خطاه سحرٌ من السماء قد نزلْ

الحسن الگامَح*
كُنْتُ أُمنِّي النَّفْسَ
أَنْ أَرَاهُ قَبْلَ رَحِيلِهِ
لَكِنَّهُ امْتَطَى صَهْوَةَ المَوْتِ بِلَا وَدَاعٍ وَرَحَلْ
لَمْ يَتْرُكْ فِي الْقَلْبِ إِلَّا غُصَّةً
وَفِي الْفِكْرِ
ذِكْرَيَاتٌ تُعِيدُهُ إِلَيْنَا وَاحِدًا لَا يَتَعَدَّدُ
حِينَ شَقَّ المُسْتَحِيلَ وَأَنْبَتَ فِينَا الْأَمَلْ
كَانَ وَاضِحًا
عَلَى الْأَرْضِ يَمْشِي أَنِيقًا
خُطَاهُ سِحْرٌ مِنَ السَّمَاءِ قَدْ نَزَلْ
هَكَذَا كُنَّا نَقُولُ عَنْهُ
وَنَحُجُّ إِلَى بَيْتِهِ كُلَّمَا عَادَ مِنْ سَفَرِ
مُحَمَّلًا بِالْهَدَايَا وَالْعَطَايَا
وَيَقْرَأُ عَلَيْنَا حَكَايَا
لَا تَحْتَاجُ إِلَّا لِتَخْيِيلٍ
وَقَدْ أَخْفَى صُورَةَ الْبَطَلْ
كَيْ نَلْتَفَّ حَوْلَهُ
وَفِي جَلْسَتِهِ زُهْدٌ وَحِكْمَةٌ لَا تَتَخَيَّلْ
وَفِي كَلَامِهِ مَجْدٌ مِنْ مَعِينِ التَّارِيخِ تَأَوَّلْ

هُوَ خَالِي الْمُتَفَرِّدُ الْحَاكِمُ
سِرًّا أَوْ جَهْرًا زَمَانُهُ قَدْ تَرَجَّلْ
هُوَ خَالِي الوحيدُ
مَنْ عَاشَ غُرْبَتَيْنِ فِي غُرْبَتِهِ
حِينَ هَاجَرَ الْقَرْيَةَ فِي هُدُوءٍ
وَانْتَمَى إِلَى الْغِيَابِ نِصْفَ عِقْدٍ وَزِيَادَةً
بَاحِثًا عَنْ ذَاتِهِ قَبْلَ أَنْ عَنَّا يَرْتَحِلْ
وَغُرْبَةُ الْبُعْدِ
الَّتِي تُقَوِّسُ الظَّهْرَ
وَتُشِيبُ الرَّأْسَ بِلَا وَجَعٍ وَلَا ضَوْءٍ يَشْتَعِلْ
هُوَ خَالِي الْمُتَفَرِّدُ الَّذِي عَنَّا رَحَلْ
فِي أَرْضٍ بَعِيدَةٍ،
فَحَمَلْنَا نَعْشَهُ بَعْدَ غُرُوبٍ
وجَنْبَ الْجَدِّ
عَــانَقَ الصَّمْتَ وَالْغِيَابَ وَالْعِلَلْ
لَمْ يَكُنْ إِلَّا ذَاكَ الْحَاكِمَ
الَّذِي سَوَّى بَيْنَ الْكَفَّتَيْنِ:
غِيَابٌ فِي المَهْجَرِ وَحَاضِرٌ فِي الْقُلُوبِ وَمَا يَزَلْ
هُوَ الْحَاكِمُ الَّذِي سَيَبْقَى صَوْتُهُ صَامِدًا عَالِيًا فِي الْجَبَلْ
شاعر من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي