وخير جليس في الزمان كتاب
قبل البدء عاليا وبعيدا مسقط رأسي التسامح (الجزء الأول)

إسماعيل محمد فال هموني*
-1-
كن فاضلاً مفتونا بالنبل تحط رحالك على عتبات النور كأن الانكفاء ليس لك مبني ولا وراثة إلا نُصُب الحرية. تنجو من السقوط، عنوة، تملأ جرار المودة النبيذ المحاورة الفضلى بين الأبد والحال. صنائعك زخارف معمار تثير الغبطة والتبهُّجات في نداء يستحثُّ الهديل على التهليل. يا أيها المتأمثل في التجوُّز، كنْ فتحا كاشفا للعين أرجاء التسمية، وماشيا بالكلام إلى أفق لا يشاهد، إلى انوجاد في أنخاب الخزف.
فهل أدركت الشامخ، مفارقا لذاتك، قائما في غيرك أم شاكلت ما تشابه عليك وغايرت ما تغاير فيك؟ فيك تناسق الاختلاف وتساوق الارتشافُ، وجئت بالحنين تكابر الألم وتباعد بين الانتقام، وحلائل الرغبة، فارها لا تبالي بالإنكار، ورجفة الخنوع.
-2-
في الصمت كنت شريك مدارات الاتزان، تمسِّدُ بإسراف، إقامة المعنى في تعثر التوازن، وتختار قداسك بين شفافية الانتماء للبحر أو شهوة التسامح. تهيئ ذاتك للخروج من جراحك المجيدة إلى رحابة الحب كي تشرق دالية لا تسقط حبات عناقيدها في بئرك الأولى.
لا شريك لك في فتنة الحواس سوى ما سلطنته في أعراس الفرح، وجئت هبوبا من رحابة الهيام. أول المنطلق لغةٌ تُملِّكها نزيف الليل على ضلوع النور، تراه حدائق ترفرف شآبيبَ حق في اشتعال تراه سيماء الله في بتول قوسها العذراءُ.
تغَلْغل في شفق لا تنسى عيوبه، كأنه صلاة فصاحتها القرنفل، وتأتي مشيوبةً بما تعرف وما لا تَعرِفُ مِنْ وَجَعِ الزعفران.
-3-
التسامحُ أرض خَفِيفَةٌ بداخلها آثار خلفها باقون لَوْ يَرْحَلُوا بَعْدُ. عَلَى وِشَاحِهِمْ مَسْكَنُ رخيم لا يمضي يتيمًا، تلك حياةُ النَّاجِينَ مِنْ سَطْوَةِ الغِيَابِ، تَرَاهُمْ فِي سَفَرٍ عَمِيقٍ عَمِيد يطوق أمشاج الصراع بقول ضحوك أَشْهَى مِنْ نَقَاوَةِ غَيْمَةٍ.
لا غزو في خرائط المُتَسَامِحِين، كُلُّهُمْ رُعَاةٌ عَلَى خَيْبَاتِ القَلْبِ، أَشرعهم نحو الله ينسلون من كبرياء تتلألأ عَلَى جِبَاهِهِمْ كَأَنَّهَا بُروقٌ تُريقُ غَامِضَ الوُضُوحِ عَلى ضحكَةِ القَمَرِ.
ما الَّذِي تَعْرِفَهُ عَنْهُمْ ؟
لا تعرف عنهم أنهم أوَّل مَنْ مَشَى بَين حَرْبِ القبائل بالإطفاء، وجَاءُوا بالقلب شاهدًا على جنون القصيدة. لم يقرفُوا بداية معلومة، لكنهم دأبوا على وكد جميل نسيق، يقبضون على مغامرة جليلة بين الشك واليقين.
-4-
التسامح هو الذي لا يفنى.
لا يفنى التسامح وإن حيرتني المدائح، وتهت في شراك البشارات؛
البراهين مفاتن الأسماء؛ والذي لا يفنى طَالِقٌ أسراره، وحافظ أشجانه، وللمطر أن يكون تاريخه الوحيدَ.
على مرايا الروح ساجية البهجات، يُرضعها أفق مضيء أوسع من كل غياب أو نسيان مكشوف. مدائن الذي لا يفنى تتواتر كالغيم، أولها هديل يُراقص غيبتين، ونعيمها نجوى طفولة من أقصى الخرافات.
الذي لا يفنى يفسر ذاكرة مرة يسترها الفرح هنا والآن كُلَّمَا ضجَّ التَّسَامُحُ بِجَلالِ الدَّوامِ، إِنَّهُ عامًا يَضْحَكُ مِنْ وَتِيرَةِ النُّقصَانِ.
لا اعْتِسَافَ مَعَ الذي لا يفنى، إذ به يد الخلاص تمطر ودعا للغزلان، وعن أقداحه تراتيل الأحلام.
-5-
ما التسامح إنَّه الذي يمشي على خصر الكمنجات باعتدال، يد بابعَتْهَا السَّنابل وَكَوْثَرَتْها أَنخابُ العِشْقِ الشَّيْهَدُها قابيل وهابيل، وَلا غُرَابَ بَيْنَهَا يُوَارِي اشْتِغَالَ المِسْكِ عَلَى مصطبة الرحيل.
لا أَرَقٌ فِيهِ إِذْ عَمَّدَتْهُ الطُّيُوبُ كَأَنَّهُ مَلَكُوتُ صَوْتِ اصْطَغَرُ حَدَائِقَ النَّعْنَاعِ، وَهَرَقَ لَوْنَ الرَّبِيعِ فِي أَسْمَاءِ التَّجَلَّيَاتِ، وَلَا منفَى يَشْتَهِيهِ وَإِنْ عَزَّ المَقَامُ فِي سَواحِل الشتات.
كاشفنِي التَّسَامُح خيلاءه حتى تاه الشفق في تاريخ الأَنْخَابِ، كَمَنْ يحْرُسُ جَدَائِلَ الكلام في سبايا الوقت، أو يصطفي جداول الرُّوحِ فِي أَعْرَاسِ الإِنْخِطَافِ.
بالشفق الجَمِيلِ أَشْرَعَتْ شَمَائِلُ النَّشِيدِ زَهْوَ الصَّحْو لَغَةً لَا تَشِيحُ كُلَّمَا رَتَّلْتْهَا كَأْسُ الوصال في وَصَايَا الحب الجليلة؛ وَهَذِي فُصُولُ الْمَجَازِ تَطُوفُ عَلَى أَرْصِفَةِ الذُّهُول.
شاعر وناقد من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي