الرئيسية / الأعداد / جنيدو… الفيلسوف الذي تكلّم شعرًا- سحر أحمد

جنيدو… الفيلسوف الذي تكلّم شعرًا- سحر أحمد

جنيدو… الفيلسوف الذي تكلّم شعرًا، إلى حيث لا تنتمي اللغة ومشروع القصيدة الفلسفية السورية

سحر أحمد*

 

إلى حيث لا تنتمي أنثاك اللغة ومشروع القصيدة الفلسفية السورية   سحر أحمد   في زمنٍ يُفقد فيه الشعر بوصلته، يجيء أحمد عبد الرحمن جنيدو كصوتٍ يذكّرنا بأن القصيدة ما زالت قادرة على حمل العالم فوق سطرٍ واحد. منذ بداياته في بلدة عقرب بمحافظة حماة، كان هذا الشاعر ابن الأرض الأولى، واليقين الأخير بأن اللغة يمكن أن تكون وطنًا حين يضيق الوطن. واليوم، بعد خمسةَ عشرَ ديوانًا، يقف أمامنا في «إلى حيث لا تنتمي أنثاك» الصادر عن دار مكي نزال للنشر والتوزيع   ليقدّم خلاصة رؤياه، ويُتمّ الدائرة التي بدأها من وجع الانتماء إلى فلسفة الانفصال، من حنين الجغرافيا إلى دهشة المعنى.

شاعر الحداثة ووعي التجربة

جنيدو ليس شاعرًا عابرًا في مشهد الحداثة السورية، بل أحد أعمدتها الفكرية والوجدانية. في كل ديوانٍ له، تتجاور البلاغة مع الوعي، ويصير الشعر مختبرًا للوجود لا للوزن، وللفكر لا للزخرفة. هو شاعرٌ لا يكتب لتجميل الواقع، بل لخلخلته. يعرف أن اللغة حين تُهذَّب أكثر من اللازم تفقد صدقها، لذلك يتركها حُرّة، مشتعلة، متوترة، تشبه قلبه الذي لم يتعلم الحياد. في نصوصه، نسمع أصداء الوجودية ولكن بصوتٍ عربيٍّ عميق. فهو لا يطرح أسئلة الفلاسفة بل يعيشها، يجعل من كل بيتٍ شعريٍّ سؤالًا مفتوحًا عن الهوية، الزمن، والمصير. وهذا ما يجعل شعره «تجربة فلسفية شعرية»  أكثر منه نصًا تقليديًا.

الغربة كاختبار للذات

من عقرب إلى ألمانيا، لم تكن غربة أحمد جنيدو رحلة منفى، بل امتحانًا للذات الشعرية. في المنفى، لم يفقد صوته بل وجده؛ لم يتكئ على الحنين بل استخدمه كوقودٍ ليكتب من خارج المكان عن جوهر المكان، ومن خارج الوطن عن معنى الوطن. الغربة عنده ليست جغرافية فقط، بل غربة فكرية وروحية**،** أن تكون في العالم، لكن لا تنتمي تمامًا إليه. ومن هنا جاء عنوان ديوانه الأخير: «إلى حيث لا تنتمي أنثاك»، وهي جملة تنطوي على فلسفة كاملة، تختصر الوجود في سطرٍ واحد. فالأنثى هنا ليست امرأةً فقط، بل استعارة عن الذات، عن الأرض، عن القصيدة نفسها وهي تبحث عن انتمائها الجديد في زمنٍ فقد بوصلته. يكتب جنيدو بلغةٍ تحمل روح الفكر دون أن تفقد عاطفتها. إنه شاعر يَحكُم نصَّه بعقلٍ فيلسوف، ويُضيئه بقلبٍ عاشق. تجد في قصيدته تقاطعات مع نيتشه وكيركغارد وبودلير، ولكن بوعيٍ شرقيٍّ خاص، يجعل من الكلمة وعيًا لا تنظيرًا، ومن الحرف خلاصًا لا ادّعاء. القصيدة عنده مساحة للتأمل أكثر منها أداةً للتعبير، ومختبرٌ لمعنى الإنسان في مواجهة المصير.

إلى حيث لا تنتمي أنثاك” واكتمال الرؤية

«إلى حيث لا تنتمي أنثاك» ليس مجرد ديوان جديد، بل هو منعطف وجوديّ في مسيرة أحمد جنيدو. يبدو كأن الشاعر بلغ مرحلة المصالحة بين الضوء والظلمة، بين الجسد والفكرة، بين الحب والفقد. الأنثى في الديوان ليست موضوعًا، بل كيانٌ رمزيٌّ يجسّد صراع الإنسان مع المعنى. هي الذاكرة حين تهاجر، وهي الأرض حين تفقد اسمها، وهي القصيدة وهي الشاعر معًا. تتوالى في الديوان صورٌ من الشوق والتمرد، من الاحتراق والتطهّر، من الرغبة في الخلاص والرغبة في العودة إلى البدء. وما بين السطر والفراغ، يكتب الشاعر فلسفة تخصه: أن البقاء ليس دائمًا انتصارًا، وأن الانتماء ليس دائمًا فضيلة.

شاعر المنابر السورية وصوت الجوائز

أحمد عبد الرحمن جنيدو هو أحد أهم شعراء المنابر السورية الذين حملوا القصيدة إلى فضائها الإنساني الرحب. شارك في مهرجانات عربية ودولية، ونال جوائز عدّة، ليس فقط لجمال شعره، بل لعمقه الفلسفي وفرادته الأسلوبية. إنه شاعرٌ يقرأ التاريخ من زاوية الإنسان، ويكتب الإنسان من زاوية الوعي. وفي كل ظهورٍ له، يثبت أن الشعر السوري ما زال قادرًا على التجدد، وأن التجريب لا يعني الفوضى بل الكشف. في كل بيتٍ من شعر أحمد جنيدو، هناك هجرةٌ إلى الداخل. هو شاعر لا يرضى بالمعنى القريب، ولا يتوقف عند الحنين، بل يفتح الحنين نفسه على الأسئلة الكبرى. ولذلك، يبدو ديوانه الأخير كأنه رسالة مفتوحة من الغربة إلى اللغة، ومن الشاعر إلى ذاته: أن لا انتماء سوى لما نُحب، ولا وطن سوى الكلمة.   إن أحمد عبد الرحمن جنيدو لا يكتب الشعر… بل يُنقّي الوجود من غباره، ويُعيد للقصيدة السورية مكانها الطبيعي.

 

كاتبة من مصر

 

عن madarate

شاهد أيضاً

العدد الواحد السبعون السنة السابعة مارس 2026

   

اترك تعليقاً