الرئيسية / الأعداد / قراءة في رواية: ثالث ثلاثة شظايا الذات للروائي أشرف مسمار- ريما خضر

قراءة في رواية: ثالث ثلاثة شظايا الذات للروائي أشرف مسمار- ريما خضر

قراءة في رواية: ثالث ثلاثة شظايا الذات للروائي  أشرف مسمار- ريما خضر

 ريما خضر*

 

تُعد رواية “ثالث ثلاثة: شظايا الذات” للروائي أشرف مسمار عملاً سردياً مكثفاً وملهماً، تتجاوز فيها الكتابة وظيفة التوثيق لتخوض في صراع وجودي معقد. فالرواية هي أول رواية تفرد صفحاتها في الحديث عن الوضع السوري وتطرقه إلى هجرة العائلات كآلاف السوريين الذين دمرتهم الحرب لأكثر من عقد من الزمن وكما يبدو أننا على خط النار الدائم، ويصوّر المعاملة السيئة للمهاجرين واللاجئين السوريين  في تركيا وصربيا وحدود النمسا.

فهي تشريح دقيق لحالة “شظايا الذات” التي تتفتت تحت وطأة الفقد والقسر وتغير الهوية. يجمع العمل بين التشويق البوليسي والمأساة الإنسانية وإشكالية التحول الجندري (Gender Transformation)، ليقدم طرحاً جريئاً حول ما يتبقى من الإنسان حين يفقد وطنه وجسده معاً.

  1. البنية السردية: الافتتاحية المزدوجة وتقاطع العنف

تختار الرواية بنية سردية لافتة تبدأ من المشهد الأخير، حيث تفتتح بحادثة بوليسية غامضة تقع في قلعة بران الشهيرة (قلعة دراكولا) في رومانيا، متصلة بالعنف التاريخي للأمير “فلاد المخوزِق”.

  • خلق الغموض (ص9): يبدأ السرد بخلق جو مشحون بالتوتر والغموض، حيث “يسود هدوء مريع، وصمت مطبق تقطعه أصوات ضئيلة وبقايا من أشياء متناثرة”.
  • عنصر المفاجأة: تتكشف الجريمة المرتبطة بمسابقة ترويجية، حيث يُعثر على شاب مقتول على الخازوق، ويفقد أثر مرافقته الألمانية فردفالد.

يأخذنا الكاتب في جو من الكتابة الدرامية والحدث البوليسي ليشدّ القارئ للغوص في أعماق صفحات الرواية، ثم تنتقل الأحداث لتسلط الضوء على البطلة يَم التي تبدأ طريق هجرتها، رابطاً بذلك عنف الماضي الأسطوري (دراكولا) بظلال وحشية الحاضر (الحرب السورية).

 

  1. تغريبة “يَم” وفقدان الجسد الاجتماعي

تصور الرواية بصدق مؤلم أسباب الهجرة التي فرضت على السوريين، هرباً من “آلة الحرب التي تسحق الإنسانية قبل أن تقتل الجسد”.

  • هواجس الرحيل (ص32): تستعرض “يَم” مع زوجها ضرورة الهجرة تحت وطأة الواقع المتردي، حيث يتناوب صوت “الرعد وصخب وغزارة الأمطار مع صوت اشتباكات وانفجارات”.
  • مراحل القسر والفقد (ص39-44): توثق الرواية مرارة الخروج غير الشرعي، وعبور نقاط التفتيش ومناطق الصراع. وتتجلى المأساة الكبرى بفقدان “يَم” لزوجها في كمين مروع، حيث يُقتل ويُرمى “من السيارة من دون أي اعتبار لحرمة ميت”، لتصبح “يَم” وحيدة في غابة فقدت فيها الأرض إنسانيتها.
  • التكيف الاضطراري: تسلط الرواية الضوء على قسوة التكيف مع الظروف، ومن ذلك اضطرار “يَم” لارتداء النقاب في مناطق سيطرة المجموعات المسلحة، وتبرع الشاب سامي (ذو الملامح الناعمة) بأن يكون محرمها “ظاهرياً” خلال الرحلة، وهو التمهيد الأول لـ شظايا الهوية لاحقاً.
  1. التحول والعبور: تفكك شظايا الذات

بعد الوصول إلى ألمانيا، تبدأ الرواية في طرح إشكالية الهوية الجندرية، وهي نقطة المحور التي تشكّل عنوان الرواية (شظايا الذات).

  • مفهوم التحول العلاجي (ص80-84): يُقدم الكاتب عبر شخصية “سامي” إطاراً للتحول العلاجي، موضحاً أنه ولد بحالة اختلاط في الأعضاء التناسلية (Intersex)، وأن التحول في حالته هو “استعادة الجسم إلى وظيفته ووضعه الصحي” وهو “اتفاق عملي وديني وأخلاقي بأنه لا بد منه”.
  • صراع “يَم” الداخلي: يبدأ التحول القسري للبطلة “يَم” كرد فعل على صدمات متتالية: التحرش في الطفولة، الزواج القسري، وفقدان الزوج، مما يولد كراهية عميقة لكونها أنثى.
  • الانحراف والفقد الروحي (ص117): تتعرف “يَم” على “إيلينا” اللبنانية، وفي جلسة تصوير عارية، تفقد السيطرة على نفسها، مع شعور داخلي وكأن “فِيَّ رَجُلٌ فَقَدَ السَّيْطَرَةَ عَلَى غَرِيزَتِهِ”. هذا الصراع يقودها إلى ضرورة “غسل عار تلك التجربة” (ص125)، ثم اتخاذ القرار المصيري بالتحول الكامل، بدعم من فردفالد الداعمة.
  1. شظايا النهاية: فقدان الأمومة والعودة الدائرية

تكتمل رحلة العبور (Transition) لـ “يَم” إلى جيمس بعد الجراحات والعلاج النفسي والهرموني، لتنكشف الحقيقة المأساوية التي تختزل قصة ضياع الذات.

  • الفقد الأعظم (ص181): يُخفى عن “يَم” قبل استئصال الأعضاء التناسلية أنها كانت حاملاً. هذا الفقد هو الشظية الأكثر ألماً للذات الأنثوية، حيث تتداخل “إحساس أمومة مفقودة لم تشق طريقها للوجود” مع “الرجولة الموهومة المرجوة”، لتنتهي “بآمال خابت، ومراحل عدة ضاعت”.
  • عودة البداية (ص196): تُختتم الرواية بالعودة إلى نقطة البداية، حيث تدعو “فردفالد” “جيمس” لقضاء ليلة في قلعة دراكولا بعد أن حصل على وظيفته الجديدة. هذه النهاية الدائرية تؤكد على رمزية القلعة كمكان لدفن الجثة الأولى (الشاب المقتول) والأنوثة الأخيرة (يَم).

لقد نجح الدكتور أشرف مسمار في روايته ثالث ثلاثة: شظايا الذات في تقديم عمل أدبي عميق يتناول أزمة الإنسان المعاصر الذي يجد نفسه بلا هوية ثابتة في عالم متقلب. الرواية هي شهادة على أن “شظايا الذات” تتجسد في كل خسارة: خسارة الوطن، وخسارة الجسد، وخسارة الهوية.

كاتب من سورية

 

عن madarate

شاهد أيضاً

العدد الواحد السبعون السنة السابعة مارس 2026

   

اترك تعليقاً