ملامح متميّزة للواقعية والواقعية السحرية في رواية مائة عام من العزلة

أمل صيداوي*
رواية “مئة عام من العزلة”، للكاتب الكولومبي: غابرييل غارسيا ماركيز، المترجم: صالح علماني، عن دار النشر المدى، دمشق؛ صدرت الطبعة الأولى المترجمة للغة العربية لهذه الرواية في عام2005. تمّ سرد الأحداث بضمير الغائب اغتنت الرواية بعنصري التشويق والتكثيف اللذان طغيا على أحداث الرّواية كاملة، وذلك من خلال أسلوب السّرد غير الخطي، والحوار الذّاتي، والحبكات المتعدّدة؛ حيث تجذب القارئ وتشدّه للنهاية.
المدرسة الواقعية في رواية مائة عام من العزلة:
اتّبع الأديب غارسيا غارسيا مركيز بعض المناهج والأساليب التالية:
أولاً: الإطالة في وصف التفاصيل، وذلك في وصف خوسيه أركاديو في سعيه الدائب للمعرفة عبر التجارب الكيميائية التي قام بها:
“ومفتوناً بسهولةِ معادلات مضاعفة الذهب، راح خوسيه أركاديو بوينديا يغازل أورسولا طوال عدة أسابيع كي تسمح له بالنبش عن عملاتها الاستعمارية المطمورة في الأرض، ومضاعفتها مرات بالقدر الذي تتيحه تجزئة الزئبق. استسلمت أورسولا، مثلما يحدث دائماً، لإلحاح زوجها اللجوج. عندئذ ألقى خوسيه أركاديو بوينديا ، ثلاثين مسكوكة ذهبية قديمة في قدر، وصهرها مع برادة نحاس، ورهج الزرنيخ الأصفر، وكبريت ورصاص. ووضع ذلك كله يغلي على نار حامية، في قدر مملوءة بزيت الخروع”.
ثانياً: تأثير العزلة على شخصيات الرواية: أدى بحث خوسيه أركاديو بوينديا عن المعرفة إلى انزوائه في مختبره، أما ابنته أمارانتا فقد كانت تحيك شيئاً ثم تعيده إلى خيوطه الأولى كي تحيكه من جديد، وكان أخو أمارانتا: الكولونيل أورليانو بوينديا يصنع أسماكاً ذهبية في عزلته ثم يذيبها ويعيد صناعتها من جديد، وكانت العزلة بالنسبة له هي هروب من أخطاء وإخفاقات ماضيه . حيث حاول في عزلته محو كل الذكريات والأدلة التي تثبت أنه كان ذات يوم الكولونيل العظيم أوريليانو بوينديا الذي خاض 32 حربًا وخسرها.
ثالثاً: وصف للنفس البشرية ومحاولة ما يعتمل في داخلها من صراعات سيكولوجية وإظهارها إلى سطح العالم الخارجي والإسهاب في وصف نفسية الشخصيات ومحاولة تعليل ما يموج بداخلها من عواطف وصراعات: وهذا مانلمسه لدى خوسيه أركاديو بوينديا مؤسس ماكوندو:
“يصاب خوسيه أركاديو بوينديا بالجنون فور اعتقاده بأنه اكتشف وسيلة لخلق الحركة الدائمة وهي مستحيلة مادياً ، مقتنعاً بأن نفس اليوم يتكرر مراراً وتكراراً. وبمعنى ما، فإن اكتشافه المزعوم للحركة الدائمة يحقق نوعاً من المعرفة الكلية التي قد تكون أعمق من أن يتحملها العقل البشري. فالحركة الدائمة لا يمكن أن توجد إلا في عالم بلا زمن، وهو ما يصبح عليه العالم بالنسبة لخوسيه أركاديو بوينديا”.
تنساب أحداث الرواية انسياباً، وتأخذ منعرجاً عجيباً إذ استمر هطول الأمطار أربع سنوات وأحد عشر شهراً ويومين، ومن الممكن أن نقرأ سنوات المطر في “مائة عام من العزلة” باعتبارها قدراً من الله، حداداً على العمال الذين قُتلوا، وكعامل تطهير في “ماكوندو”.
رابعاً: كان للطبيعة (هطول المطر) دور هام في انعكاس مشاعر الفرح لدى الطفلين “أمارانتا” التي هي ابنة أوريليانو الثاني من زوجته فرناندا، والطفل أوريليانو الذي هو ابن غير شرعي من علاقة ريناتا ريميديوس (ميمي) بماوريسيو بابليونا والّلذين تجلّت لديهما أيضاً قوّة الذاكرة: ” ستتذكر آمارانتا أورسولا وأوريليانو الصغير فترة الطوفان كمرحلة سعيدة فقد كانا، على الرغم من صرامة فرناندا يخوضان في مستنقعات الفناء، ويصطادان الحراذين لتمزيقها” . وكان رد فعل أوريليانو الثاني (ابن حفيد أورسولا) بأنه عاد إلى منزل آل بوينديا وحاول الحصول على إجابة من جدّة أبيه أورسولا عن مكان الكنز المخبأ في البيت: “وهكذا تذكر أوريليانو الثاني الثروة المدفونة في مكان لا يعرفه أحد غير أورسولا، ولكن كل الأسئلة والمناورات الماكرة التي خطرت له، لم تفده في شيء” وهنا تجلّت قوة الذاكرة لدى أورسولا كقوّة شخصية.
خامساً: تنعكس شخصيّة الكاتب بإيمانه بعدم استخدام العنف في روايته بأيّ شكل من الأشكال، يقول الراوي “وقّع الجنرال كارلوس كورتيس بارغاس وسكرتيره الرائد: إنريكي غارسيا آيسانا على ثلاثة مواد من ثمانين كلمة يعتبر العمال المضربين في شركة الموز عصابة من المشاغبين ويخوّل الجيش قتلهم بالرصاص” .
سادساً: رسم غابرييل غارسيا ماركيز الشخصيات القصصية في إطارها الاجتماعي وانتماءاتها الجنسية من خلال التركيز على تصوير النزوات الجنسية وعالم البغاء إذاً تعرضت رواية “مائة عام من العزلة لحياة البغاء في ماكوندو وذلك من خلال شخصية بيلار تيرنيرا وهي امرأة محلية انتقلت إلى ماكوندو هربًا من الرجل الذي اغتصبها عندما كانت مراهقة أصبحت في ماكوندو عاهرة وصاحبة ماخور تنام مع الأخوين أوريليانو وخوسيه أركاديو. فتصبح والدة ابنيهما، أوريليانو خوسيه وأركاديو على التوالي. كانت على علاقة جيدة مع البوينيديين على طول الرواية من خلال قراءتها للطالع وتنبئها لهم. أيضاً من خلال شخصية بيترا كوتيس التي كانت خليلة اوريليانو الثاني، جاءت الى ماكوندوا وهي مراهقة ( مع زوج عابر يعيش على ألعاب اليانصيب توفي بعد ذلك) . كانت تقيم علاقة بين أخوين في نفس الوقت دون أن تعلم هي بأنهما مختلفين( كثيراً ما يخلط الناس بينه وبين أخيه). بدأت بعلاقة مع خوسيه أركاديو الثاني ثم أقامت مع أخيه التوأم أوريليانو الثاني علاقة عاطفية عميقة.
سابعاً: الحوار النفسي أو حديث الشخص لنفسه وهو حوار يسعى إلى تصوير الشخصية من الداخل والخارج ،ويركّز هذا الحوار النفسي أيضاً على العزلة التي عاشها خوسيه أركاديو بوينديا: “في صباح اليوم الذي وجدته فيه في حجيرة أقصى الفناء يناقش نفسه بصوت من بين أسنانه، في أحلام الرحيل، بينما هو يرتب أجزاء مخبره في صناديقها الأصلية تركته ينهى ذلك. وتركته يسمّر الصناديق ويكتب عليها الحروف الأولى من اسمه بريشة مبللة بالحبر، دون أن توجه إليه أي تأنيب ولكنها كانت تعرف أنه يعرف لأنها سمعته يقول ذلك في منولوجاته الخافتة بأن رجال القرية لن يشاركوه في مغامرته”.
ثامناً: وجود الخرافة والميثولوجيا، والموروثات الشعبية التي تتلاءم والخلفية وواقع الشخصية القصصية فيما يجعل الأحداث بذلك أكثر إيهاما بالواقع:
“أما إلى الجنوب، فكانت المستنقعات التي تغطيها قشدة فطريات نباتية أبدية، وعالم الثيناغا (المستنقع) الكبير الذي لا تحده حدود حسب شهادة الغجر. فالثيناغا الكبير يختلط في الغرب بامتداد مائي بلا أفق، حيث توجد حيتان ذات جلود رقيقة، لها رؤوس النساء وجذوعهن، تضلل البحارة بفتنة أثدائها الضخمة”.
إسقاطات الواقعية السحرية على شخصيات الرواية:
أولاً: استخدم الكاتب الاستباق أو الاستشراف وهو القص مختصر لما سيحدث لاحقاً ، قبل حدوثه. فالراوي يقفز على الترتيب الزمني للأحداث قفزا وذلك في تخوُّف أورسولا من إنجاب الأبناء من زوجها خوسيه أركاديو بوينديا، وسبب ذلك أنَّ آل بوينديا كان قد ولِدَ عندهم طفل بذيل، وقد اعتبر ذلك لعنة على آل بوينديا حميعهم، ورغم ذلك أنجبت أورسولا ثلاثة أبناء من زوجها هم: الأول خوسيه أركاديو الابن، الثاني أورليانو، الثالثة أمارنتا.
ثانياً: طمس ماركيز من خلال الواقعية السحرية الخط الفاصل بين الواقعي والخارق للطبيعة، مسلطاً الضوء على الطريقة التي يفسر بها البشر تجاربهم: يتحدث الراوي عن الأب خوسيه أركاديو بوينديا الذي كان يتحدث لحفيديه عن عجائب الدنيا، وذلك بعصر مخيلته إلى حدود لا تصدق، وكان أن تعلّم الطفلان أنه بالإمكان اجتياز بحر إيجه سيراً على الأقدام، بالقفز من جزيرة إلى أخرى.
ثالثاً: استخدام الأحداث الخارقة كرمز: يمكن أن يدمّر حياة الأفراد والمجتمعات: يصاب أهل قرية ماكوندو بوباء الأرق الذي يحرمهم من النوم لأسابيع. هذا الوباء يؤثر على ذاكرتهم، مما يدفعهم لنسيان أسماء الأشياء. يضطر خوسيه أركاديو بوينديا لتعليق لافتات على كل شيء ليتذكروا مسمياته، مثل “عمود”، “شجرة تفاح”، “زهرة”، “باب”.
رابعاً: عملت العناصر الخيالية على تضخيم الحقائق العاطفية لحياة الشخصيات كانت شخصية أمارانتا ابنة خوسيه أركاديو بوينديا وأورسولا إيغواران، مليئة بالتناقضات فهي محبةٌ بلا حب، وحيدةٌ لكنها غالباً ما تُطارد. اسمها يُشبه كلمة “أمار” الإسبانية، التي تعني “الحب”، ولكنه يُشبه أيضًا كلمة “أماغورا” التي تعني المرارة، وهي صفةٌ تُنميها طوال حياتها.
تبدأ هذه المرارة في مرحلة مراهقة أمارانتا عندما يقع بيترو كريسبي في حب ريبيكا بدلاً منها. تحاول أمارانتا إيقاف الزفاف، حتى أنها تُفكر في تسميم ريبيكا. عندما يُلغي موت ريميديوس الزفاف، يُصبح شعور أمارانتا بالذنب قوياً لدرجة أنه يبدو أنه يُلوث شغفها لبقية حياتها. تبقى أمارانتا عذراءً طوال حياتها، حتى مع تقدّم الخاطبين لخطبتها. حتى أنها رفضت بيترو كريسبي، مما دفعه إلى الانتحار. ولشعورها بالذنب، أحرقت يدها، وغطتها بضمادة سوداء إلى الأبد. من وجهة نظرها، تُسبب نزوات قلبها مأساة، وتصبح الضمادة علامة على رغبتها في الابتعاد. كانت تأمل في البداية أن تموت بعد ريبيكا حتى تتمكن من صنع كفن جنازة لها، وهي لفتة كراهية.
تمتعت أمارانتا أيضاً بقدرة عميقة على الحب. إنها شخصية أم ثانوية للعديد من الأطفال في المنزل، لكن تظهر علاقتها غير اللائقة والمجهضة مع ابن أخيها أوريليانو خوسيه ارتباكاً حول كيفية الحب، حيث يتحول حبها الأمومي تلقائياً تقريباً إلى شبه جنس.
خامساً: تجسيد العجائبي في الشخصيات: كانت قناعة أوريليانو الثاني تزداد بأن الفضل يعود لسحر خليلته بيترا كوتيس في تكاثر حيواناته بشكل غير طبيعي حيث كانت أفراسه تلد ثلاثة توائم، ودجاجاته تبيض مرتين في اليوم، وخنازيره تسمن بلا كابح، دون أن يتمكن أحد من تفسير تلك الخصوبة العشوائية، كما يتجلى العجائبي في نبوءة الغجري ميليكيادس الغامضة: ميليكيادس هو شخصية غجرية غامضة ومحورية، يظهر كشخصية مؤثرة في حياة عائلة بوينديا وسكان مدينة ماكوندو. يقدم ميلكيادس كرمز للمعرفة والغموض، حيث يجلب معه اكتشافات واختراعات جديدة مثل المغناطيس والعدسة المكبرة والأحبار التي لا تبهت. يظهر ميلكيادس في البداية كغجري مسافر، ثم يعود من الموت عدة مرات، ويلعب ميلكيادس دوراً توجيهياً لعائلة بوينديا، خاصة من خلال مخطوطاته التي تتنبأ بالمستقبل وتكشف عن أسرار العائلة وقد تحققت نبوءته في آخر الرواية حيث استطاع أورليانو(هوالابن غير الشرعي لـ ريناتا ريميديوس من خليلها ماريسيو بابيلونا ) وهو آخر نسل عائلة “بوينديا” والذي اكتسب مستوى من المعرفة السحرية لم ينله سواه من أفراد أسرة “بوينديا” استطاع تفسير نبوءة العجوز الغجريّ “ميلكيادس” عن دمار “ماكوندو”.
الخاتمة:
صور الأديب الكولومبي: غابرييل غارسيا ماركيز الواقع في رواية مائة عام من العزلة بأسلوب فني صادق ومميّز استطاع من خلاله إيهامنا بأنك ماتم سرده يطابق مايجري في الحياة الحقيقية، كما قام الأديب بعملية انتقاء واختبار من بين العناصر التي تم اختيارها في روايته فحذف منها وأضاف إليها عناصر لم تكن فيها بحيث أخلقها خلقاً جديداً.
استخدم الأديب الواقعية السحرية كوسيلة فعالة للتعبيرين الظروف الاجتماعية والسياسية التي مرّت بها كولومبيا من خلال دمج الشخصيات الخارقة في سياقات مألوفة، كما أكّد على دور الواقعية السحرية كأداة أدبية وفكرية تتجاوز الخيال المجرّد عبر سرد الرواية بأسلوب شائق مزج بين الواقع والخيال لتقديم رؤى أعمق للعالم وإشكالاته، وبرزت الموهبة الإبداعية والفنية للأديب برفعه لمستوى التشويق والإثارة عبر إطلاع القارئ على التفاصيل الصغيرة قبل الكبيرة.
كان لرواية مائة عام من العزلة تأثير كبير على تطور الأدب الأمريكي اللاتيني، حيث رفض العديد من الروائيين اِتباع الأسلوب السردي القصصي التقليدي، وطوروا أساليب السرد بحيث تذوب الفروق بين القارئ والراوي والشخصيات والقصة.
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي