تجربة المقاهي الثقافية بالمغرب/مقهى شهرزاد نموذجا
أحمد شهلي*
” القهوة تجمع الرجال في اتحاد أكثر كمالا، حيث تجري النقاشات بشكل أكثر وضوحا، في وقت لا يكون العقل فيه مشوشا بالأبخرة والدخان، وبالتالي لا تنسى بسهولة، كما يحدث غالبا عندما تجري النقاشات أثناء شرب الكحول”
عالم الآثار الفرنسي ومترجم ألف ليلة وليلة في القرن 17 أنطوان غالان.
مقدمة
تعتبر ذاكرة المكان شكلا من أشكال استرجاع المعلومات والمعطيات المتعلقة ببيئة الإنسان، وتمكنه من استعادة شريط الأيام والأحداث ومختلف الوقائع المرتبطة بتجارب الأشخاص والجماعات، والوجدان الفردي والجماعي مما يمكن أن يعزز الهوية التاريخية لذلك المكان، ويدعم قيمة الانتماء اتساقا مع مراحل تطور الفضاء المعني بالذاكرة عبر الزمن وما يتطلبه ذلك من جمع للعناصر التكوينية للذاكرة تلك المفعمة بالغنى استلهاما من مختلف التفاعلات التي يعتبر المكان مسرحا لها وفضاء تأسيسيا للحظاته الأولى وما تلاه من أحداث أورثت سمات خاصة للمحيط أضحت مادة رئيسية لهذه الذاكرة، ومحتوى يضم التفاصيل وتفاصيل التفاصيل.
ومن ثم يتمكن استدعاء الذاكرة المرتبطة بالمكان من توفير فرصة متعددة لرؤية وإعادة رؤية تلك التفاصيل كما هي، أو على الأقل تنظيف شعب الوجدان كي تظهر مشاهد الزمن الذي ولى دون غبش، لتقيم في الشعور بفعل التقادم فتصبح من مشمولات الصورة الدهنية السارية في كل نفسي منسجم.
إن فعل التدوير الذي تمارسه الكتابة أجهز على مضمون الذاكرة وحصر مفعولها في إطار اللغة والثقافة والتداول في أبعاده الماضوية وأشكاله الفلكلورية- الحكائية، في حين أن استنطاق هذه الذاكرة والدفع بها نحو أفق التجديد كي تصير لها أدوار راهنية تسمح للباحث باستثمار مفهوم المكان بما يحمله من تجليات الوجود الإنساني الفعال ورصد إمكانيات واعدة للممارسة التأويلية، والاجتهاد في مجال الاستنباط، وربط النتائج بالأسباب، ودراسة الظواهر على أنها من مظان الفعل المرتبط بفضائه المكاني ومتعلقاته الوجودية في ارتباط وظيفي بخصوصية الذاكرة المحلية، وعلى هذا فهي تقوم على استنهاض الوعي والاستزادة من منسوب فاعليته بما يضمن اشتغاله على مستوى التفكر والاعتبار في تكافؤ تام مع مستلزمات الفهم والإدراك.
1– المقاهي الأدبية : أنطولوجيا الثقافة الشعبية العالمة.
إن التوجه إلى المكان من زاوية التذكر يتطلب وعيا أصيلا بأهمية الحفر الوضيء في جنباته، مع ما يلزم ذلك من حرص منهجي مساعد على تخطي كل العقبات المعرفية مخافة الانزلاقات السردية المجردة، منهجية تتسلح بأدوات البحث والدرس والتحليل، تتيح للباحث المسكون بقلق السؤال اقتحام مفازات التنقيب بأسلحة كافية لمواجهة مختلف المجاهيل التي تحف بقارة النسيان، وتسمح باقتناص الدرر المنثورة فيها بشكل متباعد يحتاج إلى جهد في الجمع والنظم والترتيب.
ومن الأمكنة التي اختزنت ذاكرات حية تؤرخ للحراكات الأدبية كالسريالية والدادائية والعدمية والتكعيبية والماركسية ومدارس أدبية كمدرسة المهجر ومدرسة أبولو والمدرسة الرومانسية، والثورات الثقافية التي كانت مسرحا لها نجد المقاهي، فمنها كانت الدعوات إلى إحداث التغييرات في البنى الفكرية السائدة، ومنها خرجت الحركات الثقافية التي غيرت معالم الوجود الأدبي، حولت المقهى من حالة اجتماعية تحتضن هموم الناس وترفه عنهم وتخفف من المتاعب اليومية إلى بؤرة للتفكير ومشتل لدوران المواقف والأفكار وبناء القناعات اتساقا مع استكانة أكواب الشاي وفناجين القهوة، ولقد برز في هذا الباب دور المقاهي أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين وبالأخص في أوروبا إذ تحولت إلى مؤسسات ثقافية وسياسية يجتمع فيها الأدباء والشعراء والسياسيون ونبلاء المجتمع في باريس (مقهى السلام Café de la Paix 1862م) ، فيينا ( مقهى سنترال1860) ، البندقية (مقهى فلوريان1720) ، بودابست (مقهى نيويورك1894م)، براغ (مقهى امبريال 1914م)، [1]. وقد أثرت هذه المقاهي في الأدباء والمفكرين وتأثرت بهم وكتبوا عنها وكانت لهم ملهمة وطريقا سالكة نحو الإبداع والكتابة، أمثال : مارسيل بروست، كابرييل كاريا ماركيز، خورخي لويس بورخيس، فولتير(لقب بإله المقهى)، مونتيسكيو، بول سيزان، بيكاسو، فان كوغ، ارنيست هيمينغواي، موليير، جون جاك روسو، جون بول سارتر هذا الأخير الذي جمعته مقهى ديماغو بحبيبته سيمون دو بوفوار ومن هذه المقهى انطلقت المدرسة الوجودية وفيها وضعت اللبنات الأولى للتفكير الوجودي، كما احتضنت زوايا وأركان هذه المقهى الفنان العالمي سالفادور دالي وكذلك الممثلة العالمية الشهيرة بريجيت باردو وشهدت كذلك جلوس بيكاسو إلى رفاقه متحدثا ومحاورا ومناقشا قضايا الفن وألبير كامو وعرفت هذه المقهى انطلاقة الرمزية في مجال الفن [2].
وقد عرف العالمان العربي والإسلامي بروز هذا النوع من المقاهي في وقت مبكر، وتعد مقهى الخفافين الأسطوري بغداد (أقدم مقهى بالعراق 1365م) ومن رواده التاريخيين الشاعر الكبير معروف الرصافي،جميل الزهاوي وعبود الكرخي، وكذلك مقهى الهافانا التاريخي بدمشق (أقدم مقهى في سوريا 1945م)، فصارت بذلك جزءا من تاريخ المدينة الأدبي والثقافي حيث زارها الكثير من المشاهير ممن صنعوا تاريخ الشام ودونوه بأحرف من دهب أمثال محمد الماغوط، بدر شاكر السياب، عبد الوهاب البياتي، نزار قباني، محمد مهدي الجواهري، ومظفر النواب. أما لبنان فقد عرفت تألق مقهى عرموم واشتهرت بتنظيمها لأمسيات “شهرياد” الثقافية، كما شهدت مصر ميلاد مقهى الفيشاوي (عام 1797م أي قبل غزو نابوليون بونابارت لمصر)، وتتواجد هذه المقهى في زقاق صغير قرب سوق خان الخليلي الشهير، وقد شهدت إخراج روائع الأدب والفن العربي ومنها بزع فجر الإبداع الحديث مع إحسان عبد القدوس، يوسف السباعي، يوسف إدريس، نجيب محفوظ، يوسف القعيد، عباس محمود العقاد، والشاعر كامل الشناوي ومحمد ديب والممثل نجيب الريحاني، وكان يرتادها كذلك الفنان المصري المعروف عبد الحليم حافظ، وشكلت مكانا مفضلا للثنائي جون بول سارتر وسيمون دوبوفوار.
وفي وسط القاهرة تنتصب بناية تضم مقهى باسم ريش (تأسست سنة 1908م)، شكلت مركزا ثقافيا بارزا ومنتدى سياسيا حيويا، ارتادها الأديب المصري الكبير طه حسين وأمل دنقل ويوسف إدريس ونجيب محفوظ وآخرين، كما توافد العديد من الفنانين والسياسيين والمفكرين، وشهدت أحداثا سياسية غيرت معالم السياسة بهذا البلد كثورة 1919م التي استدفت الاحتجاج على السياسة البريطانية، وثورة يناير 2011م، وقد ارتبط اسم أحمد فؤاد نجم بهذه المقهى وقد ذكرها في إحدى قصائده بعبارة: يعيش المثقف على مقهى ريش.
وفي المغرب عرفت المقاهي الأدبية تطورا لافتا، حيث ارتبطت ببعض روادها من كبار الأدباء والمبدعين، ففي مدينة طنجة لا تذكر مقهى السونطرال دون الإشارة إلى الروائي المغربي العالمي محمد شكري الذي اعتاد الجلوس فيها، بمعية كبار الإعلاميين كابراهيم الغربي صديقه الذي يشتغل بإذاعة ميدي1، والروائي الكبير جون جينيه، كما أن إبراهيم الخطيب ومحمد الصباغ بتطوان، وأحمد بوزفور الذي يرتاد إحدى مقاهي الدار البيضاء بمرس السلطان، أما الرباط فعرفت بمقهى باليما التي كان من أبرز روادها “سلطان باليما” والشاعر كاتب الكلمات الغنائية “علي الحداني” وكثير من الساسة المرموقين والصحافيين المشاهير.
وفي أكادير تتواجد بحي فونتي بمنطقة خليج أكادير مقهى “أمازيغ كابريس” التي احتضنت أنشطة فكرية وثقافية وأماسي شعرية، حول الهدوء الذي يعم الأنشطة الثقافية إلى خصيصة هذا المكان، كما حول الثقافة والفن والأدب إلى رأسمال أحسن صاحبها استثماره واستقطبت أنشطة هذا النادي كثيرا من المبدعين والشعراء كالشاعر الأمازيغي الكبير سعيد ايدبناصر والسيناريست عبد الله المناني وبعض النقاد الكبار والأساتذة الجامعيين كالدكتور الحسين بويعقوبي والدكتور محمد همام…
2- مقهى شهرزاد: سوسيولوجيا المحيط.
تأتي فكرة الحديث عن مقهى شهرزاد بمدينة إنزكان كمقهى أدبي اعتبارا لعنصر هام وسم هذا الفضاء وطبعه ببعده الاجتماعي الخالص وهو فعل المثاقفة « acculturation » ، الذي يعد آلية للتطوير والارتقاء فضلا عن كونه إطارا للتأثير والتأثر، لقد جعل هذا الفضاء يعيش نقلة ملحوظة في الوظائف والأدوار من مجرد مكان للترفيه وتزجية الوقت وإهدار الزمن، أو حتى مكانا لتبادل العادات واكتساب القيم وأنماط السلوك المستقرة في الحياة الاجتماعية إلى فضاء لخلق دينامية فكرية وثقافية وأدبية، وكذلك كانت هذه المقهى حيث صارت موضوعا لإعادة تطبيع العلاقة بين الثقافة على وجه عام مع محيطها فتحول معها المكان إلى منتدى ثقافي مفتوح يساهم في دمقرطة الفعل الثقافي بالمدينة بعيدا عن الصالونات النخبوية وكذلك كانت خير بديل عنها في وقت استقالت فيه المحاضن التقليدية للفعل الثقافي عن ممارسة أدوارها في دعم ثقافة الحوار وإشاعة قيم مجتمع المعرفة وتكريس علاقات الإنتاج في جانبها الشعبي المناوئ لأستقطراية الأبراج الثقافية العاجية.
لقد شكلت لحظة بروز مقهى شهرزاد كفضاء ثقافي انعطافة تاريخية كونها شهدت تحولات في مجالات الرمزية كإحدى أحد التعبيرات العبقرية بإنزكان، مزجت النقاشات العمومية بروائح البن الأصيل ومختلف الروائح المنبعثة من غرفة الإعداد ، فشكلت مقهانا هاته ذاكرة خالصة للمدينة تضمنت الماضي والحاضر والمستقبل واستغرقت في الزمن.
تقع مقهى شهرزاد في أهم شوارع مدينة إنزكان (شارع محمد الخامس) وهو الشارع الذي يربط بين مناطق مختلفة ، ومنه تمتد الرؤية نحو مختلف الاتجاهات، كما جغرافية هذه المقهى جعلتها تتموقع في محور رئيسي يشرف على الشارع المؤدي الى الأسواق المختلفة التي نبتت في أرجاء المدينة منها: السوق الأسبوعي (قار) الثلاثاء، السوق البلدي، قيساريات المدينة بتعدد تخصصاتها، فيما تطل الواجهة الأخرى للمقهى على طول شارع المدارس وهو الشارع المؤدي إلى المركب المدرسي الذي يضم مجموعة من المدارس والاعداديات والثانويات، فضلا عن إيوائه للعشرات من البيوتات الإنزكانية التي تضم أسرا عريقة من قدماء ساكنة المدينة (عائلة العثماني، عائلة موسايير، عائلة العهدي، عائلة البكباشي، عائلة مكافيح، عائلة العلمي، عائلة بيردمان، عائلة المنتصر عائلة خنجري، عائلة الصابوني، عائلة حيميد، عائلة الصاوي، عائلة نور الدين عبد الرحمن، عائلة السعايدي “الساعوتي”، عائلة حمسان، عائلة حاريف، عائلة إيريج، عائلة أيت بوسفيان، عائلة النظيفي.) وتخترق هذا الشارع مجموعة من الأزقة التي كان يسكن بها مغاربة يهود (زنقة الملاح وسميت ذلك لوجود معبد يهودي “بيعة” ، زنقة تارودانت، زنقة الصويرة، زنقة هوارة، زنقة إيموزار)، وإلى جهة أخرى يفضي المشي ليس بعيدا عن المقهى تتراءى للناظر المنطقة الجنوبية حيث تتكدس أسواق متنوعة وبنايات جديدة تستقطب أفواجا كثيرة من المتبضعين والزوار والمارة من مختلف الأعمار والفئات.
إن قراءة بسيطة للمحيط السوسيولوجي لمقهى شهرزاد تمكن من النفاذ إلى واقع مستكين متواضع معرفيا، متعايش مع يوميات المواطن المقهور، وأنت جالس في إحدى أركانه الخارجية أو حتى في رحابه الداخلية ستتمكن من متابعة التفاصيل الاجتماعية الخارجية بحكم انكشافها على العالم الخارجي حيث تحيط بها واجهات زجاجية سواء تلك المطلة على ساحة البريد أو المنفتحة على الساحة الجنوبية التي كانت تضم مدرسة الفضيلة للبنات سابقا، أو الواجهة التي تتواجد قبالة أحد أعرق المقرات البنكية بالمدينة. حتى يخيل إليك وأنت جالس في لحظات متابعة لا عمدية أنك تتابع شريطا وثائقيا حول الحياة بمدينة إنزكان، إذ تمر أمام عينيك مشاهد مختلفة من الحركة الدؤوبة : ازدحام مألوف للمارة، صفوف من الباعة الذين يعرضون بضائعهم للبيع على الأرصفة وأغلبهم من الأفارقة الوافدين من منطقة الساحل والصحراء، باعة متجولون، طوابير المتسولين من الأرامل والمتشردين والتائهين والمتغيبين عن أسرهم، صفوف من السيارات التي ينتظر أصحابها أدوارهم في العبور، زعيق متواصل وأدخنة تنبعث من عوادم العربات، صبية يمرون زمرا يستصدرون صراخا مشوبا بشغب عشوائي لافت للنظر، نسوة يتوافدن عبر ممر يشبه دهليزا مظلما يربط بين مختلف مرافق العمارة يقبلن على متجر أجنبي قريب يصطحبن معهن أبناءهن ويمشين فرادى وجماعات.
يوصل هذا الدهليز أيضا إلى باحة داخلية تطل عليها مكاتب العمارة عبر ثلاثة طوابق (لكل طابق خصوصية)، وأنت واقف وسط هذه الباحة رافعا نظرك إلى الأعلى تشعر كأنك وسط حلبة المسرح الروماني، ويظهر رواد المرافق الداخلية كأنهم جمهور يشاهدك بإمعان، تصطف عبر طوابق العمارة مكاتب مختلفة تقدم خدمات هامة لعموم المرتفقين ويشرف عليها أطر متنوعة: موثق، ترجمان محلف، محام، مفوض قضائي، طبيب العيون، طبيب الأطفال، مهندس، أطباء متخصصون،
في خضم هذه المشاهد تتحول مقهى شهرزاد إلى نادي لثرثرات المرتفقين والزوار العابرين، فيتحول كلامهم إلى ما يشبه الاعترافات المتبادلة، ووسط سحب الدخان الكثيفة تتقاطع رغبة الشرب والرغبة في البوح ، فتصير الأحاديث كتبا مفتوحة عامرة بالحقائق والأحلام والكوابيس، وتتحول كذلك معظم المحاورات إلى سردية عجيبة تنقل إلى أدهان المستمعين عبقرية شعبية دون تابوهات أو ندم أو إحراج، ولأن الامر يتعلق بأشخاص غرباء فإن مقهانا تتحول معهم إلى سرير الاعترافات المتدفقة بلا حواجز[3].
ومن زاوية أخرى ومن وجهة مغايرة عالمة مؤسسة للوعي، تتواجد في عمق العمارة وبداخلها السحيق مكتبة تاريخية تضم مختلف الكتب والعناوين، شكلت مزودا رئيسيا لمثقفي المدينة بمختلف الكتب والمجلات والمراجع وحديث الإصدارات في مجالات مختلفة، ينتصب السيد حسن وازرابو بسحنته الموحية بكثير من الجدية واقفا أحيانا وفي كثير من الأوقات جالسا، لتلبية حاجيات الزبناء من شتى الأعمار، يمد لهذا كتابا، يبحث لذاك عن عنوان، ويسهم في دينامية ثقافية ملحوظة، خارج هذه البناية العريقة يمكن الانعطاف يمينا من التنقل صوب عدة مكتبات على طول شارع المدارس وتعد مكتبة المدارس التي يديرها (السي حسن أوبلا) من أعرق المكتبات على الإطلاق، وقد شهد هذا الشارع ظهور هذا النوع من المكتبات لارتباطه بمركب مدرسي ومؤسسات دراسية من مختلف المستويات (اعدادية المنصور الذهبي، مدرسة الموحدين، مدرسة الفضيلة، إعدادية ابن زهر ، ثانوية عبد الله بن يس، الجمعية الخيرية الإسلامية- دار الطالب،..)، غير أن ما يميز هذه المكتبة أنها لا توفر اللوازم المدرسية فحسب بل صممت على شكل رفوف عظيمة تحوي أمهات الكتب والمصادر يأوي إليها طلبة الحوض الجامعي الذي يشمل تخصصات معرفية كثيرة، كما أنها تستقبل أفواجا من الكتبيين الذين يقتنون الكتب بالجملة. كما كانت تزين هذا الشارع مكتبة عظيمة تحمل اسما مفعما بالدلالة : “مكتبة دار إحياء علوم الدين” تقع عند منتصف الشارع، أما في أقصاه في اتجاه المجمع المدرسي تقع على اليمين مكتبة صغيرة يشرف على تسييرها فاعل جمعوي معروف (أبو سفيان) وهو ينحدر كذلك من عائلة مرموقة بالمدينة، وغير بعيد من مقهى شهرزاد وأنت تسير في شارع محمد الخامس وهو الشارع الرئيسي الذي يخترق المدينة ويشطرها إلى شطرين، مل جهة الشطر الأيمن حين وصولك إلى ملتقى الطرق ما بين هذا الشارع وشارع كسيمة تجد في أقصى زاوية منه مقرا قديما لمكتبة عريقة تملكها أسرة عريقة لا يعتقد أن في إنزكان من يجهل صاحبها، تعود ملكية هذه المكتبة إلى رجل معروف (الزنايدي) اشتغل في ميدان التعليم وهو من أوائل الذين درسوا بالمدينة (منذ ثلاثينيات القرن العشرين)، وقد لعبت دورا كبيرا في نشر الثقافة والمعرفة ومحاربة الجهل، وعلى بعد بضعة أمتار إلى الأمام قبالة مسجد “بئر إنزران” وعلى مقربة من القصبة التاريخية تجد مكتبة أخرى شكلت مزودا لأبناء مدينة إنزكان، إنها مكتبة الوحدة العربية، كان يملكها رجل من أبناء المدينة ينتمي إلى أسرة حاحية عريقة (محمد المناني) عرفت بالعلم والصلاح وجل أفرادها مثقفون مبدعون (الحسن المناني، الحسين المناني، عبد الله المناني…)، ووسط المدينة وتقريبا قبالة قسارية الصفا تظهر لك مكتبة متواضعة من حيث الشكل لكن كبيرة من حيث الأداء العلمي، (مكتبة الحاج حسن ملكي)، وهي مقصد الباحثين ومعظمهم من طلبة العلم الشرعي، وفي السوق الأسبوعي مكتبة قديمة لعبت دورا هاما في نشر العلم والمعرفة وأسدت خدمات جليلة للعلم والعلماء والطلبة على السواء، وترجع ملكية هذه المكتبة إلى رجل فقيه طيب يحب العلم سخر حياته كلها لخدمته (الحاج إبراهيم أوبلا مات مؤخرا رحمه الله)، وفي زقاق ضيق من نفس السوق تتمركز مكتبة قديمة كان يوجد على رأسها السيد الحسين عزيز الملقب ب (بوزكيف).
والحديث عن هذه المكتبات ليس من باب الترف بل من قبيل الضرورة البحثية التي تقتضي البحث عن علاقة المقهى بمحيطها القريب، فإذا كانت المقهى الأدبي تلعب دورا في بناء ثقافة مجتمعية وتوفير الإطار السوسيولوجي المناسب لتبادل الآراء وتناقح الأفكار، فإن المكتبات تسهم بشكل كبير في توفير أدوات الحوار ومادته الجوهرية، لذا فإن تقاطعات هامة تسم العلاقة بينها وبين وجود المكتبات ودور النشر ووقوعها في جغرافية جامعة لهذين الفضائين، ومن ثم فإن جمهور القراء الذين يستهويهم فعل القراءة يصلون فضاءات المكتبات بفضاء مقهى شهرزاد بحثا عن تكامل نموذجي بين مكانين أحدهما يوفر الكتب والمجلات وآخر يضمن إطارا لممارسة فعل القراءة في أبعاده النفسية والاجتماعية والثقافية، إنها محاولة لاستدماج كل عناصر الفعل الثقافي في مساحة مشتركة يعتبر من خلالها القرب شرطا لتجربة متكاملة ترضي العقل والحواس، وتتجاوز نمطية الاستهلاك التقليدي للقهوة.
إن مقهى شهرزاد العتيقة بما تحمله من رمزية المكان وبما يفوح منها من عبق الذاكرة الحية تعد مكانا تفاعليا موغلا في الوقت مستمرا في الزمان، كما أنها تعد إحدى التعبيرات الثقافية المحلية التي جسدت لحظات الإنصات الآدمي المؤسس لنظام رمزي من التبادل الاجتماعي الذي أعاد تكييف الممارسات اليومية للأفراد والجماعات ونمو سلوك مدني منسجم مع مبادئ المواطنة الحقة، سلوك يجد حاضنته الرئيسية في فضاء أكثر ملاءمة لتنامي النقاشات العمومية كمنطقة جذب مغرية بالانتماء، بما توفره من طقوس باعثة على مضاعفة المردود الثقافي مشجعة على الانخراط الفاعل في المجال الشعبي بوعي وتلقائية لإنتاج المعنى حتى تصير للجلسات رمزية تعيد الاعتبار للشخوص والمكان ودلالة تضفي على اللقاءات بعدا معرفيا في جوانبه الإنسانية لا سيما تلك التي تبرز إمكانيات خلق منطقة للفهم المتبادل.
إن المعرفة التحليلية التي يتيحها الاشتغال السوسيولوجي لا تمكن فقط من وصف الظواهر الاجتماعية التي تخترق فضاء مقهى شهرزاد، بل تساهم في تفكيك العلاقات القائمة بين الأفراد والجماعات داخل هذا الفضاء، والبحث فيها ومن خلالها عن القيم والممارسات وتوزيع نسب العوائد الاجتماعية على هذين الحقلين، وبتعبير آخر فهي تمكن من ملاحقة المشاهد الاجتماعية الكبرى بالسؤال المرتبط بالجدوى، والساعي الى التحقق من القيم الناشئة عن هذه التجمعات، ووفقا لهذا التقسيم تنطرح النظرة العالمة إلى مستويات حضور هذا الفضاء ضمن عناصر الشرط الاجتماعي لنجاح تمرير القيم وتأسيس روابط اجتماعية قوية مؤطرة للحاجات والاتجاهات والميولات والرغبات من جهة، والموضوعات من جهة أخرى، بحيث تفلح في قيادة سلوكيات الأفراد نحو تحقيق الانسجام المطلوب ضمن كتلة اجتماعية متناغمة من حيث الشكل والتوجهات والأهداف، ويسعى هؤلاء الأفراد إلى تحقيق المرغوب فيه اجتماعا عن طريق الممارسة الواعية والهادفة إلى تكريس المشترك والاشتغال على ممكانته فعليا، كما يشير إلى معنى ذلك “بارسونز” في كتابه النسق الاجتماعي إذ يربط القيم الجمعية بالممارسة الميدانية المستندة إلى نسق رمزي من الأفعال الخاضعة لمستوى من الاختيارات بين بدائل التوجيه التي تتضمنها المواقف، وهي تشكل بالأساس معايير عامة وأساسية يشارك فيها أعضاء مجتمع ما وتسهم في تحقيق التكامل وتنظيم أنشطة الأعضاء
[4]، وعبر هذا المستوى يمكن النظر إلى نشوء عدة علاقات اجتماعية في مقهى شهرزاد على أنها التطبيقات العملية لعلاقة القيم بالممارسة، هذه الثنائية المؤسسة للفعل الثقافي داخل هذا الفضاء، والمفسرة لمختلف التفاعلات الاجتماعية المنبثقة عن المجالس المتكررة، ذلك التكرار الذي تنشأ معه علاقات الود التي تمنح القدرة على تمتين الروابط وتدعو إلى مشاركة الآخرين مشاعرهم ومسؤولياتهم[5].
وانطلاقا من هذا المنظور، ولأن المقهى فضاء للألفة الاجتماعية وليس مجرد مكان لاحتساء القهوة والشاي وغيرهما من المشروبات فإنها كما يرى “يورغن هابرماس” وبما هي ظاهرة اجتماعية تتميز إزاء الخارج بآفاق مفتوحة متحركة ونفوذة، كشبكة تمكن من بناء المضامين ونقلها والمواقف المتخذة ومن ثم الآراء[6]، فإن مقهى شهرزاد قد شهدت تشكل مجموعات اجتماعية ذات خصوصيات متقاربة ومتجاورة لها قواعدها المشتركة ومنطلقاتها الخفية والمعلنة وفق أشكال لا معيارية تسم وجودها تعطيه طابع الاستمرارية للممارسة الاجتماعية انطلاقا من شعور توليدي ناجم عن الإدراك الجماعي لأفراد هذه المجموعات بوحدتهم من خلال التفاعل المستمر الثابت والمنظم والتبادلي في نطاق المواضيع المشتركة والتيمات المميزة لها التي تحقق مستويات مهمة من الإشباع.
ومن الملاحظ جدا أن تكوين هذه التشكيلات الاجتماعية يخضع لنتائج العلاقات النفسية الناشئة بين عناصرها، ويتشكل كذلك انطلاقا من الروابط الناجمة عن تبادل الجاذبية الشخصية وانتقال مفعولها عبر عمليات التماهي المسترسلة إلى أن تصل درجة الاكتمال، إنها عمليات عفوية تجعل تتركب خلالها المجموعات اعتمادا على الاهتمامات والميولات المشتركة ( سياسة، رياضة، ثقافة، فن، تشكيل، سياحة، ….)، مما يؤهلها للتعبير عن مستويات عالية من الاعتماد المتبادل وتنسيق المعرفة والموارد والمهام[7].
3- جينالوجيا التشكيلات الاجتماعية بمقهى شهرزاد.
منذ افتتاحها بإنزكان سنة 1981ظلت مقهى شهرزاد منصة اجتماعية تستقطب مختلف الزبناء من مختلف الشرائح والفئات والأعمار، فتحول ذلك المكان من فضاء ساكن إلى مجال صاخب ضاج بالرؤى والتصورات والأفكار، حاضن للمحاورات التي تعكس الخصوصيات المحلية للمجتمع الإنزكاني في مستوياته الثقافية والرمزية. واستنادا إلى العوامل البيئية والاجتماعية فقد شهدت رحاب مقهى شهرزاد تشكل بعض الجماعات ذات الاهتمامات المشتركة، وقد صادف ظهور هذا الفضاء مرحلة النضج الثقافي بالمدينة حيث سبق ذلك بروز حركة فنية وأخرى مسرحية كما شهد تطور الممارسة الكروية الشيء الذي أغنى الدينامية المجتمعية بالمدينة، وقد واكب ذلك نزوع نحو هيكلة الجماعات المقيمة لا العابرة انطلاقا من عتبة الوجود الدال على استمرارية الفعل الثقافي الراشد، الممزوج بلحمة التآلف الاجتماعي استجابة للدوافع والحاجات والتوقعات المختلفة التي تنتج عنها بالضرورة علاقات أولية تتسم بالعمق والخصوصية ومنها على سبيل المثال : مجموعة من الرياضيين الذين نشأ عبر جلساتهم بالركن الجنوبي لمقهى شهرزاد منتدى رياضي عرف دواما نسبيا استغرق سنوات من التفاهمات وأسفر عن ميلاد جمعية رياضية تعنى بشؤون قدما لاعبي نادي اتحاد فتح إنزكان وتحولت فيما بعد إلى إطار لتنظيم أنشطة متنوعة : تكريمات، مباريات، لقاءات شهرية لتدوين الذاكرة الكروية، كما تحولت إلى معمل لإنتاج الأفكار وإثارة القضايا الرياضية بالمدينة عبر تحريك النقاش العمومي.
وفي سياق هيكلة الوجود الثقافي شهدت رحاب مقهى شهرزاد توافد مثقفين كبار من أمثال الشاعر والناقد القاص الراحل عبد اللطيف الزكري وبعض من رفاقه في رحلة البحث عن إثبات الذات فكانت منطلقا لنقاش حيوي أفضى إلى بروز جماعة من الشعراء الشباب الثائر على الأشكال التقليدية للشعر توج محاوراتهم بتأسيس مجلة “البحور الألف” وقد شارك في هذا العمل نخبة من شعراء المنطقة : كسعيد الباز، عبد الفتاح ديبون، عبد السلام الفيزازي فيما اعتبر حينئذ محاولة لإعادة صياغة الرؤى الإبداعية بعيدا عن المواقف والأحكام.
وفي إحدى زوايا المقهى تتوافد على المكان أفواج من خريجي المدارس المسرحية المحلية التي تعدت شهرتها الآفاق في وقت لاحق، مثل جمعية كوميديانا التي بصمت تاريخ المنطقة بمنجز مسرحي بهي ومساهمات قيمة، وقد ارتاد أعضاؤها مقهى شهرزاد وكانت منطلقا لبناء الأفكار وترتيب الممارسة المسرحية ومن هؤلاء : مؤسسها الأستاذ حسان بدور، والفنان المخرج المسرحي فارس سرور ومحمد أبرطاح وحميد تاكني، إبراهيم العيضوس والمخرج المسرحي الراحل أحمد بادوج هذا الأخير الذي لعب دورا كبيرا في تأسيس جمعية الشعلة، التي ترأسها بداية المخرج المسرحي الحسين بيزكارن (هو مخرج أول شريط سينيمائي أمازيغي بعنوان: تامغارت ن وورغ)، ومن هذه الجمعية انبثقت جمعية تيفاوين برئاسة الراحل أحمد بادوج وقد جمعت ثلة من الفنانين أمثال: الحسين برداوز، عبد اللطيف عاطف، أحمد نصيح، أحمد عوينتي، سعيد شهب، محمد بارغا، …).
كما أسفر التئام هذه المجالس عن سلوكات مرافقة لارتياد مقهى شهرزاد داخلة في العلاقات التكوينية القائمة على نظام تعاوني ملحوظ قائم على معايير الجماعات، مما ساهم في صناعة حياة مدنية صاخبة عاشتها أركان مقهى شهرزاد، تمكنت على إثرها مجموعات من شباب المنطقة من إعادة تشكيل الدينامية الجمعوية بالمدينة، هؤلاء انتظموا في إطارات جمعوية مختلفة (جمعية الطفولة الشعبية، الجمعية المغربية لتربية الشبيبية Amej ، جمعية التربية والتخييم، الكشفية الحسنية، الكشفية الإسلامية،…)، وكانت معظم مبادراتهم تنطلق من هذا الفضاء اعتبارا لبنية الاستقبال المحدودة التي لا تسمح باستيعاب أفواج الشباب المتعطشين للتكوين التربوي والثقافي، نظرا لتواجد دار شباب وحيدة بالمدينة يحج إليها كثير من الناشئة من مختلف المدن المجاورة (الدشيرة، أيت ملول، بنسركاو)، وتضم قاعتين رئيسيتين للتنشيط ومكتب صغير للاجتماعات، لذلك صارت مقهى شهرزاد متنفسا لهؤلاء من أجل عقد اجتماعاتهم وتنسيق جهودهم ووضع برامج عملهم.
لقد كانت مقهى شهرزاد بمثابة المكان الثالث الذي وفر الحاضنة الأساسية لحركة جمعوية استطاعت تنظيم الوقت الثالث لناشئة المدينة، وترتيب أولويات عملها التربوي كرافد مهم من روافد المجتمع المدني بإنزكان، وقد شهد الطابق العلوي لمقهى شهرزاد اجتماعات الكثير من الجمعيات التربوية إدادا للأنشطة الأسبوعية التي تنظم بدار الشباب أو استعدادا للمخيمات التربوية بمختلف مراحلها الصيفية، أو تهييئا للدخول التربوي بداية كل موسم حيث كانت توضع البرامج السنوية وتحدد المراحل التكوينية للأطر، واعتبرت المقهى حينها بديلا أمام الخصاص الذي يعرفه واقع المدينة على مستوى البنية التحتية الثقافية التي لا تتسع للدينامية التربوية الملحوظة التي عرفتها خلال الثمانينيات والتسعينيات من القرن العشرين، ولم يقتصر الأمر على المجموعات التربوية فحسب ولكن برزت تشكيلات ثقافية متناغمة من حيث الاهتمامات[8] ساهمت إلى حد بعيد في تحقق الوظيفة الكامنة لمقهى شهرزاد حسب مفهوم التحليل الوظيفي عند عالم الاجتماع الأمريكي المعاصر “روبرت ميرتون” Robert Merton، حيث يمكن اعتبار نتائج التجمعات الثقافية بالمقهى إحدى الوظائف المستترة التي تتحكم في البناء الاجتماعي[9] من خلال القيم المعيارية المنتظمة والتي توجه سلوك الأفراد داخل جماعة ما نحو تشكيل هويتهم الثقافية المشتركة. حتى غدت حلقات مفتوحة ونواد يومية غير معلنة ومواعيد تضبط على ايقاعات نفسية جعلت من ارتياد المقهى طقسا يوميا بعد المشاغل المهنية المختلفة، وملاذا للروح للحصول غذائها.
إن رمزية الفضاء الموغل في البساطة يجعل مقهى شهرزاد موئلا روحيا لمرتاديها من المثقفين والأدباء والسياسيين والرياضيين، فهي إلى يومنا هذا لاتزال تحتفظ بشكلها التقليدي القديم وطابعها الدافئ مع إصرار مالكيها على الإبقاء على هذا النمط العتيق قائما رغم التحولات الجارية في عوالم المقاهي وفي محيطها تحديدا حيث ظهور أشكال جديدة من المقاهي ببنية إيوائية مغرية فيما يمكن وصف اللجوء إلى هذه المقهى بالهروب من الحداثة المفرطة ونتائجها الكارثية على مستوى الهوية والإبداع والانتماء،حيث لازالت مقهى شهرزاد ملتزمة بخصوصيتها المميزة من حيث تصميمها وشامخة بعراقتها، أرضية عادية ومداخل قديمة مؤدية إلى الفضاء الداخلي على شكل طولي يتركز أثاثها في بساطته على الخشب (كراسي صحية، الجدران الداخلية، منضدة المطبخ واستقبال الطلبيات..)، وعلى جدار المقهى علقت ساعة دائرية قديمة وصور معبرة في إطار خشبي يعود إلى خمسينيات القرن العشرين، ولعل مقهى بهذه المواصفات تصير مركزا للنقاشات السياسية كذلك، لا سيما مع توافد حساسيات من مختلف الأيديولوجيات والمدارس والتيارات الفكرية والاجتماعية فتتحول شهرزاد من مقهى ثقافي إلى مقهى سياسي يحتضن التشكيلات السياسية المنسجمة، ( يساريون من مختلف المشارب: الشبيبة الاتحادية، بعض نشطاء الحركة الاتحادية الاتحاد الاشتراكي، الطليعة، منظمة العمل، النهج الديمقراطي، الفصائل الطلابية الجامعية، رواد الحركة الأمازيغية). كما عرفت جلسات خاصة بالنقابيين خصوصا الكونفدرالية الديموقراطية للشغل، الاتحاد العام للشغالين، الاتحاد المغربي للشغل) واستطاع كل ذي قضية يرتاد هذا المكان محملا بآمال عريضة في بناء مجتمع قائم على قيم الانسانية والعدالة والمساواة.
خاتمة
تحولت مقهى شهرزاد إلى فضاء اجتماعي مهيكل حصلت فيه تقاربات كثيرة للأفراد، وساهمت في تهيئة مختلف التوافقات حتى غدت كغرفة لتدبير الشأن الاجتماعي المشترك، وأصبحت من شروط الحياة المدنية المتوازنة المتصالحة مع الهوامش هروبا من تفاهات اليومي وإعلان الانتماء إلى أنساق رمزية مبنية على تعاقدات اجتماعية تضم المشترك من المعاني والأفكار والقيم والسلوكات والأفعال المجسدة للوجود المادي المنتقل من التجريد إلى مضمار التنزيل العملي في مساحة ذهنية خلقت هوية مكانية منحت الجلسات دلالات معينة جمعت بين المهتمين من مختلف المجالات النشطاء من حاملي القضايا المدافعين عن القيم بعيدا عن ثقافة القسر والقهر والإكراه، قلعة الحلم في إطار طقوسية جمعية تحتفي بالمكان وتعيد صياغة تفاصيله انطلاقا مما يدور فيها من الآراء والتداول والنقاش الحر لكونها ملتقى قار للشعراء والأدباء والفنانين ورجال السياسة الذين اتخذوها مساحة للحرية المؤسسة للتواصل الفعال والناجع في سياق التحولات الإنسانية وحولياتها.
الإحالات
[1] – هدى الزين، المقاهي الأدبية في باريس حكايات وتاريخ ، الهيئة المصرية العامة للكتاب 2014،ص:7.
[2] – نفسه ص: 39.
[3] – أمين الزاوي، المقهى فضاء للحرية والإبداع والاستخبارات أيضا، اندبندنت عربية، على الرابط https://h1.nu/1hOUH منشور يوم: الخميس 09 مايو 2024، 00.00 (شوهد يوم: 20 أكتوبر 2025).
[4] – محمد عاطف غيث، قاموس علم الاجتماع، دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية، ص29.
[5] – فايز كمال شلدان، دور الجامعات الفلسطينية في محافظات غزة في تعزيز القيم الاجتماعية لدى طالباته وسبل تطويره الجامعة الإسلامية نموذجا، مؤتمر تربوي، القيم في المجتمع الفلسطيني واقع وتحديات، جامعة فلسطين، كلية التربية، ص10.
[6] – HABERMS J : DROIT ET DEMOCRATIE tr . Bouchindhomme et Rochlitz gallimard 1997 p387.
[7] – عز الدين بشقة، الجماعة البشرية من التشكيل إلى الديناميكية، مخبر بنك الاختبارات النفسية والمهنية والمدرسية، جامعة باتنة1، مجلة الروائز العدد02،ديسمبر 2019، ص69.
[8] – في جلسة ماتعة خاصة جمعتني بالصديقين : الناقد الدكتور عبد الرحمن تمارة والناقد الدكتور عبد العاطي الزياني يوم: الجمعة 24 أكتوبر 2025م بمقهى السعادة مساء أسر إلى الأول إلى أن الطابق العلوي لمقهى شهرزاد كان محجه هو والقاص المغربي الراحل عبد اللطيف الزكري وهشام فتح الله وقد خصصوا مساء السبت من كل أسبوع لمذاكرة الكتب التي عكفوا على قراءتها خلال أسبوع ومتابعتها بما يلزم من التقديم والقراءات النقدية تليها مناقشات طويلة.
[9] – رباح مجيد الهيتي، روبرت ميرتون، النظريات الاجتماعية، جامعة الأنبار، ص5. على الرابط https://2u.pw/5xXjip (شوهد يوم: 25 أكتوبر 2025).
كاتب من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي
