الرئيسية / الأعداد / العدد السادس والستون / إبداعات / قصص قصيرة جداً – أحمد الحاج

قصص قصيرة جداً – أحمد الحاج

قصص قصيرة جداً

 

أحمد الحاج*

 

احتراق

التقيا بعد طول انتظار، رقصا رقصة العمر، احترقا، اكتشف ذووهما أنهما كانا يرقصان على فوهة بركان.

إجارة

بعد أن هجرته زبيد وأحلافها، لم يجد قبيلة تجيره غير أجفانها الحالمة كي تحميه من الصعاليك وقطاع الطرق.

صداقة

عندما ودعها بعبارات متلعثمة ومشفوعة بألم الفراق، زودته بصندوق بريد صديقتها الحميمة للتواصل، لكنه عندما عاد إلى أرض الوطن بعد حولين كان قد تزوج صاحبة الصندوق وأنجبا طفلهما الأول.

نسب

جمع كل ما طالت يداه، نبش أوراقه كلها. أراد أن يثبت نسبه حتى وصل لجده السابع عشر. قرأ في شهادة الوفاة المحررة بقلم الحبر الأحمر، الحالة الاجتماعية: “مات عقيما”.

رجولة

جهز العدة والعدد لخوض المعركة الفاصلة، قاد جيوش الرجال المتعطشة للحرب والانتقام وإرجاع الحقوق المسلوبة منذ زمن الضلع الأول. خسروا المعركة من أول جولة بعد أن استسلم القائد لحضن أول امرأة جميلة هاجمته.

سراب

أخبرها بأنه مستعد لعمل أي شيء تطلبه حتى لو كان جرعة من ماء البحر الذي على مدار الأفق. غاب عنها لساعات ثم عاد يحمل كاساً، عندما رشفته لم تتذوق طعمه عدا ملوحة العرق في يده وارتجاف شفتيه.

الوأد

كان جالساً وحده يفكر في متاهة، أراد أن يخرج من هذا الظلام المطبق حتى على أفكاره. قرر أن ينجو حتى ولو بنفسه. عندما لاح له بصيص من ضوء في نهاية النفق، اندفع مسرعاً مبتهجاً بالخلاص والحرية والنور، وما أن توسط الممر حتى انهالت عليه السهام من كل جانب، حتى مزقت جسده العاري سوى من تميمة أهداها له أحد اتباعه كي تحميه من كل أذى.

اكتشف مؤيدوه بأن الأعداء قد نصبوا له كميناً كي يجهزوا عليه قبل إعلانه للثورة.

تلبس

اعتاد كل من في القصر على الإنصات لترنيماته والاستسلام لموشحاته ظهيرة كل يوم حتى منتصف الليل. كان الطرب يتقمص كل من في الحي حتى أن عابري السبيل تعتريهم نشوة الطمأنينة والابتهاج وهم يمرون من تحت شرفات القصر. لاحظت الجارية الموكلة به أنه لم يذق طعامه منذ أسبوع، فلم تر بداً من إخبار الحاجب بالأمر.

بقيت أنغامه تردد صداها في جدران القصر بعد وفاته، فلم يكن أمام الجميع سوى إخلاء المكان بمن فيهم سيد القصر بعد أن أخبرهم العراف بأن روحه قد سكنت القصر وتلبست ألحانه.

 دردشة

جلس يدردش معها عبر الماسنجر لأول مرة. انتقل إلى صفحتها في الفيس بُك واستعرض صورتها الماثلة أمامه. فجأة سمع جلبة وصوت اصطفاق أجنحة اخترقت عليه الباب المحكم في غرفته في الطابق العلوي. ارتعدت فرائصه لأول وهلة فقد ظن أن عفريتا من الجن قد اقتحم عليه خلوته، وعلى حين غرة شعر بسهم يخترق أضلاعه من الأمام، وعندما تبين الرامي كان كيوبيد قد حمل قوسه وعاد من حيث أتى.

أخبره الأطباء بأن اصابته بليغة في منتصف القلب ولا أمل من شفائه سوى العودة إليها والتعلق بها حدَّ الوله.

  وصية

بقي طوال عمره لا يمر من الزقاق المفضي إلى سوق المعبر عملا بنصيحة الطبيب النفسي. كان كلما سأله أولاده عن آثار الكدمات الملتئمة في ساقه الأيمن يخبرهم بأن أحد الكلاب عضه مرة فترك علامة فارقة في جسده.

عندما وافته المنية تجمع بنوه على مغلف كان قد ترك فيه وصيتة وعندما فتحوه لم يجدوا سوى عبارة واحدة: “تحذير”، “إذا طردت كلبك خارج البيت مرة، فحذار أن تلقي له الخبز في الزقاق مرة ثانية، لأنه سوف يعضك”.

 حلم

كانَ الضجيجُ يَمْلَأُ البيت عندما ارتمت على السرير، فكرت في ترك المنزل عقوبة له لأنه لم يحضر إلى المدرسة كما وعدها، لم تقوَ على حمل حقيبتها ولا حتى النهوض للهروب من واقعها المزري. عندما استيقظت وجدت نفسها تمسك بدفتر الدرجات بينما هو كان يصدر شخيراً يشبه صوت مولدة الكهرباء التي في الجوار.

 أُبوة

قرر هذا اليوم أن يحقق حلم عائلته في تناول الغداء معاً بعد أن أخبرته زوجته بأنهم لا يشعرون بطعم الوجبة بغيابه، استأذن صاحب العمل وخرج قبل منتصف النهار عارجاً باتجاه مدرسة البنات الوحيدة في حييهم. تناول حقيبتها وأَلقاها على عاتقه، كما حمل عنها زمزمية الماء وحافظة القرطاسية، وراح يسير الهوينا مع فلذة كبده، كانت فرحتها غامرة وهي تعلق يدها بيده وتسير بجانبه، حدثها عن أَيام الدراسة وكيف كان يقطع خمس كيلو مترات ليصل إلى المدرسة الوحيدة في مدينتهم، لأول مرة شعر الثلاثة بطعم الغداء منذ حولين كاملين كانوا بانتظار هذه اللحظة.

ذاكرة

جلس وحيدا لبرهة من الزمن، أَلقى رأسه بين راحتيه وأَغمض عينيه لدقائق، نهض فجأة وكأنه استفاق من حلم “يا الله لماذا فكري مشوش وحواسي شبه معطلة؟”، تحرك قليلا تجاه النافذة وأدار فتحها لينعم بنظرة موحية للعالم، تساءَلَ في نفسه “لماذا لا أكون مثلهم؟”، ولكن هل قرأوا كل أَعمال أَرسطو وسقراط والجمهورية وابن رشد وكافكا وجيخوف وماركيز و… ؟ حتما لا، إِذا علي أن أعيد رسم العالم في مخيلتي، عاد أَدراجه إلى الوراء بعد أن أعاد غلق النافذة وإِسدال الستار عليها، اتّجه صوب المرآة وراح يتطلع في صورته ويتمعن فيها وكأنه يرى نفسه لأول مرة، راودته فكرة حدثته بها نفسه: “لماذا لا أَمحو هذا الكم الهائل من التفكير في أم رأسي؟”.

جلس على مكتبه وتناول ورقة بيضاء وراح يرسم صورته عليها بقلم الفحم، وما أن أنهى المُسَوَدَةُ حتى تناول الممحاة وراح يمحو كل ما علق بذاكرته من خزين معرفي على مدى نصف قرن ونيف.

 صرخة

جلس وحده كئيباً ومحطماً. راودته فكرة وتساءل في نفسه: “لماذا لا أكون طفلاً؟”. عندما استيقظ شعر بعطش فراح يبكي. شعر بيد تمتد إلى المهد وتأخذ بأرجحته بهدوء كي تعيده إلى نومته، لكنه أخذ في الصراخ أكثر فأكثر كي يلبوا طلبه. تساءل في نفسه: “لماذا لا يفهموا مطلبه؟”

صرخ صرخة مدوية من أعماقه:

لماذا العالم أحمق؟

عقدوا اجتماعا بكامل نصابه لذوي أهل الرأي والمشورة وتم التصويت بالإجماع على وجوب عرضه على طبيب مختص بعلل الأطفال. وفي اليوم التالي وضعت الكانيولا في معصمه والمغذي راح يسري في أوردته فقد تبين إصابة الطفل بجفاف حاد بعد تركه بدون رضاعة لمدة يومين.

 

قاص من العراق

 

 

عن madarate

شاهد أيضاً

من اليابان إلى المغرب… مين ميكوز- لبنى منان: قراءة مقارنة – محمد بنفارس

هايجن قرات لهن / لهم محمد بنفارس*     تقديم بعد صدور أنطولوجيا هايكو العالم …

اترك تعليقاً