معاني النصوص القرائية في الكتاب المدرسي بين النسق الدارج والفصيح : تصوراتٌ حول افتراض عجز المعجم الذهني عند المتعلم المغربي خلال تعامله مع معاني المفردات العربية
شيماء شكري[1]
الكلمات المفاتيح : الشروح السياقية – المعجم الذهني – المحتويات التعليمية- النسق الدارج – النسق الفصيح.
الملخص بالعربية :
تكتسي الشروحات السياقية في النصوص عامة، وعلى اختلاف أصنافها أهمية كبرى، تربط المتعلمين بجوهر النص ومقصدية الكاتب، إلا أنها على الرغم من ذلك لا ترد في الكتاب المدرسي إلا مشروحة بشكل منفرد عن هذه الغاية.
إن الممارسة التعليمية – التعلمية، قد أكدت وبالمشهود أنَّ الذي يرسخ في ذهن المتعلم المغربي أثناء فهم النص، هو الشرح بالشاهد، ولكن ليس أي نوع من الشواهد؛ بل تلك التي ترتبط بحياته وواقعه الذي يمارس فيه لغته المختلفة بشكل جذري عن لغة النص الأصلية. إذ مايقع هو أن، بعض النصوص تُلزم على المدرس والمتعلم معا، أن ترجع ذاكرتهما المعجمية[2] إلى واقع آخر للكلمة التي استُعمل معناها في النص، وهو أمر غير ممكن الحصول نظرا لأن بنية الكلمة أو المفردة تبدّلت بتبدل الأحوال التي استعملت فيها.
يتحدد مقصودنا من هذا المقال في البحث عن افتراضٍ وسمناه ب” افتراض عجز المعجم الذهني” والذي يمكن أن نلخصه في السؤال الآتي : ” هل تنشط الشروحات السياقية المنعزلة في الكتاب المدرسي المعجم الذهني لدى المتعلمين من حيث تحفيزهم على الفهم والتواصل مع النص، وذلك بالانسجام مع مايتوافر لديهم من تصورات قبلية حول معنى الكلمة مفردة؟، خاصة إذا استحضرنا أن : ” … الطفل المغربي لايخرج إلى محيطه ليتلفظ لغة عربية فصيحة متداولة في الأفواه، …. إن العربية الفصيحة ليست لغةً أولى في محدداتها النفسية والإدراكية والذاكرية”[3]. (المعجم النحوي 1986، ص21).
المحتوى :
تعتبر اللغة العربية اليوم، من بين أهم اللغات الطبيعية، التي تظل في مسيس الحاجة العلمية إلى إعادة النظر في وصف معطياتها البنيوية؛ وذلك من خلال هندسة تحاليل جديدة، تنظر في اللسان العربي اِنطلاقا مما توافر في مظان التراث النحوي ، الذي اِشتغل ردحا طويلا على هذه اللغة، والعمل على إعادة وصفها بُغية الاِهتداء إلى طرائق جديدة في تعليم وتعلم اللغات بصفة عامة، واللغة العربية بصفة خاصة.
ولطالما كان موضوع تدريسية اللغات في جوهره مؤرقا، باديا من حيث ناحيتين متداخلتين؛ الأولى تفرض على الباحث اِجتراح هذه الطرائق التحليلية من خلال اِستثمار ماحصله النظر النحوي القديم في تراكيب العربية، من أوصاف وقواعد تخص البناء التركيبي والمعجمي للسان العربي، والناحية الثانية؛ تتجلى في ربط أواصر هذه التحليلات بالمتغيرات اللغوية وغير اللغوية عند المتعلم المغربي خاصة، والذي تبقى رواسب لغته الأولى ظاهرة أثناء إنتاجه تراكيب بالفصحى المعيار.
يزداد الأرق عمقا، عندما نستحضر خصوصيات الأمومة بين النسق الدارج والفصيح[4]، التي أثارت تساؤلات عديدة في الميدان اللساني، حول مدى صمود هذه العلاقة أمام الاِستحواذ اللغوي، الذي يطغى على عملية إنتاج المتعلم المغربي لتراكيب العربية، وفقا لما يستضمره من نظام القواعد والأبنية في لغته الأصل أو الأولى، كما أسلفنا القول والإشارة أعلاه.
إن مفهوم الاستحواذ[5] في اللغة الأولى، مظهر من مظاهر استبطان الفرد لذاته/ كيانه ضمن نظامٍ لغوي صارمٍ يجسدن ، التصورات والمعاني والأفكار والقيم التي تدور في خلَد الإنسان في إطار مقولات لغوية، تعكس هذا النظام الواسع من الدلالات الإنسانية الضاربة في عمق العلاقة الأثرية بين اللغة، والفكر، والإنسان متوسطا لهذه العلاقة. ولذلك فالغالب الأعم أن اللحن اللغوي، الذي يمكن أن يقع عند المتعلم / الطفل في إنتاجه لجملة أو تركيب عربي، مثلا؛ لايكمن في القفز على التأليفات الوظيفية والمعجمية بين المقولات فقط، بقدر مايتجلى في عزل المقولة اللغوية عن معناها الذي يجب أن تتجسد على وفقه، أو أن هذا الطفل يُسْقط التصورات التي رافقت اكتسابه للغة الأولى على اللغة الثانية، في مشهد لغوي يتنافر فيه المعنى بين النسق الدارج والآخر الفصيح، في كثير من النصوص.
لابد من الإشارة في هذا السياق إلى أن مفهوم الجسدنة الذي أشرنا إليه، هنا؛ إنما على سبيل الاستدلال على العلاقة القائمة بين التصور الإنساني واللغة، وتمثيلية هذه الأخيرة له، وإلا فإن أمر الجسدنة يبدو أكثر وضوحا وتدقيقا إذا أحلناه على المقاربات المعرفية/ العرفانية للغات، التي أصبحت تنص على ” أثر الكيفيات الإدراكية والحالات الجسدية والأفعال الموقفية على المحتويات القضوية في اللغة الطبيعية”[6]. (تارمينا، 2023، ص(2)).
ماهي مقصدية الإشارة الموجزة في الحقيقة، إلى هذا التصور الذي يقارب اللغة من زاوية أخرى، على غير ما عُهد بالنسبة للنظريات التي وُسمت بأنها قالبية ( النحو التوليدي- نظرية الربط العاملي– نظرية السمات….) في مقاربتها للغة الطبيعية من حيث إنها ” نسق من المتواليات الدالة على محتويات قضوية مجردة يولدها النحو باعتباره بناءً خوارزميا”[7] ؟. (تارمينا ، 2023، ص 3 ومابعدها بتصرف).
بصيغة أخرى هل تمتلك هذه الإشارة شرعية الورود في هذا التقديم العام، حيال اكتساب المتعلم المغربي، بالخصوص اللغة الثانية بناءً على ماأسميناه بالرواسب اللَّسْنية للغته الأولى؟، وعلاقة ذلك كله بتلقيه النصوص القرائية في الكتاب المدرسي المغربي؟
نفترض أن لهذا السؤال مقصديةً من حيث إنه؛ بوابة أساسية لتبين الآثار المترتبة عن التفكير باللغة الأولى في اللغة الثانية، أثناء التعامل مع النصوص والمتون بالعربية؛ بحيث لايمكن أن نتصور إنتاج المتعلم المغربي لأبنية تركيبية في الفصحى، دونما توظيفه للتحويل اللغوي مابين العربية المعيار والمغربية، الذي قد يمس في نهاية المطاف كافة المستويات اللسانية الخاصة بالفصحى، باعتبارها لغةً هدف – ثانية عند المتعلم الذي يُسَخِّر في سبيل اكتسابها / تعلمها[8]، كافة الاستراتيجيات والصيغ البنيوية والتصورية المستضمرةِ خلال التعامل الأول مع اللغة في سن مبكرة، ومن تمة فلا يمكن أن يكون تفكير أطفالنا المغاربة في اللغة العربية وإنتاج مقاطع لغوية خاصة بها، إلا من حيث استدعاؤهم لمجموع التصورات الإدراكية العاكسة لتجسدهم في المكان والبيئة المسؤولَين عن اِكتسابهم لِلغتهم الأولى، وذلك ماأدى بالأساس إلى تطور البحث اللساني؛ بأن أصبحت نماذجه الحديثة ( اللسانيات المعرفية من خلال نظرية المحاكاة مثلا) تنزع إلى ” نمذجة أدوار الجسد والمواقف والمحاكاة في اللغة من خلال وصف الأنماط اللغوية وتفسيرها تفسيرا يُرجعها إلى المعرفة والتجربة والاستنتاج، وغيرها من الأمور ذات الصبغة التصورية الفردية التي تتمفصل في تصاريف الكلام ومناحيه، وفق إطار واحد وموحد يتحرى علاقة اللغة بالمعرفة”[9] (تارمينا، 2023، (ص 9)).
تأسيسا على هذه الأواصر بين المباني والمعاني، في اللغات الطبيعية بصفة عامة، نقول بأنه لايجب أن، تُفهم هذه النقلات اللسانية بين اللغة الأولى والثانية على أساس، من أنها؛ تمس بنية اللغة الهدف أو (المراد تعلمها) بطريقة سلبية، تُضعف من البناء التركيبي لهذه اللغة ، بل على العكس من ذلك تظل الازدواجية بين لغة وأخرى ظاهرة طبيعية تحتم على اللساني وكل مشتغل بحقل اللغويات عموما؛ أن ينظر في أوجه التشابه والاختلاف التركيبي والدلالي بينهما[10]، من أجل إيجاد طرائق تعليمية تستغل مترتبات القول في اللغة الأولى وتستثمرها في اكتساب الثانية، بغاية تبسيط التعامل معها، ومن تمة اجتراح طرائق تحليلية ؛ من شأنها أن تٌيسر تعلم اللغة الثانية، والثالثة ….
بقي لنا، أن نشير إلى أن فكرة افتراضنا، حول عجز المعجم الذهني، قد انبرت إلى حيز هذه الورقة البحثية، انطلاقا مما أشرنا إليه أعلاه ؛ من كون متعلم اللغة العربية في المدرسة المغربية، لايفكر في معاني النصوص شعرية كانت أم نثرية إلا من خلال تجسيرها عبر رواسب لغته الأولى[11]، وينطلق هذا الاِفتراض أيضا من تجربتنا المهنية القائمة على الملاحظة الصفية لكيفية تجاوب المتعلمين مع بعض النماذج النصية، فغالبا مايقف الأستاذ ذا النظرة التحليلية مكتوف الأيادي، يصوغ السؤال ويتوق إلى الجواب عنه؛ حينما يتلقى جوابا من المتعلم لايمت لمعنى النص المدروس بأي صلة[12]، إلا من حيث الاشتراك اللغوي الأصيل للمعاني بينه وبين متعلمه.
تتداخل الدراسة النفسية باللغوية في هذا الموضوع، ذلك أن مناقشة اِفتراض عجز المعجم الذهني عند المتعلم المغربي، أثناء تعامله مع سياقات نصوص مختلفة، إنما يرتبط في الحقيقة بتبدل الأداء اللغوي[13] عند منتج العبارة الذي، يَحْتَكِم إلى متغيرات نفسية وشخصية لاُمحالة، وهي التي تفرض على الجمل واقعا مفاهيميا، يتجاوز الدلالة القَضوية لها في اللغة العربية، يقول مارك ريشل ” الكفاية لاتشكل أبدا مجرد (مستودع في الدماغ)، بل تشكل في الواقع عملية ابتكار، بمعنى أن أهم خاصية لها ربما تتمثل في إصدار أو تأويل العبارات الجديدة باستمرار رغم خضوع هذه العبارات على الدوام إلى أحكام القواعد نفسها”[14]. (مارك ريشل، 1948، (ص48).
يشتبك تأويل السياقات النصية، نثرية كانت أم شعرية، بالواقع الحياتي – النفسي عند منتج العبارة وعند متلقيها، وفي هذه الحالة عند الكاتب/ الشاعر، وأيضا عند المتعلم باعتباره متلقيا، فما مصير السياق الذي أُنتجت في ضوئه المتواليات الجملية؟، أيحتكم لما تنطوي عليه العبارة من أحكام لغوية أم يتأرجح حسب النفسيات، فتبقى الدلالات هائمة؟.
إن لكل متعلمِ لغةٍ، أثرٌ ذاكري يتعامل به ومن خلاله مع مفردات اللغة الجديدة التي يسعى إلى تعلمها، فبمجرد أن تثار أمامه مفردة ما، فإن الذهن يسعى إلى بلورة تمثيل لها، إما على شكل صورة، أو رائحة أو كلمة أخرى[15]، وفي هذه الحالة فإن ذهن المتعلم المغربي يسعى إلى إيجاد التمثيل للإحالة المعنوية لمفردات العربية إما عبر نسق لغته الدارج، أو من خلال الوسائط التي يتعامل معها يوميا، مثل : منصات التواصل الإلكتروني – الألعاب – المقاطع القصيرة للفيديوهات….
لامناص من القول بأنه، اليوم قد توحدت أغلب الدراسات اللغوية المهتمة بإقامة نماذج لتقييس اشتغال المعجم الذهني، وبناء استراتيجيات من أجل فهم كيفيات بناء واستقبال المعنى في العقل البشري، على اِعتبار أن هذا الأخير ( المعجم الذهني)،يتضمن معلومات لسانية صِرْفَة، وأخرى غير لسانية، تشمل الجوانب – الوجدانية – الوجودية لمعرفة الفرد بالعالم والكون.
إلا أن الإشكال الذي يُثار ، ولاجدال فيه أيضا؛ لأنه استفحل في أغلب المدارس المغربية، هو كون هذه المحددات التي يستفيد منها المعجم الذهني عند متكلم اللغة، والتي كما أشرنا سالفا، تتوفر على ماهو غير لساني محض، قد غدت مرتبكة عند متعلمنا المغربي، يمسها العَوزُ والضعف، بل حتى “التآكل”، باصطلاح مجموعة من الدراسات العصبية التي انتشرت مؤخرا، وهي تبحث في تأثير مقاطع الفيديوهات القصيرة جدا على الدماغ، ومن تمة على استعمال اللغة وتوظيفها.
ويلتمس المدرس مظاهر هذا العوز، عندما يلجأ إلى اِستفهام المتعلمين ضمن وضعية تعليمية معينة، عن بعض مايرتبط بالدرس، لكي يسهل عليهم عملية البناء المعرفي، فإذا به يقف مستضعفا أمام عدم معرفتهم ببعض مستجدات الحياة الواقعية[16]، ولايكفي سياق تدخلنا في هذه الورقة، إلى إثارة الدوافع المسؤولة عن ذلك، لأن مايهمنا من الاستدلال بهذا الأمر، هو التأكيد على أن من بين مايجعل معجم المتعلم المغربي الذهني عاجزا، متجلّ في ضعف الإمكانيات المعجمية غير اللغوية التي يتغذى بها هذا المعجم، ونقصد بذلك الوسائط الوجدانية- الدلالية، الأخرى لجعل العربية تنفذ إلى أذهان متعلمينا ( عدم اِستحضار اللغة العربية في كافة المحافل الحياتية للمتعلم، البسيطة منها والراقية)،بالإضافة إلى غياب طرائق تعليمية تستفيد من تصورات المتعلمين الخاطئة، خاصة ما يتعلق بالشروح السياقية لدلالات النصوص المقررة في الكتاب المدرسي، وتدمجها مع النصوص المختارة من أجل تسهيل عملية الاستيعاب الذهني لها[17].
تقدم الفقرات أسفله، توضيحات مبينةٍ لما أسميناه ” اِفتراض عجز المعجم الذهني”، كما نشير عبرها إلى ما تثيره الأسيقة الدلالية في النصوص، والشعرية خاصة، من إشكالاتٍ في فهمها مع ما يتوافق ومجموعَ المعارف المخزنة في ذهن المتعلم المغربي، وآثارها على إغناء المعجم الذهني عنده.
1-في حقيقة مفهوم عجز المعجم الذهني :
يحيل مفهوم العجز، الذي نريد تبيُّنَه هنا إلى تراجع القدرة الذهنية لدى الفرد على إثراء مداخل المعجم الذهني بما يطوره نحو الارتقاء إلى كفاية تواصلية ديناميكية، تؤهله أن يوظف معاني المفردات في النصوص المدروسة ضمن كافة المستويات اللغوية ، ولعل؛ سبب هذا التراجع متعلقٌ بالوضعية البنيوية التي يعيشها ذهن هذا المتعلم، ذلك أنه؛ بين تمثلات العبارة حسب مقتضيات نسقه الدارج، وبين المؤثرات الخارجية التي تزيده عوزا على عوز، من حيث اِنعدام التعامل مع اللغة العربية بمعدلات يومية معقولة، تزيد من تطورها عند المتعلم، يقول زغبوش بنعيسى : ” إن المعجم الذهني للفرد مكون ثقافي باِمتياز، يتدخل فيه ماهو منطقي، وماهو فردي، وماهو ثقافي…”[18] ( بن عيسى زغبوش، 2003، ( ص 8).
ومن الدواعي الأخرى أيضا، التي تتسبب في فقر المعجم الذهني عند متعلمنا المغربي[19]: الاكتفاء بشرح المفردات، وفق تمثلات جماعة لسانية معينة، فصحيح أن الهدف من إقرار نصوص شعرية مثلا تعود إلى الفترة الجاهلية، يتمثل في تعريفه بالخصوصيات الثقافية للمجتمع العربي القديم، لكن ماأهمية ذلك إذا لم تخضع الشروحات لسُنَّةِ التحديث الثقافي[20]، إذا جاز التعبير؛ والتي ترتقي على وفقها المجتمعات اللغوية؟
لايجب أن نتناسى مطلقا بأن، اللغة العربية هي لغةٌ ثانية عند المتعلم/ الطفل المغربي، ولعل معيار خطأ التلميذ في المعيارية دون الدارجة ( مع احتساب اللسان الأمازيغي طبعا)، دليل على هذه الرتبة، ومع صدور العديد من الدراسات التي تؤكد على نفعية تعلم لغة ثانية للوقاية من أمراض ذهنية، كالزهايمر والخرف، إضافة إلى تطوير الكفاية الإبداعية، فإن هذا كله لايمكن أن يتحقق إلا من خلال مبدإ التبديل اللغوي، الذي يجب أن نحتكم فيه إلى المعلومات الفكرية التي تتجمع في ذهن الفرد عند تلقي العبارات التي يتعلمها في لغة ما، والغاية أثناء التعليم هي الاِستغلال الإيجابي لهذه الأفكار ضعيفة كانت أم قوية؛ عفوية أم منظمة، والارتقاء بها لإفهام سياقات النصوص، رغم المسافة الزمنية بينها وبين ماشكلته التجربة الوجودية – الخارجية من أفكار في ذهن المتعلم، يؤكد زغبوش هذا الأمر في ماأدلى به في مقاله : ” … يلزم البحث في كيفية الاستفادة من مكتسبات الطفل المغربي في الدارجة للاِنتقال بها إلى تيسير تعلمه للغة العربية؛ حتى لاتظل الدارجة عائقا في وجه تعلمها، وبذلك تصبح الدارجة جزءً من الحل وليست جزءً من المشكل…”[21].
2- : تنشيط الكفاية المعجمية العربية من خلال الشروحات السياقية المنفتحة :
تناقش هذه الفقرة آثار شرح أسيقة الشواهد الشعرية والنثرية القديمة بطريقة منغلقة؛ وذلك بدعوى أنها لاتتوافق مع متغيرات القول عند متكلم تلك الفترة المستدل بها على الحقبة التاريخية للشواهد المقررة في الكتب التعليمية، وتتجلى آثار ذلك في مايلي :
-قمع الارتقاء بمظاهر الإبداع اللغوي في تلقي العبارات اللغوية، بما هي عليه من إضفاء لحمولات وجودية جديدة بما لايتضارب والاستعمالات الأولى للجملة، خاصة إذا اِستحضرنا العلاقة الاعتباطية بين اللفظ ومعناه، يقول زغبوش في هذا الصدد أيضا : ” إن البعد الوظيفي للوحدات اللغوية، يفيد أن الكلمات تستعمل بمضامين أخرى غير الاِستناد إلى معناها اللساني المحض، كما هو متعارف عليه في القواميس؛ حيث تُشحن بمعانٍ خاصة ضمن مجموعات لسانية معينة، حسب الخصوصيات الثقافية والاجتماعية، ومستوى التعليم والخبرة…”[22] ( بن عيسى، 2003، (ص9 ومابعدها).
-تغذية النفور من اللغة، وانعدام التفاعل الفكري الذي ينتج عن تلاقح المفاهيم والمعان والدلالات بعضها ببعض، ومن المعلوم أن حقيقة مفهوم المفهوم، تتبدى لنا واضحة إذا اعترفنا بأن؛ الإنسان يوظفها باعتبارها مكتسبات معرفية متغيرة جاءت نتيجةً لاهتمامه، بمختلف الظواهر التي تصادفه؛ وعليه فتعليم اللغات يجب أن يستفيد من هذا التضارب الدال بين المفاهيم؛ التي يتواصل بها الإنسان، ويُرَقِّي من درجاتها الدلالية[23]، حسب مستجدات التجربة الواقعية التي يخوضها في العالم.
تجدر الإشارة إلى أن هذا الإحصاء، لمجموع آثار الشرح السياقي المنغلق إنما نابعة من خبرتنا التدريسية المتواضعة، المفعمة بروح تجسير معاني النصوص الشعرية _ النثرية من خلال الشرح المنفتح على الأسيقية الحياتية المتجددة، وإلا فإن مدة المراس التعليمي مستقبلا كفيلة بتطوير نتائج هذا البحث، وإيجاد نماذج لهيكلة هذا التصور القائم على “البَيْنية اللسانية”[24] بما هي عليه من استفادة من المكتسبات اللغوية المستضمرة بمختلف منافذها؛ لسانية كانت أم غير لسانية، في التجربة الذهنية عند المتعلم المغربي خاصة، ومتكلم اللغات الطبيعية عامة، ونحن إذ نؤكد ذلك، فإنَّا في المقام ذاته؛ إنما نسعى في هذا الحيز البحثي نحو تعضيد ثقافة التساؤل حول مشكلات اللغة ودعمها، بإجابات تبقى خاضعة لمنطق التطور حسب توفر الروائز المناسبة لتفسير هذه المشكلات اللغوية المتداخلةِ الاتجاهات.
وبنظرة بسيطة، تبدو المساحة التي تحتلها الشروحات السياقية في الكتاب المدرسي هامشية ( تَسطيرُ مربع يتضمن شرح مفردات مقطوعة من سياق النص ومشروحة بشكل منعزل عنه)، لاتفي بمتطلبات الدلالة المفهومية لمجموع العبارات التي تنتظم فيما بينها، في إطار تشكلٍ نصيٍ، بل وتشرحها بالمعنى القاموسي، حتى لتبدو هذه المفردات المجمعة في حُزمة من الدلالات الأولية؛ متناثرة.
مثلا يقول المتنبي في القصيدة التي نستدل بإضاءاتها المعجمية من خلال ما ورد في الكتاب المدرسي” المنير في اللغة العربية” ( تحت عنوان دَعَوه مبذرا)، مايلي:
وإذا نظرت إلى الجبال رأيتها ****** فوق السهول عواسلا وقواضبا.
تم شرح كلمة قواضبا : بالسيوف، والعواسل : بالرماح، في غياب تام لمعناها داخل السياق الشعري الذي غرضه المدح، ولذلك غالبا مايظل أغلب المتعلمين في حيرة وتساؤل حول علاقة السيوف؛ في هذا البيت بالجبل وبشخصية الممدوح، الذي خُصّص نظم القريض في عرض صفاته الإيجابية.
ثم إن لدينا ملاحظة نقدية بسيطة، حول تدرج المراحل المنهجية لقراءة النصوص المدرسية، إذ يبدو أن اِستحضار الخلفية التاريخية التي كُتب على ضوئها النص؛ مهمة في ربط المتعلم بالسياق الذي أنتج فيه، وإذا اِنطلق المدرس من هذا السياق وبنى عليه؛ وفق تقديم الدلالات عن طريق التشبيهات المستقاة من الواقع المعاصر، فإن ذلك يمنحنا مفهوما جديدا في بناء المعرفة المدرسية ، فيتلقى المتعلم تأسيسا على ذلك الدلالات السياقية للألفاظ اللغوية المُتقادمة زمنيا، وفق مقاربة التمثيل الذهني لتصوراته المعرفية عن العالم، فيطابقها مع مقصود الكاتب أو الشاعر في النص.
إلا أنَّ، مايوجد في الكتاب المدرسي هو تقديم خلفية إنتاج النص، بشكل منفصل عن النص كوحدة متكاملة، أَوَ ليس لكلِّ تعبير خلفية سياقية؟ ويَبرزُ هذا الأمر جليا في الشعر القائم على تنقيح العبارات وتجويدها؛ بمعنىً آخر؛ ألا يضرب الشرح العابر بالمفردة ومقابلاتها، كما نجده موضوعا في الكتب المدرسية بالحقيقة الدلالية التي يبتغيها الشاعر؛ من تجميع حزم السمات الدلالية للوحدات المعجمية والاختيار الصارم لها بما يناسب رغبته في تمثيل الواقعة اللغوية في ذهن المتلقي على النحو الذي أراده؟
يحتاج الأمر طبعا إلى إقامة أسس توجيهية، لهذه الدلالات حتى لا يتسع الشرخ الدلالي ، فنغدو دائما أمام ما أشرنا إليه أعلاه ب” التشظي الذاكري”، وصحيح جدا أن، للألفاظ سلطانا على المعاني، وإلا لما أثار ذلك ضجة فكرية – وجودية إذا صح التعبير في ذهن منتج العبارة أولا ،الذي يظل في تَخبطٍ لاختيار مايناسب المعنى ( كما كان يقع لشعراء الحوليات في العصر الجاهلي)، إلا أن هذه السلطوية، لاتعني خنق الألفاظ وقولبتها ضمن تمثلات دلالية محددة عند جماعة لسانية معينة، وخاصة في مايتعلق بالإبداع[25] (وهذا مانجده متوغلا في كتبنا المدرسية، التي يمتد فيها هذا الاختناق إلى علوم العربية أيضا، والتي تفكك خصوصية النصوص بمصطلحات، يصعب ترسيخها في ذهن المتعلم، لأنها غريبة حدّ العَدَمِ عن تجربته الكونية المُعاشة[26]، وهو مانمثل له بدرس العروض، الذي مازال يعبر بمفاهيم الخيمة عن التبدلات والتغيرات التي تلحق الأوزان الشعرية، وذلك على حد تعبير الأستاذ الوادي) ( الوادي، محاضرة لطلبة ماستر المناهج اللغو ية والأدبية لتدريس اللغة العربية، سنة 2023).
3-أثر تنشيط الكفاية المعجمية في بناء الكفاية التواصلية :
لابد في هذا السياق من أن، نُشير إلى أهمية منح المكون المعجمي قيمة بالغة ضمن الخطوات المنهجية لقراءة النصوص، وذلك نظرا لما يساهم به في تنمية مهارة فهم المسموع والمقروء لدى المتعلم المغربي، وهذا الأمر غير ممكن التَّيَسُّر، مالم يُدعم بالاهتمام بجوانب النقل اللسانية بين النسق الدارج والفصيح، والعمل على تجاوز اِستراتيجيات الشرح بالمفردة ومقابلاتها، في ضرب تام للسياق[27] الذي يعد عاملا أساسيا في إغناء المعجم الذهني، فحتى وإن تم إرفاقها بالتدوين في دفاتر المتعلمين، فإن تخزينها في الذهن لايستقر إلا ثواني معدودة غابرة بمرور الزمن والانتهاء من المجزوءة التعليمية[28] ، لأن ذلك لايتوافق مع ” طريقة تقسيم المتعلم للمعقولات/ الموجودات/ التصورات وفق الخصوصيات النسقية للغته الأولى”، فما تلبث المفردة تسقط من معجمه، وتتقلص بذلك وتيرة الرجوع إلى التعداد[29]المسؤول عن اِنتقاء الوحدات المعجمية المناسبة للموقف اللغوي إنتاجا وتلقيا في مدة زمنية مناسبة.
إننا في مسيس الحاجة، إلى أن نبني مناهجنا التعليمية على إقامة خرائط دلالية، ننسق فيها بين الحزم المفاهيمية للوحدات المعجمية في الدارجة والأخرى في الفصحى/ المعيار، وذلك عن طريق آلية الشرح بالتشبيه الإدراكي مثلا [30] للواقع الحياتي عند المتعلم.
إن هيكلة هذه الخرائط الدلالية من شأنها أن تحافظ على ثبات الاِنتباه التنفيذي، باِعتباره انعكاسا لقدرة المتعلم على التعامل مع تعقيدات نظامين لغويين متمايزين، لَنعْبر نحو بناء كفاية تواصلية، تُدْمج المفردة / الكلمة المشروحة بشكل منعزل في بنية النص ( شعريا / نثريا)، وحصول هذا الإدماجِ؛ كذلك في مداخل المعجم الذهني؛ والوجدانية منها على الأخص، فنتلافىَ تشظيات ذاكرة المعنى، القائمة على الصراع بين معلومتين، مشحونتين بتمثلاث مختلفة حسب السياقات التي وَلّدَتهَا[31].
إن الازدواجية / الثنائية، يجب أن تُغذي التنظيم الذاتي للذهن البشري، وأن تكون كما قال لمبرت وبيل ” قدرةً على التحويل/ الترميز بين لغتين أثناء التفكير، وحلا للمشكل”[32] ( حساني أحمد 2007، (ص55)، لا صراعا فكريا عميقا بين معلومتين، أو تشتيتا للاِنتباه التنفيذي عند متعلمنا المغربي خلال تعامله مع النصوص باللغةالعربية الفصحى/ المعيار، فإعمال ذلك، سيؤول إلى تفعيل التمكن من الكفاية التواصلية التي رسم المنهاج التعليمي [33]خصوصياتها في : ” اِستهداف التمكن من إتقان مختلف أنواع التواصل والخطاب، في إطار الكفايات القابلة للاِستثمار في التحول الاجتماعي من أجل الاِستجابة لحاجات مجتمعية”. ( التوجيهات التربوية، نونبر 2007 ( ص 3 ومابعدها).
خلاصات تركيبية :
يمكن أن نَجمع خلاصات هذا المقال في الأفكار الآتية، أسفله :
-يعيش المتعلم المغربي وضعية لغوية معقدةَ البنى والمداخل في خِضم تعلمه للغة العربية، فهو بين تأرجحات الرواسب اللسنية التي تُجبره على التفكير في العربية من خلال لغته الأولى، ويزداد هذا التعقد، عندما نعلم العوز الذي يحيط بالمداخل التي تُغني معجمه الذهني المسؤول عن التمكن من الكفاية التواصلية باللغة العربية، ذلك أنه؛ يمكن للعديد من عوامل الحياة التي تُسهم في الاِحتياط المعرفي للمعجم الذهني، أن تبعثر الدلالات في ذهن المتعلم.
– إن بناء المحتويات والمناهج التعليمية المُتعلقة بتدريس النصوص الشعرية / النثرية ، وبشكل أخص تلك التي تُحدث شرخا زمنيا بين الدلالات في العبارة وفي ذهن المتعلم[34]، تحتاج إلى إقامة خرائط دلالية، من شأنها أن تُدمج المفردات النصية في بناء النص بما يتوافق والتجربة الإدراكية/ الحياتية للتلميذ المغربي، عن طريق آلية التشبيه التمثيلي، لكيفية تقسيم المعقولات عند الجماعة اللسانية التي يندرج ضمنها النص أو المتن، وأن يتم ذلك دائما من خلال المناسبةِ الوجودية بين واقع الفرد وواقع الجملة في حقبةٍ مارةٍ.
-وجوب الاستفادة من البنية المعرفية عند المتعلم، باِختلاف أفكارها، قوية كانت أم ضعيفة، منظمة أو عشوائية، لضمان نجاعة أفضل في تعليمية اللغة العربية، وعدم تغذية نفور المتعلم منها، فنجاح المدرس في تمكن المتعلمين من التواصل بلغة عربية سليمة، رهينٌ في جزء كبير بمدى تفوقه في إشراك كافة التمثلات / التصورات، حول معاني العبارات، والمرور عبرها إلى ما يخدم النص، وبناء الدرس.
-لا ننكر أن الرهان الحقيقي في تعليم العربية هو أن، نُقيم تحديثا استراتيجيا في طرق التدريس بما يجمع القيم التراثية القديمة، والمفاهيم الإدراكية الجديدة عند المتعلم، وبما لايغذي النفور من هذه اللغة على المستوى التواصلي والإبداعي، فيما بعد عند المندغمين بجدل هذه اللغة بعد التمكن من نسقيتها، لكن ذلك لايجب أن يكون على حساب القفز على المراحل المخصصة للتمكن من لغة معينة، والتي تبدأ من تعليم التواصل للطفل المغربي بالعربية منذ سنواته الأولى بالمدرسة، ثم بعد ذلك انتقاله إلى نقد المنجز من النصوص بهذه اللغة.
خاتمة :
حاولنا في هذا المقال، أن نسلط الضوء على قضية لغوية هامة، ترتبط بآثار تهميش المكون المعجمي في الكتب المدرسية المغربية، ومايترتب عليه من عجزِ المعجم الذهني عند المتعلم في فهم النصوص المتنوعة، والتي يتعامل معها وفق ما توفره له معطياتُ لغته الأولى ( اللسان الدارج)، من تصورات وتمثلات واقعية – وجدانية…، يستحضرها قسرا في عملية القراءة والتأويل، ذلك أنها تجذرت في بنيته الذهنية خلال عملية الاكتساب.
تأسيسا على ذلك، عمدنا إلى تفصيل القول، حول خصوصية تدريس النصوص ( شعرية – نثرية –…)، في المدرسة المغربية، والتي تتجلى في تداخل النسق الدارج والفصيح، واستحواذ مترتبات القول في اللغة الأولى، على ذهن متعلمينا أثناء قراءة النصوص وفهمها، وهو الأمر الذي يُفرز آثارا عميقة على تمكنه من التواصل بلغة عربية سليمة، مالم تضع المناهج والبرامج الدراسية في الحسبان أن؛ التجاذب بين الفصحى / المعيار والدارجة، هو حتميةٌ لسانيةٌ، تفرض نفسها على كل راغب في تعلم لغة أخرى، وليس العربية فقط.
واللغة نفسها، كما أوردنا ذلك في عديد من هوامش المقال، تأبى أن تُوضع في قوالب دلالية ثابتة، ذلك أنها تتسم بالديناميكية، ولنا في استشهادات رولان بارت مايعضّدُ، هذا التصور الذي عالجناه، فهو القائل : ” المعنى مُلغىً، وكل شيء يحتاج إلى إعادة صنع، ذلك لأن اللغة تستمر”، وإيراد ذلك كله؛ إنما في سياق وضع اليد على أهم الإشكالات التي تواجه كلا من المتعلم والمدرس على حد سواءٍ، خلال تلقي و تمرير هذه النصوص التي نسمها بأنها نُخبوية وعالية المستوى، تقفز على المرحلة الأولى من مراحل تعلم التواصل اللغوي، وتتجه مباشرة نحو ضرورة تفعيل الرؤية النقدية لدلالات هذه النصوص، متجاوزة بذلك المستوى التصوري لدى متعلمينا المغاربة.
تبعا لذلك، يؤدي تسييج النص المقرر في الكتاب المدرسي بدلالة واحدة، يُستند في شرحها للمتعلم على إضاءات معجمية معزولة في أسفل النص، إلى خنقه ( نقصد النص)، ونفور المتعلم من دلالات لايعرف عنها شيئا في محيطه الواقعي، المختلف عن النص وجوديا – وجدانيا…، وذلك كله في إطار ماأسميناه هنا بافتراض ” عجز المعجم الذهني”.
لِيُسْهم عدم الأخذ بتصورات المتعلم الخاطئة حول دلالة ما، في تراجع رغبته في تعلم العربية وتمثل دلالات النصوص التي تعكس في جوهرها مظهرا فنيا، من مظاهر تدبير الخيال في الأدب عبر مقولات لغوية عربية سَلسَلة، وهو مايفرض علينا بالضرورة، أن نجترح طرائق تعليمية، تستغل هذه التصورات في فهم مقصود النص حسب ماتبتغيه البرامج والتوجيهات التربوية لتدريس اللغة العربية في التعليم الثانوي التأهيلي، كإقامة خرائط دلالية تٌشَبِّه المعنى في النص بما يدركه المتعلمون في الواقع/ التجربة الحياتية التي يمرون منها، بما يُسهم في تمكن المتعلم من التواصل أولا، والنقد وطرائق الإبداع وغيرُ ذلك كثير. ثانيا. ( في مرحلة متقدمة تعليميا).
الهوامش :
[1] يفكر مدرس اللغة العربية في المدرسة المغربية بلغته الأم هو أيضا، ( اللسان الدارج أو الأمازيغي)، وقد يقع في أخطاء نتيجة تفكيره بلغته الأولى وتمرير المعطيات العربية الفصيحة من خلالها، ويزداد الأمر حدّة إذا علمنا أن لهذا الأستاذ تصوراته الواقعية أيضا؛ التي اكتسبها باكتساب هذه اللغة، مما يجعل حيازة المعنى في النص محل تجاذبٍ بين المتعلم وأستاذه، وهو صراع في محله، يشير بارت إلى جدلية عميقة بين العبارات والمعاني، فيقول : ” المعنى مُلغىً، وكل شيء يحتاج إلى إعادة صنع، ذلك لأن اللغة تستمر….)، بارت رولان : هسهسة اللغة، ترجمة : عياشي منذر، ط 1999.
2 الفاسي الفهري، 1986، ص21، ومابعدها.
3 يرتبط هذا الضغط أساسا بمفهوم تعلم اللغة من خلال ماتوفره قواعد النحو، في مقابل الاكتساب الذي يتم بطواعية.
4 يَدرسُ المتعلم المغربي العربية المعيار / الفصيحة منذ أكثر من 12سنة، ولكنه غير قادر على صياغة تراكيب إنشائية سليمة دون أن يخلطها بما هو دارجٌ في لسانه، وقد استقينا هذا الحكم من خلال تجربتنا المهنية على متعلمي السلك التأهيلي. (السنة أولى من سلك الباكالوريا وكذا متعلمي جذع مشترك آداب وعلوم إنسانية)،( انظر نماذجَ عن هذه الروائز التي استخدمناها في صياغة هذا الحكم ضمن الملحقات بالمقال).
5 تكشف تحولات المعنى في كل من الدارجة والفصحى عن هذه العلاقة، خاصة في الأفعال، فمثلا تحتفظ اللغة الدارجة ببعض من معنى الإرادة والرغبة في الفعل العربي (بغى ) ( كما في قولنا : أبغي مشاهدة الأفلام القديمة)، فلاأفلاوفي الدارجة نقول 🙂 ” بْغِيتْ – تَنِبْغِي….)
6 نعتبر هذا المفهوم فلسفيا في حقيقية الأمر، وإيراده في هذا السياق؛ هو من باب تصوير كيفية تأثير اللغة الأولى التي اكتسبها المتعلم المغربي على تفكيره في العربية المعيار / الفصيحة.
7 اللغة والمعنى نظرية المحاكاة المجسدنة، (2023) ص 3 ومابعدها.
8 (اللغة والمعنى نظرية المحاكاة المجسدنة ، 2023، ص 7، ومابعدها).
9 إن هناك تضاربا عميقا بين مفهوم الاكتساب والتعلم بين العديد من اللسانيين.
10 تارمينا، اللغة والمعنى نظرية المحاكاة المُجَسدنة، ص7.
11نقصد بين لغة فأكثر.
12 نريد أن نشير في هذا التهميش إلى مسألة الانسجام في المعنى التي تتوخى الكتب المدرسية أن تفرضها في ظل قالب نمطي يجعل هذا المعنى واحدا لايتبدل؛ وهذا الأمر يحدُّ من فاعلية المتعلم كقارئ مؤول يجدد المعنى، ذلك أن ” كل قراءةٍ تتوخى من الكتابة أن تلد إلى مالانهاية”. بارت رولان، هسهسة اللغة، ص 56.
13 الرواسب اللغوية بما فيها العبارات وتصوراتها حول الواقع والفكر.
14 ذات مرة، في سياق تمرير درسٍ حول خصوصيات القصيدة التقليدية العمودية ( النموذج الجاهلي)، سألتُ متعلمي جذع مشترك آداب وعلوم إنسانية عن مفهوم ( الصدر) الذي يقع في مقابل ( العَجُز)، فأشَّرت متعلمة بيدها إلى قفصها الصدري، ذلك أن؛ (الصدر) في الدارجة المغربية يعني ذلك، الإشكال هو أن؛ دور الأستاذ كفاعل تربوي، يطور تمثلا ت المتعلمين انطلاقا منها، يتراجع، بسبب عدم إيجاد صيغة ديداكتيكية لتقريب الأمر من التلميذ، كجرد الاختلافات والتشابهات بين المعنى في الدارجة والنسق الفصيح، فيلجأ من تمة، إلى طرد ذلك الجواب على الرغم من أنه، قد يُساهم في بناء الدرس وترسخه لدى الطفل/ المتعلم.
15نستحضر في هذا السياق قولا فريدا لابن جني يصرح فيه بما يلي : ” واِعلم أن العرب تختلف أحوالها في تلقي الواحد منهم لغة غيره”. ابن جني، الخصائص (2013)، الجزء الثاني ص 30.
16 اِكتساب اللغة، 1984، ص 48.
17 نصبح أمام تفرقٍ للمعنى، في البنية الذهنية للمتعلم والمدرس، بحكم أن الواقع يُعتبر من مداخل المعجم الذهني التي يستفاد منها في معالجة العبارات والتراكيب التي يسمعها المتلقي، لذلك يستغرق النفاذ إلى المعنى المراد عبر البنية الذهنية، مدةً تتجاوز الاعتيادي.
18يقول بارت : ” الفعل قرأ، يبدو أكثر تعددية من الفعل تكلم، وإنه ليستطيع أن يُشبع وأن يُحفز بألف مفعول به، … أقرأ النصوص، والصور و المدن، والوجوه والحركات…”. بارت رولان، هسهسة اللغة، ص 49.
19 يتضمن الكتاب المدرسي، واحة اللغة العربية المخصص لمتعلمي السنة أولى من سلك الباكالوريا بالتعليم المغربي، نصوصا حول الحداثة والإبداع، دون ربطها بمتغيرات التصورات عن الحداثة في ذهن متعلم العصر هذا الجديد( الموضة – وسائل ووسائط التواصل الاجتماعي…).
20 بالنظر الدقيق إلى النصوص المقررة في الكتب المدرسية المغربية الخاصة بالتعليم الثانوي التأهيلي، نستطيع أن نبني تصورا موضوعيا حول أسباب عدم ترسخها في أذهان المتعلمين، والراجع بالأساس إلى أن هذه النصوص المختارة لتطوير الكفاية اللغوية العربية، إنما هي نصوص نُخْبوية، لا يستطيع فهمها وتأويلها على نحوٍ صحيح، إلا المتخصصون / المهتمون بقضايا اللغة العربية العميقة، وبالتالي، فهي لا تهدف إلى تعليم التواصل، بل تعرج بشكل أسرع نحو تعليم النقد. (أشعار: المتنبي – المسيب بن علس – النابغة الذبياني)، كلها موروثات أدبية لا يفهمها المتعلم إلا بعد سن معينة، أي؛ بعد أن يصل إلى الذِّروة العليا من التأويل التي يسبقها قبل ذلك تعلم التواصل، وإدراك خصوصية الإفهام باللغة في المجتمع، يقول بارت : ” … المجتمع ببناه الاجتماعية والاقتصادية والعصابية، يتدخل؛ وهو الذي يبني اللغة…”. بارت رولان، هسهسة اللغة، ص 60.
21 تأثير خصوصيات اللغة العربية على النفاذ إلى الذاكرة المعجمية، 2003، ص (8).
22 نشير بشكل خاص في هذا المقال إلى، متعلم المرحلة التعليمية الثانوية ( السلك التأهيلي بالتعليم المغربي)، وهي ذات خصوصية معينة على المستوى العمري ( بلوغ سن المراهقة، وذِروة معينة من التجريد، التي يُستعان بها في فهم النصوص الإبداعية والشعرية خاصة.).
23أَجْرَيْتُ مقارنة على متعلمي جذع مشترك علمي عام، مسلك العلوم التجريبية ( السنة الأولى من التعليم الثانوي التأهيلي بالمغرب)، خلال تعاملهم مع نص يحتوي مفردات مُستغلقة على فهمهم، ومجريات هذه المقارنة ونتائجها، كانت كما يلي :
*عندمطالبة المتعلمين بمعنى العبارات الصعبة، اعتمدوا على شرح الكتاب المدرسي، الذي لايرتبط في كثير من الأحيان بسياق القصيدة أو النص، ونتيجة لذلك؛ يعجز المتعلم عن بناء المضمون العام للنص، لأنه لم يفهم سياقه ودلالة تراكيبه.
*عند ربط الكلمات المستغلقة على الفهم بواقع التلميذ في جمل وعبارات، يتمكن من بناء مضمون النص على نحو جيد، مثلا ( استعملت في شرح كلمة الوِهاد الواردة في نص من النصوص، بجملة كالآتي : ” يقطع سكان سيدي احرازم يوميا طريقا لاوهاد فيها”، مباشرة كانت الإجابة بأن الوِهاد هي : المنخفضات أو الأراضي المنبسطة، لأن المتعلمين ينحدرون من هذه المدينة، ويقطعون هم أنفسهم هذه المسافات المرتفعة للوصول إلى الثانوية.
24 زغبوش، 2003، ص 15، م.س.
25زغبوش، 2003، ص (9) ومابعدها، م.س.
26 إن اللغة ديناميكية، تتطور ولاتحتفظ بالبنى الدلالية ثابتة.
27 الفاسي الفهري، 2003، ص (70)، م.س.
28 نظيف رشيد؛ ومؤلفون آخرون، الكتاب المدرسي للتلميذ والتلميذة في جذع التعليم الأصيل والآداب والعلوم الإنسانية، سلك التعليم الثانوي التأهيلي.
29 الشكدالي مصطفى؛ ومؤلفون آخرون، الكتاب المدرسي للتلميذ والتلميذة، السنة الأولى من سلك الباكالوريا، مسالك العلوم التجريبية والعلوم الرياضية والتكنولوجيات الميكانيكية والعلوم والتكنولوجيات الكهربائية.
31 أصبحت العلاقة بين الإبداع ( الأدب) والقارئ، اليوم علاقة جدلية، يقول بارت في سياق ذلك : ” القارئ في النهاية لن يفك الرموز، ولكنه سيضاعفها.” بارت رولان، هسهسة اللغة، ص 59.
32 بالكاد؛ يستطيع المتعلم المغربي أن يدرك أن اِصطلاح ” المتكاوس” في اللغة يعني الناقة العرجاء التي تمشي على ثلاثة أرجل، فما بالنا؛ بإدراك ذلك على المستوى الاصطلاحي العروضي.
33 ” الكلمة لاتحيا إلا تبعا لسياقها، ويجب أن يُفْهَم سياقها بشكل يتجاوز الحدود”. بارت رولان ، هسهسهة اللغة، ص 295.
34 يُستخدم هذا المصطلح في التعليم الثانوي التأهيلي في مقابل مفهوم الوحدة الذي نجده في التعليم الثانوي الإعدادي.
35 مَفاد ذلك أن، النسق الحاسوبي، ينتقي مايناسبه من المعجم، لاِستغلاله في بناء جملة أو تركيب معين، وحتى في عملية تأويل المتواليات الجملية المسموعة أو المكتوبة، وعليه فإن، مجموع المعلومات الواردة في المُعجم من قيم دلالية وصوتية وسماتية، هي مشتركة بين كافة اللغات الطبيعية وموحدة في مابينها، يقول الفاسي الفهري : ” كل متكلم للغة الطبيعية قد قرّ قراره على مخزون ذاكري غير واع، وهذا المخزون عبارة عن معجم ذهني، يمثل الثروة المفرداتية المخزنة، وجهاز قواعد نشيط يرسم أسس تأليف هذه الأبجدية”.
36 الفاسي الفهري، اللسانيات واللغة العربية، )1993) ، دار توبقال للنشر، ط 3، ص8، المغرب.
37 توضيح المعاني السياقية للمفردات النصية الصعبة، بما يتناسب مع إدراك المتعلمين المغاربة للموجودات في النص وفي الواقع الخاص بهم.
نشير أيضا في هذا التهميش إلى أن الغاية من الشرح السياقي يجب أن لاتقتصر فقط على إيراد الدلالة القاموسية للمفردة، بل أنْ نُثير أيضا لدى المتعلم الفروق في درجات معاني الكلمات النصية من حيث الاستعمال، فعندما ” نُلِحُّ على ضرورة الكشف عن معجمية النص، وحقوله الدلالية، وترابطها، فإننا نسعى إلى خلق حاسة التمييز بين المُفردات والاِستعمالات اللغوية التي تضفي عليها معاني مميزة” .
38 نتيجة للاعتباطية التي تجمع بين اللفظة وإحالتها سواء على مستوى الذهن أو الواقع، فإن ذلك يجعل دلالات الوحدات المعجمية في اللغات الطبيعية غير مستقرة على حالٍ واحدةٍ، وهذا ماجعل شميت و هيربنجر (2011)، يعتبران أن ” نسق اللغة دينامي،وذلك بناءً على عناصره التفاعلية الفردية منها والاِجتماعية”.
39 نقلا عن حساني أحمد ( 2007): دراسات في اللسانيات التطبيقية حقل تعليمية اللغات، ص55.
39 التوجيهات التربوية والبرامج الخاصة بتدريس مادة اللغة العربية بسلك التعليم الثانوي التأهيلي، طبعة نونبر 2007، مديرية البرامج والمناهج بالرباط، ص 3 ومابعدها.
40 هناك بعض المفردات في العربية التي تلتقي على مستوى الشكل الصوتي بمفردةٍ في النسق الدارج، وعلى المدرس أن ينتبه إلى أن الدلالة؛ تنحرف في مثل هذه الوضعيات التعليمية، بما يستوجب الحرص على سلامة النقل بينهما على كافة المستويات اللسانية.
ملحقات :
| نموذج عن الروائز التي اعتمدتها في تحصيل نتيجة أن، المتعلم المغربي ( بالسلك التأهيلي) يعاني من عوَزٍ لغوي، على الرغم من أنه يدرس هذه اللغة منذ أزيد من 10 سنوات، وكذا فكرة التداخل بين النسق الدارج والفصيح أثناء التعلم.
السؤال الاختباري يقول : عبّر عن رأيك حول مستقبل الإنسان في ضوء تطورات الحياة من حولنا، وعن أهمية إقامة مجتمعٍ متوازن لضمان هذا المستقبل، موظفا ماتعلمته في مهارة التعبير عن رأي / موقف. الفئة المستهدفة : متعلمي / ومتعلمات جذع مشترك عام، مسلك العلوم والتكنولوجيات، مديرية فاس- الثانوية التأهيلية سيدي احرازم.
|
| نموذج عن الكتب المدرسية التي بَنينا من خلالها تصورا حول نُخبوية النصوص المقررة فيها
( يتم اعتماد هذه الكتب المدرسية بمديرية فاس المغربية). |
لائحة المراجع العلمية المعتمدة :
بالعربية واللغة الأجنبية الثانية :
– أمين محمد، طبعة سنة 2018، المكون المعجمي في تدريس اللغة العربية ، نحو منهجية لسانية معرفية مندمجة، من كتاب المعجم العربي قضايا ومقاربات لسانية، منشورات مختبر الدراسات اللسانية والديداكتيكية والمعرفية سلسلة : ” نظريات ومناهج”، جامعة مولاي اسماعيل / المدرسة العليا للأساتذة – مكناس، المغرب.
-أنعام لفتة موسى، حيدر محمد كاطان، الطبعة (بدون)، تأثير ثنائية اللغة على الانتباه التنفيذي لدى أطفال ماقبل المدرسة، مجلة كلية الآداب، العدد ، مجلة العراقي الأكاديمية.
-إيليزابيت فان در لندن، ترجمة الطاهر لوصيف، بتاريخ 31 دجنبر 2019، المعجم الذهني وتعلم اللغات، مجلة المجمع الجزائري للغة العربية، جامعة الجزائر.
-بعلاوي نعيمة، الطبعة الأولى 2021، الدماغ واللغة التمثلات الذهنية والمعالجة المعجمية- مقاربة سيكولسانية ونورومعرفية – ديداكتيكية، منشورات مجلة كراسات تربوية، سلسلة أطروحات جامعية رقم 02، مدينة الرشيدية، المغرب.
بوتون شارل، طبعة (بدون)، اللسانيات التطبيقية، ترجمة قاسم المقداد ومحمد رياض المصري.
-بن عيسى زغبوش، بتاريخ 15 نوفمبر 2003، تأثير خصوصيات اللغة العربية على النفاذ إلى الذاكرة المعجمية، مختبر العلوم المعرفية، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، ظهر المهراز فاس، المغرب.
بارت رولان، هسهسة اللغة، ط. الأولى ( 1999)، ترجمة. عياشي منذر، مركز الإنماء الحضاري للنشر والتوزيع، حلب، سوريا.
– -توهامي سفيان، كحلولة رحاوي سعاد، 14/ 09/ 2016، العدد 9. اللغة والهوية عند المراهق، مجلة متون.
– جهيدة سعد العايب، محمد رضا شنة، مجلد 06، عدد 01/ 2022، الذاكرة الدلالية لدى التلاميذ ذوي عسر القراءة، جامعة الشهيد حمه لخصر بالوادي، مقال منشور بمجلة السراج في التربية وقضايا المجتمع، الجزائر.
-حساني أحمد، طبعة سنة 2007، دراسات في اللسانيات التطبيقية حقل تعليمية اللغات، ديوان المطبوعات الجامعية.
– العربي ربيعة، علوي حافظ اسماعيل، أشرف فؤاد، سنة 2020، المعجم الذهني النمذجة والتقييس، نصوص مترجمة، الطبعة الأولى دار كنوز المعرفة، المغرب.
-الفاسي الفهري عبد القادر، (1986)، المعجم العربي، ط1، نماذج تحليلية جديدة – دار توبقال، الدار البيضاء، المغرب.
– الفاسي الفهري، 1993، اللسانيات واللغة العربية، دار توبقال للنشر، طبعة 3، المغرب.
-الوادي محمد، 2023، محاضرات ألقاها على طلبة ماستر المناهج اللغوية والأدبية لطلبة الفصل الثاني، دفعة 2022-2024، بتاريخ الأربعاء 2023/01/18، برحاب المدرسة العليا للأساتذة- مكناس، المغرب.
-نصرت، جنان محمود توفيق، (2014)، الفهم القرائي وعلاقته بالانتباه التنفيذي والسرعة الإدراكية لدى ثنائيي وأحاديي اللغة، الجامعة المستنصرية، كلية التربية، العراق.
-التوجيهات التربوية والبرامج الخاصة بتدريس مادة اللغة العربية بالتعليم الثانوي التأهيلي، ط ( نونبر 2007)، مديرية المناهج والبرامج، الرباط، المغرب.
Aparna ; and others ; 2023 ; Prptective effect of bilingualism on aging; MCI; and dementia : A community based study; The journal of The ALZHEIMERS ASSOCIATION.
Roland Barthes; le bruisement de lal langue; EDITIONS DU SEUIL; 1984; Paris.
[1] باحثة بسلك الدكتوراه، تخصص اللسانيات وديداكتيك اللغات، جامعة مولاي اسماعيل، المدرسة العليا للأساتذة، مكناس، المغرب.
[2] يفكر مدرس اللغة العربية في المملكة المغربية بلغته الأم هو أيضا، ( اللسان الدارج أو الأمازيغي)، وقد يقع في أخطاء نتيجة تفكيره بلغته الأولى، وتمرير المعطيات العربية الفصيحة من خلالها، ويزداد الأمر حدّة؛ إذا علمنا أن لهذا الأستاذ تصوراته الواقعية هو الآخر؛ التي اكتسبها باكتساب هذه اللغة، مما يجعل حيازة المعنى في النص محل تجاذبٍ بين المتعلم وأستاذه، وهو صراع في محله، يشير بارت إلى جدلية عميقة بين العبارات والمعاني، فيقول : ” المعنى مُلغىً، وكل شيء يحتاج إلى إعادة صنع، ذلك لأن اللغة تستمر….)، بارت رولان : هسهسة اللغة، ترجمة منذر عياشي، ص 65.
[3] الفاسي الفهري، 1986، ص21، ومابعدها.
[4] تكشف تحولات المعنى في كل من الدارجة والفصحى عن هذه العلاقة، خاصة في الأفعال، فمثلا تحتفظ اللغة الدارجة ببعض من معنى الإرادة والرغبة في الفعل العربي (بغى ) ( كما في قولنا : أبغي مشاهدة الأفلام القديمة)، فلاأفلاوفي الدارجة نقول 🙂 ” بْغِيتْ – تَنِبْغِي….)
نعتبر هذا المفهوم فلسفيا في حقيقية الأمر، وإيراده في هذا السياق؛ هو من باب تصوير كيفية تأثير اللغة الأولى التي اكتسبها المتعلم المغربي على تفكيره في العربية المعيار / الفصيحة.[5]
[6] تارمينا، اللغة والمعنى نظرية المحاكاة المجسدنة، (2023) ص 3 ومابعدها.
[7] (تارمينا، 2023 ، ص 7، ومابعدها).
[8] إن هناك تضاربا عميقا بين مفهوم الاكتساب والتعلم بين العديد من اللسانيين.
[9] تارمينا، اللغة والمعنى نظرية المحاكاة المُجَسدنة، ص7.
[11] الرواسب اللغوية بما فيها العبارات وتصوراتها حول الواقع والفكر.
[12] ذات مرة، في سياق تمرير درسٍ حول خصوصيات القصيدة التقليدية العمودية ( النموذج الجاهلي)، سألت متعلمي جذع مشترك آداب وعلوم إنسانية عن مفهوم ( الصدر) الذي يقع في مقابل ( العَجُز)، فأشَّرت متعلمة بيدها إلى قفصها الصدري، ذلك أن “الصدر” في الدارجة المغربية يعني ذلك، الإشكال هو أن؛ دور الأستاذ كفاعل تربوي، يطور تمثلات المتعلمين انطلاقا منها، إنما يتراجع في مثل هذه الإجابات، بسبب عدم إيجاد صيغة ديداكتيكية لتقريب الأمر من التلميذ، كجرد الاختلافات والتشابهات بين المعنى في الدارجة والنسق الفصيح، فيلجأ من تمة، إلى طرد ذلك الجواب على الرغم؛ من أنه قد يُساهم في بناء الدرس وترسخه لدى الطفل/ المتعلم.
[13] نستحضر في هذا السياق قولا فريدا لابن جني يصرح فيه بما يلي : ” واِعلم أن العرب تختلف أحوالها في تلقي الواحد منهم لغة غيره”. ابن جني، الخصائص (2013)، الجزء الثاني ص 30.
اِكتساب اللغة، 1984، ص 48.[14]
[15] يقول بارت : ” الفعل قرأ، يبدو أكثر تعددية من الفعل تكلم، وإنه ليستطيع أن يُشبع وأن يُحفز بألف مفعول به، … أقرأ النصوص، والصور والمدن، والوجوه والحركات…”. بارت رولان، هسهسة اللغة، ص 49.
[16] يتضمن الكتاب المدرسي، واحة اللغة العربية المخصص لمتعلمي السنة أولى من سلك الباكالوريا بالتعليم المغربي، نصوصا حول الحداثة والإبداع، دون ربطها بمتغيرات التصورات عن الحداثة في ذهن متعلم هذا العصر الجديد( الموضة – وسائل ووسائط التواصل الاجتماعي…).
[17] بالنظر الدقيق إلى النصوص المقررة في الكتب المدرسية المغربية الخاصة بالتعليم الثانوي التأهيلي، نستطيع أن نبني تصورا موضوعيا حول أسباب عدم ترسخها في أذهان المتعلمين، والراجع بالأساس إلى أن هذه النصوص المختارة لتطوير الكفاية اللغوية العربية، إنما هي نصوص نُخبوية، لا يستطيع فهمها وتأويلها على نحوٍ صحيح، إلا المتخصصون / المهتمون بقضايا اللغة العربية العميقة، وبالتالي، فهي لا تهدف إلى تعليم التواصل، بل تعرج بشكل أسرع نحو تعليم النقد. (أشعار: المتنبي – المسيب بن علس – النابغة الذبياني)، كلها موروثات أدبية؛ لا يفهمها المتعلم إلا بعد سن معينة، أي؛ بعد أن يصل إلى الذِّروة العليا من التأويل التي يسبقها قبل ذلك تعلم التواصل، وإدراك خصوصية الإفهام باللغة في المجتمع، يقول بارت : ” … المجتمع ببناه الاجتماعية والاقتصادية والعصابية، يتدخل؛ وهو الذي يبني اللغة…”. بارت رولان، هسهسة اللغة، ص 60.
تأثير خصوصيات اللغة العربية على النفاذ إلى الذاكرة المعجمية، 2003، ص (8).[18]
[19] نشير بشكل خاص في هذا المقال إلى، متعلم المرحلة التعليمية الثانوية ( السلك التأهيلي بالتعليم المغربي)، وهي مرحلةٌ ذات خصوصية معينة على المستوى العمري ( بلوغ سن المراهقة، وذِروة معينة من التجريد، الذي يُستعان به في فهم النصوص الإبداعية والشعرية خاصة.).
أَجْرَيْتُ مقارنة على متعلمي جذع مشترك علمي عام،مسلك العلوم التجريبية ( السنة الأولى من التعليم الثانوي التأهيلي بالمغرب)، خلال تعاملهم مع نص يحتوي مفردات مُستغلقة على فهمهم، ومجرياتُ هذه المقارنة ونتائجها، كانت كما يلي :
*عند مطالبة المتعلمين بمعنى العبارات الصعبة، اعتمدوا على شرح الكتاب المدرسي، الذي لا يرتبط في كثير من الأحيان بسياق القصيدة أو النص، ونتيجة لذلك؛ يعجز المتعلم عن بناء المضمون العام للنص، لأنه لم يفهم سياقه ودلالة تراكيبه رغم أنه اطلع على معنى الكلمة معزولة في الإضاءات المعجمية.
*عند ربط الكلمات المستغلقة على الفهم بواقع التلميذ في جمل وعبارات، يتمكن من بناء مضمون النص على نحو جيد، مثلا ( استعملت في شرح كلمة الوِهاد الواردة في نص من النصوص، بجملة كالآتي : ” يقطع سكان سيدي احرازم يوميا طريقا لاوهاد فيها، لقضاء مصالحهم”، مباشرة، كانت الإجابة بأن الوهاد هي : المنخفضات أو الأراضي المنبسطة، لأن المتعلمين ينحدرون من هذه المدينة، ويقطعون هم أنفسهم هذه المسافات المرتفعة للوصول إلى الثانوية. [20]
زغبوش، 2003، ص (9) ومابعدها، م.س. [22]
إن اللغة ديناميكية، تتطور ولاتحتفظ بالبنى الدلالية تابثةً.[23]
الفاسي الفهري، 2003، ص (70)، م.س.[24]
[25] أصبحت العلاقة بين الإبداع ( الأدب) والقارئ، اليوم علاقة جدلية، يقول بارت في سياق ذلك : ” القارئ في النهاية لن يفك الرموز، ولكنه سيضاعفها.” بارت رولان، هسهسة اللغة، ص 59.
بالكاد؛ يستطيع المتعلم المغربي أن يدرك أن اِصطلاح ” المتكاوس” في اللغة يعني الناقة العرجاء التي تمشي على ثلاثة أرجل، فما بالنا بإدراك ذلك على المستوى الاصطلاحي العروضي.[26]
[27] ” الكلمة لاتحيا إلا تبعا لسياقها، ويجب أن يُفْهَم سياقها بشكل يتجاوز الحدود”. بارت رولان ، هسهسهة اللغة، ص 295.
[28] يُستخدم هذا المصطلح في التعليم الثانوي التأهيلي في مقابل مفهوم الوحدة الذي نجده في التعليم الثانوي الإعدادي.
[29] مُفاد ذلك أن النسق الحاسوبي، ينتقي مايناسبه من المعجم، لاِستغلاله في بناء جملة أو تركيب معين، وحتى في عملية تأويل المتواليات الجملية المسموعة أو المكتوبة، فإن، مجموع المعلومات الواردة في المُعجم من قيمٍ دلالية وصوتية وسماتية، هي مشتركة بين كافة اللغات الطبيعية وموحدة في مابينها، يقول الفاسي الفهري : ” كل متكلم للغة الطبيعية قد قرّ قراره على مخزون ذاكري غير واع، وهذا المخزون عبارة عن معجم ذهني، يمثل الثروة المفرداتية المخزنة، وجهاز قواعد نشيط يرسم أسس تأليف هذه الأبجدية”. الفاسي الفهري، اللسانيات واللغة العربية، 1993، دار توبقال للنشر، ط 3، ص8، المغرب.
[30] توضيح المعاني السياقية للمفردات النصية الصعبة، بما يتناسب مع إدراك المتعلمين المغاربة للموجودات في النص وفي الواقع الخاص بهم.
نشير أيضا في هذا التهميش إلى أن الغاية من الشرح السياقي يجب أن لاتقتصر فقط على إيراد الدلالة القاموسية للمفردة، بل أنْ نُثير أيضا لدى المتعلم الفروق في درجات معاني الكلمات النصية من حيث الاستعمال،: فعندما ” نُلِحُّ على ضرورة الكشف عن معجمية النص، وحقوله الدلالية، وترابطها، فإننا نسعى إلى خلق حاسة التمييز بين المُفردات والاِستعمالات اللغوية التي تضفي عليها معاني مميزة” .
نتيجة للاعتباطية التي تجمع بين اللفظة وإحالتها سواء على مستوى الذهن أو الواقع، فإن ذلك يجعل دلالات الوحدات المعجمية في اللغات الطبيعية غير مستقرة على حالٍ واحدةٍ، وهذا ماجعل شميت و هيربنجر (2011)، يعتبران أن ” نسق اللغة دينامي، وذلك بناءً على عناصره التفاعلية الفردية منها والاِجتماعية”.[31]
نقلا عن حساني أحمد ( 2007): دراسات في اللسانيات التطبيقية حقل تعليمية اللغات، ص55.[32]
[33] التوجيهات التربوية والبرامج الخاصة بتدريس مادة اللغة العربية بسلك التعليم الثانوي التأهيلي، طبعة نونبر 2007، مديرية البرامج والمناهج بالرباط، ص 3 ومابعدها.
هناك بعض المفردات في العربية، التي تلتقي على مستوى الشكل الصوتي بمفردة في النسق الدارج، وعلى المدرس أن ينتبه إلى أن الدلالة تنحرف في مثل هذه الوضعيات، بما يستوجب الحرص على سلامة النقل بينهما على كافة المستويات اللسانية.[34]
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي
