وخير جليس في الزمان كتاب
قبل البدء عاليا وبعيدا مسقط رأسي التسامح (الجزء الثاني)

إسماعيل محمد فال هموني*
-6-
التَّسَامُح يَقِينُ النِّسْيانِ
مَا يَنْسَاهُ الوَقْتُ يَحرُسُهُ القَلْبُ؛ يصَّاعَدُ في عَلياء الذكرى أندلساً تقترف ما لا يمكن، أبداً، الوصول إليه خارج الاحتمال. للذكرى شروق الْمُكَابَرَةِ يُطِيلُ الْمُكُوثَ فِي الذَّاتِ، وَلَا تَشَابَهَ في التناقض.
اقتربْ
تمدَّدْ على جلد الشمس
كل الإقامة في الترحال وطن إلى حين استيقاظ الورد.
عاليا وبعيدًا مسقط رأسي التسامح، لا خَرَابٌ في انتمائي، ولا مديح سوى للشموخ بايعتني أنفاسُ الفَجْرِ، وَكَلَّمَتُنِي أَشْوَاقُ البَحْرِ.
تاريخي يقين السطوع، يُرتل نخيلي نشيد خيلى، وقُرآني منفاي في الحب كُلَّمَا زَاغَتْ عَيْنِي فتكة الزعتر، وسطوة النعناع.
-7-
هل التسامح حَوْضٌ مِنْ أَقْصَى النَّقْصَانِ؟
كأن الغرابة لاحق لا يلحق، إرهاق، وتباطؤ، شرود يشربه السهو. في ولوع المدى مدائن مِنَ النَّقْصَانِ تَتَشَرُّدُ أَو يَتَوَسَّدُها الحلم الضحوك، وتنفلتُ في السهو وطنا يُقِيمُ في التذكر.
هذا انفلات يُشبِهُ جفونا مُسبلة طمرتها أوجاع المنافي أو صفات البلاد البعيدة. هل النُّقْصَانُ هُوِيَّةٌ لِجِهَاتِ التَّشَرُّدِ؟
لا يَغْتَسِلُ الضَّوْءُ إِلا فَجْرًا عَلَى عَتَبَاتِ البَحْرِ، فَتَعْثُرُ اليَنابِيعُ عَلَى انْسَاعِ حَمِيمَةٌ فِي مَفَاتِنِ النُّقْصَانِ.. لِلنقَصَانِ مَا وَرَاء تَسْتَرِيحُ فيه الفِضَّة، ودمالج الحَيَاةِ، كَأَنَّهُ كَلِمَاتُ الْبَحْرِ تَفِيضُ مِنْ رَملِ الحَقِيقَةِ. فِيه ما خبَّأتهُ أُمِّي، وَحُلْمُ طِفْلٍ خَبَّأْتُهُ يَقظَةٌ يَافِعَةٌ فِي عُيُونِ الفِتْنَةِ .. التَّسَامِحُ إِدْرَاكُ نقْصَانِ الْمُسْتَقْبَلِ بَين ثنايا الأَسْمَاءِ.
-8-
hلتِّسَامُحُ الآن دَائِما؛ غَارِقًا فِيمَا مُضِيٌّ لا يَكُونُ الآن، ذَائِبًا فِي مَخْزَنِ الوَقْتِ يَكُونُ الآن صُدْفَةً.. في الضَّوْءِ يُرَتِّبُ الآن أَشْيَاءَهُ، يَخْتَرِعُ نِدَاءَهُ، وَخَطْوَهُ، وَانْفِلَاتَهُ، وَحَيَاتَهُ، وَمَوْتَهُ يَعْرِفُ ما ليس له، ويُشيحُ بِنَظرِهِ عَمَّا لَيْسَ لَهُ وَجْهُ.. أَسْأَلُ الآنَ، مَا الَّذِي يَكُونُهُ التَّسَامُحُ دَوْمًا؟
– التَّسَامُحُ لَا يَتَعَثَرُ فِي مُرُوجِ الذَّهَبِ إِلَّا بِالذَّهَبِ
– حاضرٌ الآن وَهنا.
لا ينسى أنه غيمة لم تلق بها بعد حمرة، ولو من يد شاعر ملهوف.. يبدأ كل شَيءٍ مِنْ المحو، يرقب الأسافل قبل الأعالي، ينفرد بالغامض، يتعايش مع الأَضداد يَمْشِي، كَالضوء نحو الذكرى.
بين المرئي واللامرئي يقف شاخصا يضيءُ العتمات، ويرمِّمُ تاريخ الفقد على نحو لا ينسى أصغر اللحظات.
-9-
التَّسامُح جَنَّةٌ ضائعة، وطفولة باقية.
هي جنة اندلعت فيها لغة الذاكرة، باذخة كرقص القَلْبِ، فِيهَا اشْتِهَاءٌ مُفْتُونٌ، مَا انْفَكَّ يُدَارِي تَكْرَارَهُ بحدِّ الاستثناء. لم تكن الطفولة صبحا عَابِرًا، فِيهَا قَمَرٌ يَحِنُّ إِلَى مَضَاجِعِ العاشقين.. هناك، ينبثق للنبل كلام يورق في كتاب الحنطة، له الملك، ولَهُ الشَّكُّ تُرْجُمَانٌ شَتول في أماسي الفضة.. قُلْتُ لِلْجَنَّةِ تَعالى أُسري إِلَيْكَ إسراء مُقَدَّسا في ليل أخضر، على براق الحنين، هُوَ ذَا وَطني المفتون باليقين.
سفكت طفولة البحر على نصوص العاشقيْن، ورَأَيْتُ التسامح يُشرِقُ في أندلس يَسْطُعُ مِنْ شِفَاهِ الفِضَّةِ حلما فَاتِنَا في صَلَواتِ امْرَأَةٍ لا تضاهى بياضًا، عَلَى تُفاحِهَا مِيعَادُ لِلسُّفْكِ الْمُبِينِ.
-10-
التَّسَامُحُ رِئَةُ المَكَانِ
هواء القلب الحب، تشرق انداؤه من جميع الجهات، العُمْرُ فِيهِ شِرَاعٌ، وَالْفِضَّةُ نون المكان. جدول نيروز، في عيده الكوثر رئة المكان.. تجيء المرايا مُشْرِقَة في عيد الفرح، إذ الحلم طالع في فجر الليل.. ها زهو الداليات يفيض مِن صَبوَاتِ الرُّوحِ، كَمْ جَنَّةٍ تَرَاقَصَتْ أَنْفَاسُهَا على الأسماء، وقد علمني حبها أن أكون رئة التباريح، سَطْوَةٌ فَارِهَةٌ تُوَطْدُ اعْتِرَافِي البَهِيجَ بسُهَادٍ الملائكة، كأن صباح الكبرياء نشيدي. وهذا المكان شَيدَهُ البَحْرُ فِي كُفُوفِي وَأَعْلَاهُ سَنَامًا تَرْعَاهُ ألوان الفراشات… ليغرق العمر في صبوات الفضة، أحلامه بهاء المكان، لسانه جداول القصيدة ساطعة في بياض المسافات. فأربي رئة الوقت أشجارا خضراء تفوح منها الموسيقى الروح صادحة في ربيع الملائكة.
شاعر وناقد من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي