وبذلك فإن كل قراءة مغامرة محفوفة بمخاطر التقول على النص، وكتم أنفاسه، وإهدار دمه، والتجني على معانيه، واستنطاقها بطريقة بوليسية، فيها من التسلط والتعسف القسري والتبشير بمعان جاهزة سلفا، مما يجعلها مجرد لغة متخشبة لاروح فيها، وتسييجها في أقفاص مغلقة، بدل تركها طليقة تحلق في سماء البيان، وتغرد بهاء على أغصان التأويل. ولعل رهافة المعنى الشعري تستلزم من القارئ التخلي عن ولاءاته الإيديولوجية والتحرر من الصرامة المنهجية، والحرص على بيضة القصيدة ورهافة بكارتها، والحذق في مراودة معانيها، والبوح بأسرارها.
وإذا كانت القراءة رحلة أبدية في أرض الشساعات من العدم إلى الوجود، ومن الكائن إلى الإمكان، فلأن المجاز ماء الشعر الذي فاض من جرار الله كي يروي عطش التأويل في جنائن القصيدة، ويحضن أوجاع البهاء في خفاء حتى لا يسمع الليل أنينها، ثم تمد جدائلها الخضراء كي “تساقط عليها رطبا جنيا”؛
المجاز نور الله في الأرض وظله في السماء، كلما ارتقينا في مقاماته غمرتنا “إشراقاته” حتى الثمالة، وخطفت منا إكسير الزمن، وبعثرت أشلاءنا في بحر الهوى كي نكون وليمة لأعشاب القصيدة .. المجاز “رسائل حب” تكوي أضلعنا بأحرف من جمر، تجعلنا نتحسس أنفاس القوافي في حضرة الغياب ، وهي القريبة إلينا من حبل الوريد، تتكوثر في دمائنا عرسا كأنها أميرة بلقيس في قصر سليمان؛
المجاز فاكهة الطريق، و”عطش الروح في كأس اللغة”، وزاد الحجيج في ركب المعاني إلى قبلة البهاء، ونشيد الصحراء في شريعة العراء .. المجاز كحل العين التي ترى ما لا يرى، وتنصب الفخاخ لمن أحبت، والحب في شريعتها جنون .. المجاز خيط رفيع من سناء، ينسج ثوب القصيدة بحرير الجنة، ويرمم أشلاء الوجدان، ويرتق تجاويف المعاني بشهقات الروح، ويسقيها كأس البيان .. المجاز غفوة جميلة على سرير الحلم، ونطفة أودعها الشاعر في رحم اللغة، ثم مضى ، وحمل القارئ أوجاعها حتى استقامت قصيدة.
فيا أيها الواقفون على أعتاب القصيدة .. ما أصعب اعتقال المعنى حين يكون شعرا، وما أضيق الكلام لولا فسحة الجمال.
باحث وناقد من المغرب
هوامش وإحالات:
- مارتن هايدغر “هيلدر لن وماهية الشعر” ترجمة فؤاد كامل ومحمود ردب ، مراجعة عبد الرحمان بدوي، القاهرة 1974 ص 144
- من النظريات والمناهج التي اهتمت بالشاعر نظرية الإنتاج الأدبي وسيكولوجيا الأدب وسوسيولوجيا الأدب والمنهج التاريخي ونظرية الانعكاس … ومن النظريات التي اهتمت بالنص لسانيات الخطاب والبنيوية والبنيوية التكوينية والوظيفية والشكلانية والسيميوطيقا والأسلوبية … ومن النظريات التي اهتمت بالقارئ نظرية التلقي والهيرمينوطيقا والتداولية …
- الزمخشري “أساس البلاغة” ج/2 ص 187
- ابن منظور “لسان العرب” ج/12 ص554.
- القرآن الكريم، سورة الشمس الآية 8
- ابن قتيبة “الشعر والشعراء” ج2 ص608
- أدونيس “ديوان الشعر العربي” ج2 ص199
- نفسه
- كمال أبوديب “جدلية الخفاء والتجلي” دار العلم للملايين ط3 1984
- أحمد بن عبد الله بن سليمان القضاعي التنوخي المعري) (363 هـ – 449 هـ)، (973 -1057م) شاعر وفيلسوف وأديب عربي من العصر العباسي، ولد وتوفي في معرة النعمان في الشمال السوري وإليها يُنسب. لُقب بـرهين المحبسين بعد أن اعتزل الناس لبعض الوقت
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي