الرئيسية / إبداعات / طويهرة – محمد ضرفاوي

طويهرة – محمد ضرفاوي

طويهرة

محمد ضرفاوي*

طويهرة محمد ضرفاوي

اسمه الحقيقي “الطاهر”، ولكنه يُعرف عند كل ساكنة مكناس بـ “طويهرة”.

متوسط الطول، بنيته الجسمانية التي تشبه العدائين الكينيين تؤهله لأن يكون عدّاءً للمسافات الطويلة والماراثون من الطراز الأول. لون وجهه أصبح شديد السمرة من فرط تعرّضه للَهيب شمس مكناس الحارّة، فقد كان يجوب مدينة مكناس في اليوم طولاً وعرضاً، شرقاً وغرباً، شمالاً وجنوباً، مثل عدّاء محترف وزيادة!

عند الصباح تراه بحي بني محمد، وعند المساء تشاهده بحي وسيلان، وفي الليل ترمقه بحي الزيتون، وهو يجري طبعاً، وهكذا دواليك.

“طويهرة” كان مفتوناً برياضة الجري، وكان بعض الخبثاء – لا سامحهم الله – ينعتونه بالأحمق ساخرين منه، لكنه في نظري كان أعقل منهم جميعاً!

كلما صادفته تلمحه يجري بدون توقف، كثير الحركة، لم يتسنَّ لي أن شاهدته يوماً واقفاً، وحتى إذا لمحته واقفاً، عندما تدنو منه تراه يجري في مكانه كأن قلبه يوجد تحت قدميه! وعلى ذكر القلب: فقد حدث مرة أن طاف حول بحيرة “صهريج السواني” أكثر من خمس دورات خلال شهر رمضان المبارك، وذلك في عزّ الصيف، ودرجة الحرارة تتجاوز الأربعين، وهو صائم بطبيعة الحال. وكانت جماهير غفيرة تتابعه عن كثب، وهي مذهولة بما يفعله هذا المغامر، وقد قام بعضهم بتوقيفه عنوة خوفاً على حياته، وبعد ذلك شرعوا بتحسُّس قلبه، فوجدوه قد توقف عن النبض، ومع ذلك بقي “طويهرة” يتنفس، وهو في كامل قواه، والكل أصابه الذهول أمام هذا الحدث الاستثنائي غير المسبوق!

في إحدى المرات، وفي ذروة البرد هذه المرة، وبينما كنت أهمّ بدخول باب “إعدادية جابر بن حيان” بحي الزيتون أيام دراستي الإعدادية هناك، شاهدته بأم عيني يعدو مثل كلب “سلوقي” حول ملعب “بادو” الرملي المجاور للإعدادية، وهو بقميص صيفي وبدون نعل، بينما أنا ورفاقي التلاميذ تصطك أسناننا، وترتعد أيدينا وأرجلنا من شدة البرد. أما “بطلنا” طويهرة فقد بقي يجري ويركض برشاقة متناهية، وبخفة عالية مثل غزال كيني، غير مبالٍ تماماً كأنه يتعاطى المنشطات، ومحتفظ كعادته بابتسامته الطفولية البريئة التي لم تفارق محيّاه قط!

أما صديقه “اللدود” فقد كان البطل سعيد عويطة، إذ لا يكاد يمر يوم دون أن ينال منه بشتائمه الملونة، والتي غالباً ما تكون تحت الحزام! وكانت الجماهير المكناسية آنذاك تجهل تماماً طبيعة الخلاف الذي بينه وبين سعيد عويطة، هل هو خلاف شخصي ناتج عن نجاح عويطة في حصد الألقاب العالمية، أم يدخل في خانة المقولة المأثورة: “أخوك في الحرفة عدوك؟!”.

كذلك إلى جانب عشقه لرياضة الجري كان ولوعاً بكرة القدم، ويعشق فريق “النادي المكناسي” إلى درجة الجنون، وذلك في أيام عزّه إبان الزمن الجميل الزاهي، لدرجة أنه كان يصاحبه في أغلب رحلاته في ربوع البلاد، وقد كان يرافقه مشياً على الأقدام، حيث كان يسير بمحاذاة السكة الحديد، فيشاهد المباراة ثم يعود أدراجه، ولا يهمه كم ستستغرق رحلة العودة، المهم عنده هو رحلة الذهاب التي كان يجدُّ في السير لكي يتسنى له متابعة المقابلة في وقتها. وكان الجميع يتعجب لقدرته الخارقة ونَفَسه الطويل اللذين لا يتأتيان لأي كان!

عندما يشارك طويهرة في إحدى تظاهرات الجري التي كانت تقام “بحلبة” الأكاديمية العسكرية بمكناس، كان لا يسلَم الشقي من الضرب والركل من الخلف من طرف أفراد طلبة العساكر المشاركين في سباق الجري – وكنا شهود عيان على ذلك – من أجل أن يتراجع، ويفسح لهم المجال لكي يفوزوا بالصفوف الأمامية، ولو كان ذلك على حساب طويهرة المغبون، والمغلوب على أمره؛ لأنه كان وحيداً وليس له من يذود عنه، أو ظهر قوي يسنده. وهكذا كان يُهزَم في كل السباقات التي كان يجريها رغم أنه هو الأحق بالفوز.

عند انتهاء السباق بهزيمته يجلس على الأرض وهو يجهش بالبكاء مثل طفل صغير، يطلق صرخات مدوية: “لماذا يظلمونني هؤلاء العساكر؟ لماذا دوماً يسرقون مني الفوز؟ هل لأني أعزل في هذه الدنيا وليس لي من يدافع عني؟ هل لأني أنتمي إلى الطبقة المسحوقة والمهمشة من الشعب؟! اللهم اشهد أنني مظلوم فانتصر!”.

وأمام هذا المشهد الحزين الذي يتكرر في كل سباق كنا نتحلّق حوله ونحن نعانقه، وأحياناً يؤثر فينا بكلماته ونشاركه البكاء، معبرين له عن تضامننا معه، فنقوم بقصارى جهدنا للتخفيف عن مصابه الجلل قائلين له مازحين: “إذا ركلك العسكر من الخلف يا طويهرة بطلنا الصنديد، فاعلم علم اليقين أنك في المقدمة! واعلم ولو لم تفز فأنت في نظرنا الفائز، وإن لم تنل ميدالية فأكبر ميدالية تنالها هو حبنا المطلق لك، وتعاطفنا اللامشروط معك! ومدينة مكناسة الزيتون ببشرها وحجرها ونباتها وأرضها وسمائها، وهوائها ومائها: فخورة بإنجاب بطل كبير مثلك، وإن همّشوك، وخذلوك، وإن لم يعيروك اهتماماً فأنت بالنسبة لنا ذلك البطل العالمي المِغوار الذي لا يُشَقّ له غبار!”. فيهداً قليلاً، ويبتسم في وجهنا، معبراً عن امتنانه وشكره لنا.

وفي اليوم الموالي يعود طويهرة لممارسة هوايته المفضلة ألا وهي الجري: فيجوب مدينة مكناس كعادته طولاً وعرضاً، شرقاً وغرباً، شمالاً وجنوباً، دون أن يتوقف أو يعتريه العياء، زاهداً فيما سيأتي، ناسياً ما قد مضى.

كاتب من المغرب مقيم بإسبانيا

عن madarate

شاهد أيضاً

المقامة العربية القديمة: البنية والخصائص الأسلوبية – اسماعيل المركعي

اسماعيل المركعي* مقدمة اشتهر فن المقامة على يد بديع الزمان الهمذاني في القرن الرابع الهجري؛ …

اترك تعليقاً