الرئيسية / الأعداد / قراءات في خصائص بنية الهايكو (الجزء الأول) – توفيق أبوخميس

قراءات في خصائص بنية الهايكو (الجزء الأول) – توفيق أبوخميس

إضاءات على الهايكـــــــــــو

قراءات في خصائص بنية الهايكو (الجزء الأول)

توفيق أبوخميس*

“المعرفة العظيمة تُبصر وحدةَ الوجود في كليّته،

بينما المعرفة الضعيفة تُجزِّئ الكلَّ إلى كثرةٍ من الأجزاء.”

– تشوانغ تزو*1

 

لفهم نص هايكو جيد، لا بد من قراءته مراراً، ليس الأمر أن الصورة ضبابية بأي شكل من الأشكال، فإذا أحسن الكاتب إتقان عمله، كانت الصورة واضحة تماماً

الخلاصة هي أن الهايكو الجيد مليء بالدلالات، وإن المراوغة هي إحدى أهم مميزاته وهذه الميزة لا تأتي من ضبابيته، وإنما من تعدد الإيحاءات التي توضع في عدد قليل من الكلمات لكي تنتج

يعتبر الهايكو من النصوص الأدبيّة القصيرة التي تَحمل مِن البلاغة (بلاغة الكلمة) ما يُدهش العقل ويَغمرُ الفؤاد بِالرقة واللُّطف.

في عام 1679 كتب ماتسو باشو أول قصيده له بالأسلوب الجديد والذي ارتبط بإسمه وأصبح نموذجا للعديد من شعراء الهايكو في حقبته وإلى يومنا هذا وكان هذا النص هو:

على غصن ذابل

استقر غراب

ليل خريف

حيث أعتبر هذا النص نموذجا لكتابة نصوص الهايكو من بعده، لاحتوائه على نقطتين على الأقل من النقاط التقنية الأساسية لخصائص هذا الفن،  مما جعله نموذجا يحتذى به، وأول هاتين النقطتين هي البساطة التي جاءت من خلال وصف مشهد بسيط، واستجلاء وصف مشهد واضح للواقع يخلق صورة واقعية حقيقية.

وثانيا يقارن الجزآن اللذان يكونان الكل مع بعضهما البعض دون اللجوء لتشبيه أو استعارة، بل كظاهرتين كل منهما منفصلة وقائمة بذاتها وهذا ما يعرف “بمبدأ المقارنة الداخلية”، حيث أن أهمية التشابهات في هذا النص لا تقتصر فقط على أن ليل الخريف يستقر فوق الغصن مثله مثل ذلك الغراب، بل يتعلق الأمر أيضا بتباين جسد الغراب الأسود مع حلكة ظلام الليل اللامتناهية، وقد يكون هناك شيء آخر قد يجده المتلقي فيه، وهذا ما يبدو واضحا كيف تساهم هذه التقنية بجعل المجال مفتوحا على مصراعيه أمام المتلقي لتأويل النص كل حسب ثقافته ورصيد مخزونه اللغوي.

ومن هنا يمكننا ملاحظة أن تلك العلاقة التي ربطت ما بين الغراب والليل في هذا النص كانت علاقة مضمرة (مخفية) حيث لمح ولم يصرح بها الهايجن باشو، وهذا الحال يجب ان يطبق في عموم نصوص الهايكو

وعن تعريف الإضمار: “له عدة معانٍ، أبرزها: إخفاء الفكرة في الذهن، أو إحلال الضمير محل الاسم الظاهر في النحو، وفي العروض هو تسكين الحرف الثاني في بعض التفعيلات الشعرية مثل تسكين التاء في “مُتَفَاعِلُن” لتصبح “مُتْفاعِلُن””. *2

 

يتبع ..

 

هوامش:

*1- تشوانغ تزو: (حوالي 370-286 قبل الميلاد) هو أحد حكماء وفلاسفة الصين الذين جاءوا بعد كونفوشيوس وكانت لهم فلسفتهم الخاصة، فعلى أن «الرجوع إلى الطبيعة» لم يكن من السهل أن يقاوم بهذه الطريقة؛ بل قام

*2- قاموس المنجد: معجم عربي وضعه الراهب الأب لويس معلوف عام 1908م، طُبِعَ في بيروت، ويُعَد أحدَ أكثر المعاجم العربيَّة المعاصرة توزيعًا، فقد صدرَت له 41 طبعة، كانت الأولى منها عام 1908.

شاعر وناقد من الأردن

عن madarate

شاهد أيضاً

عُزْلَةُ الرُّؤْيَا – عبد الرحمان احمو

عبد الرحمان احمو*   (كلما مرت السنوات انخفض عدد الذين نستطيع التفاهم معهم ، ربما …

اترك تعليقاً