الرئيسية / الأعداد / “عظم السما ” .. عندما يصير المسرح امتداد للأسطورة لا مجرد إعادة للسرد. – خديجة ستفان

“عظم السما ” .. عندما يصير المسرح امتداد للأسطورة لا مجرد إعادة للسرد. – خديجة ستفان

“عظم السما ” .. عندما يصير المسرح امتداد للأسطورة لا مجرد إعادة للسرد.

خديجة ستفان*

 

منذ فجر الحضارات، شكّلت الميثولوجيا وسيلة الإنسان الأولى لفهم العالم المحيط به، من خلال سرد قصص الآلهة والأبطال والمعارك الكونية. ومع تطور المجتمعات، وجدت هذه الأساطير طريقها إلى المسرح، الذي تحوّل إلى مرآة تعكس صراعات الإنسان، الداخلية والخارجية، مستندًا إلى الرموز والمرويات الميثولوجية كأدوات فنية وتعبيرية ذات عمق إنساني وفلسفي.

والمسرح، بصفته فناً يجمع بين النص، والأداء، والفضاء، تبنّى الأسطورة ليس فقط كمادة خام للحكي، بل كبنية رمزية قادرة على تجاوز الزمان والمكان، لطرح الأسئلة الوجودية الكبرى: من نحن؟ ما مصيرنا؟ ما حدود قدرتنا في مواجهة القدر؟ لذا، ظهرت أعمال مسرحية كبرى، منذ التراجيديا اليونانية عند أسخيلوس وسوفوكليس ويوربيدس، مرورًا بمسرح العصور الوسطى والنهضة، ووصولًا إلى المسرح الحديث والمعاصر، وقد وظّفت الميثولوجيا بشكل مباشر أو أعادت قراءتَها من منظور جديد.

وفي هذا السياق، يأتي العمل المسرحي عظم السما لكاتبه” علي الداه “ليتفاعل مع الميثولوجيا لا بوصفها تراثًا جامدًا، بل كنسيج حي يعاد تشكيله، ويُقرأ من زوايا جديدة.  بهذا التوظيف، يصبح المسرح امتدادًا للأسطورة، وحوارًا مفتوحًا معها، لا مجرد إعادة سرد.

ويتّسم النص المسرحي “عظم السما” للكاتب “علي الداه” بتركيبة لغوية فريدة تنبع من توظيفه الواعي للغة زجلية مسجوعة، تنهل من التراث الشفهي وتحمل شحنة دلالية قوية، تتجاوز البنية السطحية للكلام لتغوص في مستويات أعمق من المعنى. هذا الاختيار الأسلوبي ليس مجرد حيلة فنية، بل يعكس رؤية جمالية وفكرية تعيد ربط المسرح بالموروث الشعبي، وتمنح النص بعدًا شفهيًا وغنائيًا يمسّ المتلقي من خلال الإيقاع والمعنى في آنٍ معًا.

حتى الحوار في “عظم السما” لا يتخذ الشكل الواقعي المباشر، بل يُبنى على إيقاع داخلي قائم على السجع والجناس والتكرار، مما يمنحه طابعًا شعريًا . هذا الحوار المسجوع لا ينفصل عن طبيعة الشخصيات، التي تتحرك داخل فضاء ميثولوجي رمزي، حيث لا تكون اللغة وسيلة تواصل فحسب، بل أداة خلق وتأويل.

 

كما أن الحوار يُطوِّر نفسه في حركة دائرية، تكرارية، تُحاكي البناء الدرامي للأسطورة، حيث لا خطية واضحة للأحداث بقدر ما هناك تموجات شعورية وفكرية تتصاعد وتنكمش، تعبيرًا عن الصراع الكوني بين قوى متضادة.

القاموس الموظف في النص قائم على مفردات تنتمي إلى اللغة الزجلية، الغنية بالإيحاءات، والمرتبطة بالذاكرة الشعبية، وهو ما يمنح النص طابعًا محليًا من جهة، وإنسانيًا كونيًا من جهة أخرى، بفضل الطابع الرمزي للكلمات المستخدمة.

 

وتتوزع الحقول الدلالية في النص بين الحب والرغبة فتأتي الحوارات مشحونة بعاطفة جياشة تُخرج الحب من نطاق العلاقة العاطفية الضيقة إلى معنى أوسع، يرتبط بالتوق إلى الكمال، وإلى الوحدة مع الذات والكون.

والحرية حيث يظهر ذلك من خلال بحث الشخصيات عن الانعتاق ليس فقط مما هو اجتماعي وسياسي لكن مما هو ميتافيزيقي عقائدي. الحرية هنا ليست سياسية فقط، بل وجودية أيضًا.

دون ان نغفل حقل الخير والشر حيث يوظّف الكاتب ثنائية رمزية واضحة وجلية وهي صراع الخير (ميرا) والشر (اوسمان)وهي ثنائية تستحضر صراعًا أزليًا أسطوريًا، يعكس التوتر بين الإنسان وقَدَره، وبين الطموح والعقاب.

وهذه اللغة الزجلية، بما تحمله من سجع داخلي، ونغمة موسيقية، وإيقاع خطابي، تُحدث أثرًا سمعيًا وجماليًا قويًا، خاصة عند الأداء المسرحي. فهي تلامس المتلقي ليس فقط على مستوى العقل، بل أيضًا على مستوى الوجدان، إذ تستنهض ذاكرته الثقافية والجمالية، وتدعوه إلى التأمل لا الاستهلاك.

 

في نص “عظم السما”، لا تأتي اللغة كمجرد حامل للمحتوى، بل تشكّل جزءًا من البنية الدرامية والأسلوبية للنص. الحوار الزجلي المسجوع، المليء بالرموز والدلالات، يخلق جوًا شعريًا خاصًا ينسجم مع الطابع الميثولوجي للعمل، ويمنح الشخصيات بعدًا رمزيًا يتجاوز الواقع المباشر. إن هذه التركيبة اللغوية تثري النص، وتجعله مفتوحًا على التأويل، مما يعزز من قيمته الفنية والفكرية في آنٍ واحد .

أما فيما يتعلق ببناء الشخصيات في مسرحية “عظم السما”، فيتسم بتعقيد نفسي واجتماعي عميق، حيث تُصوَّر الشخصيات بتفاصيلها الإنسانية المتناقضة والمركّبة، مما يمنح النص بعدًا دراميًا غنيًا. شخصية أمنير( بوضلعة) التي جسدها الفنان رضى بنعيم بشكل متفرّد واستثنائي أبان من خلاله على تحكم احترافي بالجسد والملامح والصوت والأكسسوار، تبرز كمحور مركزي في العمل، حيث نجح في نقل الصراع والتوتر النفسي والاجتماعي لمجتمع منغلق يتمثل رمزيا في دوار المجهول .

أما شخصية أوسمان، التي أدى دورها سيموكا اوراغ، فقد تميزت بحدة حضورها وواقعية أدائها، شخصية معقدة تعاني من ضغوط الواقع والهوية شخصية متمردة وشريرة في نفس الوقت تقودها الرغبة وحب التملك كان “الفنان سيموكا أوراغ” دقيقا في التعبير عن الألم والتمرد والصراع الذاتي. والتوتر بين الفرد والمجتمع.

بدورها، جاءت شخصية تاشفين، التي قدمها عبد العزيز بوجعادة، شخصية تحمل الرمزية والدراما، حيث كان أداء الممثل قادرًا على تجسيد التردد والصراع الداخلي بين الرغبة في التغيير والخوف من المجهول.  الرغبة في الانعتاق من العرف إن كان الخضوع له ثمنه فلذة كبده كل ذلك أضفى بعدًا نفسيًا مؤثرًا على الحبكة.

أما شخصية تيليلا، التي أدتها وببراعة وحضور كاريزمي الفنانة سهام حراكة، فقد كانت صوتًا نسائيًا قويًا داخل النص، يعكس آمالًا كبيرة ،ويمثل الحكمة والعقل والحرية فكانت شخصيتها مزيجًا من الحنان والقوة والضعف، مما أعطى الحياة لشخصية ذات أبعاد إنسانية متعددة .

كما كانت شخصية ميرا، التي أدّتها الفنانة قدس جندول تمثل نقطة التقاء بين البراءة والتمرد، حد فاصل بين الضعف والقوة، حيث استطاعت الممثلة أن تعبر بحركاتها وتعبيراتها عن التوتر الداخلي والانفصال عن الواقع بطريقة توحي بالعمق والصدق.

ولا يمكن إغفال شخصية الخادم، التي جسدها إبراهيم فرج، والتي كانت بمثابة عنصر رمزي محوري في المسرحية رغم صمتها التام. فقد اعتمد الممثل بشكل كامل على لغة الجسد وملامح الوجه ليعبّر عن مشاعر متضاربة وأحداث كبرى ، مما منح الشخصية حضورًا قويًا وتأثيرًا دراميًا بالغًا، وأكّد على قدرته على التعبير بدون كلمات.

في مسرحية “عظم السما”، قدّم المخرج يونس رونا رؤية إخراجية ذات طابع بصري قوي، اتسمت بالعمق الرمزي والتكثيف الدرامي، حيث لم يكتفِ بنقل النص إلى الركح، بل سعى إلى إعادة تشكيله من خلال لغة مسرحية تعتمد على السينوغرافيا والفضاء الركحي كوسيط تعبيري مستقل. فقد جاء توظيف فضاء الركح مدروسًا بعناية، ليعكس حالات التوتر والانغلاق والانفراج، إذ استُثمرت المساحات الفارغة والكتل المسرحية لتعبر عن العزلة أو عن اختناق الشخصيات داخل واقعها.

أما على مستوى السينوغرافيا، فقد لجأ رشيد فاسح إلى البساطة المدروسة، حيث اعتمد على عناصر رمزية مكثفة تتيح تعدد الدلالات، مثل الإضاءة الموضعية، والألوان الباردة والحارة، والخامات الخشنة التي تُمثّل قسوة الواقع. وقد ساهمت هذه العناصر في تعميق الإحساس بالزمن والمكان، ومنحت العرض بعدًا بصريًا مؤثرًا، يُعزّز الصراع الداخلي للشخصيات. فمثلاً، استُخدم اللون الأزرق في الإضاءة والخلفيات ليُعبّر عن البُعد الوجودي والحزن الكامن عن الهدوء أحيانا والبرود والعزلة أو عن الأحلام على أوسع نطاق، بينما شكّل اللون الأحمر لحظة انفجار شعوري وجسّد العنف والاحتقان وكذلك القوة والغضب، الحب والرغبة في أعنف تجلياتها. وفي خضمّ حديثنا عن الألوان لا يمكن غض الطرف عن عناصر الطبيعة الحاضرة بقوة سواء كجزء من السينوغرافيا (الماء) أو جزء من الحوار (النار) أو جزء من القاموس (الهواء )أو جزء من المعنى( الأرض/ التراب).

إنّ رؤية يونس رونا الإخراجية تقوم على تفكيك الواقع وإعادة بنائه بصريًا ونفسيًا، إذ يتحول الركح في “عظم السما” إلى فضاء تأملي، يختلط فيه الذاتي بالجماعي، والحسي بالرمزي المادي بالروحاني مما يجعل المتفرج شريكًا في إنتاج المعنى، لا مجرد متلقٍّ سلبي. ويبدو واضحًا أن توظيف الفضاء المسرحي والسينوغرافيا لم يكن مجرد إطار جمالي، بل كان جزءًا لا يتجزأ من البنية الدرامية، ومكوّنًا أساسيًا في إيصال الرسالة الفكرية والإنسانية للعمل.

أما الموسيقى الحيّة فتفرض الحديث عنها وتحليلها كأحد أبرز عناصر التعبير الفني، حيث لم تُقدَّم كخلفية صوتية فحسب، بل كانت جزءًا فاعلًا في نسيج العرض، تُوازي في تأثيرها الأداء الدرامي والحركة الركحية. وقد تميّزت هذه الموسيقى بخصوصيتها الثقافية، إذ جاءت مزجًا بين الإيقاعات الأمازيغية والهوارية، في توليفة غنية وذات دلالة، بإمضاء الفنان ياسين طير الليل ومشاركة شهرزاد، ما أضفى على العرض عمقًا هوياتيًا وروحيًا.

إن اختيار هذا الخليط الموسيقي لم يكن اعتباطيًا، بل كان امتدادًا للبحث الجمالي للمخرج يونس رونا، الذي أراد أن يمنح العمل طابعًا محليًا وإنسانيًا في آنٍ واحد، حيث تعبّر الموسيقى الأمازيغية عن الجذور، عن الأرض، عن الذاكرة الجماعية، في حين تضيف الموسيقى الهوارية لمسة وجدانية أكثر تحررًا وانسيابًا فتعكس التوتر العاطفي الداخلي للشخصيات.

وقد جاء استعمال آلة “السنتير” ليعزّز هذا البعد الرمزي، فهذه الآلة الوترية التقليدية، المرتبطة بالتصوف والمديح، كانت تُستخدم في لحظات مفصلية من العرض، لتولّد إحساسًا بالتماهي مع الوجود، أو للدخول في حالة تأمل روحي، كأنها صوت باطني ينفذ إلى عمق الروح، يتقاطع مع صمت الشخصيات أو يواكب انكساراتها. وكان الحضور الحي للموسيقيين على الركح يُضفي على المشاهد طاقة حسّية مباشرة، تُقرّب الجمهور من التجربة المسرحية، وتجعل التفاعل معها أكثر حرارة وصدقًا.

وهكذا، أصبحت الموسيقى في “عظم السما” جسرًا بين اللغة والنغمة، بين الجسد والصوت، بين الذاكرة والآن، وساهمت في خلق فضاء مسرحي لا يُعبّر بالكلمات فقط، بل بالنغمة والإيقاع والوجدان.

ختاما إن “عظم السما” عمل مسرحي متكامل يعكس جدية فريق العمل ومسؤوليته اتجاه الجمهور أولا واتجاه الفن المسرحي ثانيا.

عمل متميز يستحق المشاهدة

كاتبة من المغرب

عن madarate

شاهد أيضاً

العدد الواحد السبعون السنة السابعة مارس 2026

   

اترك تعليقاً