فصل من رواية
الخفاش رحلة قروي من السبحة إلى اللحية ( الجزء السابع)
المصطفى اسدور*
- تَعْرَفْ آشْ يجيكْ مليحْ، تْجَمَّطْ معَ رَاسَكْ، وبعَّدْ مَنِّي للجَّايْحة الكَحلة.
صمتت لبرهة، ثم إنها فَكَّرتْ وَقَدَّرَتْ ثُمَّ نَظَرَتْ ثُمَّ عَبَسَتْ وَبَسَرَتْ، ثُمَّ أَدْبَرَتْ بعقلها وأقبلتْ وَاسْتَكْبَرَتْ في نفسها، إِنْ هَٰذَا إِلَّا كُفرٌ !! أعُوذُ بَاللهْ مَنْ الشِّيطَانْ الرَّاجِمِينْ.
أما ابنها حميد، وكأنه لا يستمع إليها، فيستمر يخاطب نفسه والريح، وتستمر هي في السؤال عن سيدِي بُوزكري، فلن يهدأ لها بال حتى تقوم بزيارته.
تشردُ كبورة بذهنها، وتأخذها تخيلاتها بعيدا إلى عوالم السادة الشرفاء والحضرة والأعلام الخضراء، وليالي التبرك بأهل السر الرباني، تهمهم في نفسها:
- إيهْ يَا كَبُّورة، حْياكْ الله حْتَّى يْجيكْ الطْرَاحْ لِّي بْلَزْتِيهْ، يْوَرِّيكْ لَسْيَادْ أو السَّاداتْ.
لم تكن تعلم، ولا ابنها حَميدْ كان يعلم بوجود الولي الصالح سيدي بوزكري، الركيزة الأصيلة لمثلث أولياء الله الصالحين بحي الزيتون، سيدي بوزكري حامي مكناس، بجوار سيدي سهل بن سهل. لم تكن تعلم – لبعد المسافة بين سوس ومكناس- أن المواسم السنوية كانت تُقام احتفاء بسيدي عياد السُّوسِي، مرورا بسيدي علي بن طاهير، وصولا إلى الموسم السنوي لسيدي بوزكري دفين الجَرَّاية المطلة على الوادي.
“الولي الصالح سيدي بوزكري حامي مكناس، ظَنٌّ بالإيمان الساذج والاعتقاد السطحي !! حامي مكناس من كل المساوئ البشرية، والمخاطر الطبيعية، بحزام من زبر حديد يرتبط بتوزيع مع مكونات الأضرحة والأولياء الصالحين.
«يذكر التاريخ الشفهي أن شظية قذيفة مدفعية من غزاة المستعمر الفرنسي أصابت الجانب العلوي من قبة ضريح سيدي بوزكري، الحكاية المتواترة تسترسل قولا: أن قائد الحملة أصبح جسده منتفخا وعليلا، وبات مريضا، ولم يفهم طبيبه سبب الداء، وحين أُخْبِر بأن المدفعية أصابت مرقد ولي صالح، انتقل راجلا نحو ضريح سيدي بوزْكْري، وبلا بنادق ولا مدافع، حيث دخل الضريح حافيا وخانعا على قدميه ويديه بحد بوابة المدفن، وطلب السماح من الحفدة والدفين، وأمر بإعادة البناء، وتقديم الذبيحة و(الحْلَاوَة) وإشعال الشموع، وأنه أمر جنوده بأن يخلعوا أحذيتهم قبل الولوج لفناء الضريح، وأن عافية القائد العسكري النصراني بدأت تُسْتَعادُ بمتم نهاية خروجه من دُرُج الباب “البراني”، وبات انتفاخ جسمه يتراجع بلا أدوية ولا مُرْهم !! وتحكي رواية شيوخ أهل الزيتون أن القائد الفرنسي أمر بعدم قصف أي ضريح حتى وإن احتمى به المقاومون الثوار، أن المستعمرين الفرنسيين حين بسطوا نفوذهم على مدينة مكناس وأحوازها، أرادوا تحديد أراضي حُبُسَ سيدي بوزكري، وألاَّ يمسَّ أحد من المعمرين أرض الولي الصالح، فكان قرارهم استشارة أعمدة من شيوخ (قبيلة) حي الزيتون، لأجل الخروج في مهمة تحديد الأرض الحبسية الخاصة بسيدي بوزكري»
وكان يا ماكان، حكايات وروايات عن سيدي بوزكري، الذي لاكته ألسن الشباب لخفة فيهم أو طيش، أو لجهلهم بكرامات الأولياء.
- لَا رْبِّي، لَا سِيدِي بُو زَكْرِي.
قد يكون لهذه العبارة التي يستشف منها نوع من الاستخفاف، أصلٌ ومعنى، وكما هي الأمثلة الجارية على الألسن، تذهب معانيها مع الزمن، وتبقى العبارة والمثل. ولمَ لا، فقد يكون للمثل هذا قصةٌ وحكاية، كأن يقول قائله الأصلي:
- هذا المرض لن ينفع معه لا إله ولا وَلِي !!
كناية على استحالة التعافي منه، ودرجت العبارة على الألسن حتى صارت مثلا. إلا أن سياق الكلام الذي دار بين حميد وأمه كبورة هو سياق سخرية وتهكم من المعتقد، تبطن نوعا من الاستهجان بفكرة الاعتقاد بوجود الخالق، وعلى حد تعبيره، فالإنسان مادة والمادة لا تفنى ولا تُستحدث، وإنما تتحول من شكل الى آخر كما ينص “قانون حفظ الطاقة”.
كبورة وفاضمة لا تفهمان ما يقوله حميد، وحين تجتمعان برفقة حَدِّية، ويكون حميد في إجازة دراسية، يحلو لها أن تسأله بعض الأسئلة، وبطريقة عفوية، وتجعله يتكلم ويسترسل في الكلام. طبعا من كان له فهمٌ، فسيفهم أن حوار حميدة ووالدته كحوار الأعمى والأطرش؛ هو يعي ذلك تماما، لكنه يستلذ في سرد بعض النظريات التي قرأها أو سمع بها كنظرية داروين ونظرية كارل ماركس، ليقنع نفسه ويختبر قدرته على الحوار والمناظرة عند الضرورة، وما يقوم به مع كبورة، التي تعتقد أنه يقدرها ويرفعها مقام المُناظر له بهذا الحوار، إنما هو بروفة وتمرين على المناظرة، والمحاجَّة؛ في المقابل كبورة لها مآرب أخرى من وراء إثارة الأسئلة على ابنها حول أمور، ليس فقط تجهلها، بل لا تعرف حتى كيف تسأل عنها.
حميد لا تخفى عليه نوايا أمه، صحيح أنها عجنته عَجنًا، وخبزته “خُبْزَة خُبْزَة” كما يحلو لها أن تقول، كناية على معرفتها به وبما يُضمره في نفسه وما يكن فيها، إلا أنه تقدم عليها ليس في العمر، بل في التعلم والاطلاع على معارف لم يكن ليطلع عليها لولا ولوجه الجامعة، فهو أكثر قدرة على قراءة تقاسيم وجهها، وفك تلك الرسائل المشفرة التي تبعث بها من وراء أسئلتها “الساذجة” البسيطة.
وكأن تواطئا ما نشأ بينهما، كانت تلك الحوارات تدور دائما بحضور حَدِّيَّة وفاضمة، أو إحداهما، وفي غيابهما لا تعير كبورة لهذه المواضيع أي اهتمام، وقد كانت غايتها أن تُظهر لـ”عْيالاتْ الدُّوَّارْ” أن ابنَها حميد قد صار له شأن في العلم والدراسة، واكتسب معارف كالتي عند “طَالْبْ الجَّامع” أُو كْثَرْ مَنُّو ݣاعْ، وأحيانا تريد أن تَبْجَحَ به لنفسها، وتتبجَّح به عليهن، وتباهي به.
فاضمة التي رسب ابنها عبدُ السلَّام أكثر من مرة، لينتهي عاملا على الجرَّار في المزرعة مع والده العربي، تشعر بحرقة، وأحيانا تستعجل العودة إلى البيت بحجة حلْبِ البقرات. كبُّورَة وحَدِّية على الخصوص لا تخفى عليهما حركة حُسنِ التخلص هذه، وتشعران بثقل اللحظة وحرجها، وبكثير من الدهاء:
- فاضمة؟ علاه ياخيتي ما عندك بناتْ لِّي يْحَلبُو؟ وِيلي، ثْلَاثة العَزْبَاتْ تْبَارْكَاللهْ، وَاحْدَة تْنَسِّيكْ لَخْرَى، مَانِي عَيْنْ ليهُمْ، فَحْمَى اللهْ أو سَايْدْنَا جَبْرَايْنْ.
ويأتيها السند من حَدِّيَّة:
- بالصَّحْ نِيتْ يَا فَاضْمَة، ݣُعْدِي غِيرْ تْشَرْبِي قْهَيْوَة كبُّورة، رِيحْتْهَا عْطَاتْ، كَبُّورة ما تْقَصَّرْ فالقْوَامْ دْيَالْ القَهْوَة، العْطُورْ ضاربينْ بالجَّهْد.
في تلك اللحظة همت فَاضمة بالقيام، لكن حدِّيَّة شدتها من إزارها، وأجلستها. لم تقاوم فاضمة بطبيعة الحال، فقد همت بالذهاب فقط لأنها شعرت بغصة ابنها عبد السلام، الذي غادر المدرسة مبكرًا، وحديث كبورة عن ابنها حميد، بتلك الطريقة من الانتشاء، والتي لا تخلو من تلميحات مغرضة، وتلك النظرات التي توزعها بسخاء، لم تَرُقْ لها، وكأنها تقصَّدت ذلك للتشفي.
حميد لم تفته حركات أمه، وحَرجُ الخالة فاضمة، فغيَّر مجرى الكلام بشكل يحقق نوعا من الهدوء وجبر الخواطر، والخروج بذكاء من هذه الحلقة التي إن شد كل طرف من جهته، فسيختنق الجميع.
- آشْ يْعَاودْ واحدْ بُوسْلامْ آ الدَّا فاضمة؟ مَنْ نْهَارْ بْدَا يَخْدمْ على اتْراكْتُورْ مَا بقَاشْ يْعَمَّرْ مْعانَا.
فاضمة التي آنْساها اهتمامُ حميد بابنها عبد السلام وَجَعَهَا، استعادت بعض هُدوئها، بعد حديث كَبُّورة الذي أيقظ المواجع:
- إِلَا ݣُلْتْ آ وْلَيْدِي حَميدْ، واللَّه ما بْغَيْتَها ليه هَدِيكْ تَمَّارَة دْيَالْ تْرَاكْتُورْ.
تلتفت الى حَدِّيَّة، وبنظرة فيها من العتاب ما فيها:
- آشْ نْݣُولْ، جاتْ الضَّرْبَة فالرْدَا، إلُو مَاشي امْبَارْكْ الله يهديهْ لِّي عَلمُو اتْراكتورْ، كُنْ ادَّاها فْقْرَايتُو، أَوا ضْرُوكَا لَا قْرَايا، لا صَحَّة لا رَاحَة.
يبدو أن حميد بدلَ أن يُلَطِّفَ الجوَّ، و يصرف الحديث بعيدا عن أشجان فاضمة، غرز أصبُعَه في موطن الوجع. تمنى في تلك اللحظة أن لا تتكلم كبُّورة، لتمنحه مساحة يناور فيها، ويُبلسم جُرْحَ الخالة فاضمة، فهي كأي امرأة تريد أن ترى أبنائها في مصاف الواصلين إلى مراتب العلا، لكنه طيش الشباب، وقد عرفه هو نفسه حينما انتابته تلك الرغبة الجامحة في السفر بعيدا عن الدُّوَّارْ:
- وَا تَّا نْتِي آ خالتي، إلا جيتْ نشُوفْ، من واحْدْ النَّاحية أَحْسَنْ ما دارْ، حتى القْرَايَة مَا بْقَا فِيهَا مَا يدَّارْ، هَا انتَ ݣَاعْ قريتْ أو شْدِّيتْ ديكْ الجَّلْفَة، إِوا؟ أو مَنْ بَعْدْ، مُوتْ ياحْمَارْ.
حميد منذ أن حصل على شهادته الجامعية، وهو يراوح نفس الأمكنة، مقاهي يرتادها الطلبة، وبعض دور السينما أو ما تبقى من سينما لتمضية الوقت؛ وباقي أوقاته يقضيها في قراءة بعض الأوراد من “رأس المال”، وأحيانا يعكف على بعض ما كتبه سيد قطب والمودودي، بحثا عن إجابات لتساؤلات وليدة اللحظة.
وكما يُدمن البعضُ تناولَ المخدرات، ويُدمنُ آخرون فعل العبادة؛ حميد أدمن شيئا آخر، أدمن النقاش والمجادلة والمناظرة في أمور الشريعة والعقيدة والتدين والإلحاد، وكانت له صولات وجولات كادت أن تؤدي به إلى غيابات الضياع، لولا أن تداركته عناية الخالق، وتلك لوحدها حكاية تستحق منا الاهتمام.
أهي حالة جنون أم حالة تيه وضياع، تلك المرحلة التي انتقلت فيها المنطقة من الاستعمار المباشر إلى نوع من الاستقلال؟ لماذا هذا السؤال؟ ربما يعتقد البعض أن القرى وعالمها البسيط، عالم الكْسِيبَة أو الفْلاحَة، بعيدة عن الأحداث ولا تتأثر بما يجري من نقاشات وصراعات حول هوية المجتمع ما بعد الاستعمار المباشر؛ ومن يعتقد ذلك فهو على خطأ ويجهل حجم الصدمة التي أصابت كل بُنى هذا العالم القروي، والزلزال الذي أفقده كل خصوصياته، وأدخله في جدلية الصراع بين حقيقتين، حقيقته التكوينية بقوة طبيعته كعالم ينتمي الى الطبيعة والأرض، وحقيقة مكتسبة يُرَادُ لها بقوةِ حركةِ التغيير، أن تكون “حقيقته”؛ وبين هاتين الحقيقتين ضاع الكثير من أبناء الفلاحين، بين الانخراط في حركة التدين القاتلة، أو الاستلاب الى “المدنية”، أو الهجرة والمغادرة.
من هنا جاء هذا المشروع الذي نتناول فيه “حركة الانسان” في العالم القروي، فبدون فهم ميكانيزم “التحول” الذي تَلا مرحلة الاستعمار، لا يمكن على الاطلاق أن نتحدث عن “تغيير” أو “إصلاح”، ولا حتى عن مقاربة للفهم.
كبورة التي ضاقت درعا بصمتها، تململت، وهمت بالنهوض لإحضار القهوة، لكن حركة من حدّيّة اقعدتها:
- حَميدْ، زَعْمَا رَاكْ قَارِي يَا حَسْرَة، أُو تْخَلِّي امُّكْ تْسَخَّرْ أو انْتَ رْكَابِيكْ ݣَدْ تُوعْ اجْمَلْ. هْنَا فِينْ وَصْلَتكْ قْرَايْتَكْ؟
كانت العلاقة بين فاضمة و كبُّورة و”عرَّابتها” حَدِّيَّة على درجة من التآلف والانسجام، تسمح لهن بتوبيخ الأبناء بل وتأديب من يستحق دون تمييز، ودون أن يؤثر ذلك على علاقتهن.
ويَذْكُر حميد كم مرة تلقى صفعة من إحداهما، وحين يعود الى كبورة ليشتكي، تستقبله بصفعة أخرى إن أساء الحديث عنهما، فالكْبِيرْ كْبِيرْ أُو الصْغِيرْ صْغيرْ، في المعتقد السائد هنا، لا مجال لتسوية صغار السن مع كباره، مهما كانت المظلومية:
- حَبْ عْلى رَاسْ عَمَّكْ آ الحْمَارْ.
هذا كل ما سيناله طفل اشتكى لأبيه من شخص يكبره سنَّا، ضربهُ أو أساء إليه، فلا غرابة أن يوبخه الأب وبشدة، ويأخذه من ذراعه ويذهب به إلى الشخص الذي اشتكى منه، ويأمره بأن يطلب العفو ويقبل يده، وعادة ما يُجْبَرُ الأطفالُ على تقبيل سبابة اليد، لأنها أداة التشهد في الصلاة، وفيها البركة.
طاعة الكبيرْ من الدين، وخصوصا طاعة الوالدين وطاعة الزوج، ولو سألت قرويا أميا عن هذه الأمور، لذكر لك أحاديث وآيات، لا علاقة لها بالحديث ولا بالقرآن، لكنه لا يساوره شك في أنَّ ما يقوله قرآن:
- عْلاه ما كايْنة فالقرآن، اسْعَا يَا عَبْدي وانَا نْسْعا مْعاكْ؟
بهذا اليقين المطلق، تدور الأحاديث عن الدين، وتُقْحَمُ الأقوال والحكم والأمثلة في النص والمقدس
روائي من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي