الرئيسية / الأعداد / السرد النسوي وما وراء القصّ التاريخي: نحو إعادة تخييل الذاكرة الأنثوية وتفكيك المركز الذكوري في الخطاب السردي المعاصر- عبد الغفور روبيل

السرد النسوي وما وراء القصّ التاريخي: نحو إعادة تخييل الذاكرة الأنثوية وتفكيك المركز الذكوري في الخطاب السردي المعاصر- عبد الغفور روبيل

السرد النسوي وما وراء القصّ التاريخي: نحو إعادة تخييل الذاكرة الأنثوية وتفكيك المركز الذكوري في الخطاب السردي المعاصر

عبد الغفور روبيل*

 

عرفت الرواية المعاصرة تحولات جذرية على مستوى البنية والمضمون، خاصة بعد ظهور تيارات ما بعد الحداثة، التي دفعت السرد نحو مساءلة أنماطه التقليدية ومحاولة تجاوزه، وإعادة بناء العلاقة بين التخييلي والتاريخي؛ الذين يشكلان ذاكرة النص والروح التي ينبض بهما. ومن بين أبرز هذه التحولات، نجد السرد النسوي الذي برز بوصفه خطابًا أدبيًا مضادًا، يسعى إلى إعادة كتابة الذات الأنثوية وتشكيلها خارج هيمنة السرد الذكوري. وقد التقى هذا السرد مع ما يُعرف بـما وراء القصّ التاريخي، الذي يُخضع المادة التاريخية لإعادة التفكيك والتركيب، مبرزًا نسبية الحقيقة التاريخية، وهادمًا حدود الوثيقة والخيال، مما يفسر نشوء الرواية النسوية ما بعد تاريخية، التي تُعيد كتابة الذاكرة من منظور أنثوي، وتهدم صورة المرأة النمطية من ذاكرة التاريخ الرسمي.

في خضم هذا التحول السردي، برز صوت المرأة الكاتبة بوصفه فعل مقاومة، ومساحة للبوح واستعادة الكينونة؛ لأن المرأة لم تعد متلقية صامتة، بل ذاتًا تكتب نفسها، وتكشف هشاشة الصور الجاهزة التي حاصرتها لعقود. لذا سعت الكتابة النسائية عبر السرد، إلى اختراق عالم الإبداع الذي ظل لزمن طويل خاضعًا لهيمنة النظام البطريركي أو المؤسسة السلطوية، حيث كانت المرأة في ظل هذا السياق، مجرد متلقٍّ صامت، غائبة عن الفعل والقرار، محرومة من هويتها ووعيها بذاتها، ومُختزلة في كونها موضوعًا للاستهلاك، لا ذاتًا فاعلة.

وبناءً على هذا الوعي بالإقصاء الرمزي والمادي، جاءت محاولات الكاتبات لتكسير الصمت القسري وتحويله إلى صوت تعبيري داخل النص، صوت يحمل ملامح الهوية الأنثوية ويعيد تشكيلها على قدم المساواة مع الرجل. عبر السرد تسعى المرأة الكاتبة إلى البوح بتجربتها الخاصة، وكشف المعاناة النفسية والاجتماعية التي تعيشها نتيجة القهر الرمزي والمادي، الذي مارسه عليها المجتمع الأبوي عبر العصور، سواء على مستوى الواقع أو في تمثلات اللاوعي الجمعي.

وامتدادًا لهذا التحول في تمثل الذات والكتابة، أصبحت الكتابة فعل مقاومة، ومساحةً للعزاء والتعويض، تُفرغ فيها المرأة ما راكمته من قهر وتشييء وإقصاء؛ لأن هذه الأصوات النسائية بدأت تُبرِز عمق التجربة الأنثوية وشرعية تعبيرها، فقد شجعت الحركات النسوية على دعم هذا التوجه، والدفع نحو الاعتراف بالكتابة النسائية كمنتج معرفي وجمالي يستحق التقدير، والتفاعل معه بجدية في مختلف الحقول الإبداعية والفكرية.

يعرف محمد قاسم صفوري السرد النسوي بكونه: “ذلك السرد الذي تكتبه المرأة متحررة من أغلال الأعراف الأدبية الذكورية، معتمدة فيه على تجاربها الذاتية، جاعلة همها الأول قضية المرأة وموضعتها في مركز النص الأدبي”(1)، من هذا المنطلق ارتبط السرد النسوي بما تنتجه المرأة من نصوص، تتجاوز فيها القيود التي فرضها النظام الرمزي الذكوري عبر التاريخ، حيث سعى هذا النظام إلى فرض نماذج مركزية للكتابة تملي على المرأة الكتابة وفق منظور رجولي، مكرّس لهيمنته ومقوّض لتجربتها الخاصة.

أمام هذا الواقع اتجهت الكاتبة إلى ذاتها باعتبارها منطلقًا للتحرر والتعبير، لتعيد صياغة علاقتها بجسدها، وذاكرتها، وتجربتها اليومية، مما يفسر  انطلاقتها من الخاص نحو العام، من الذاتي إلى الجماعي، في محاولة لتأنيث الفضاء السردي وإبداع لغة أنثوية مغايرة، قادرة على مساءلة المنظومة الأدبية السائدة، ومجابهة اللغة الذكورية التي سادت لقرون طويلة بوصفها معيارًا وحيدًا للتعبير.

إن جوهر السرد النسوي لا يقف عند استعادة الصوت فقط، بل يتعداه إلى تفكيك خطاب السلطة، وفضح آليات التهميش والإقصاء التي مورست ضد المرأة، ليس فقط في الواقع، وإنما أيضًا في المتخيل الأدبي وفي التدوين التاريخي. فالسرد النسوي لا ينحصر في طرح قضايا المرأة فحسب، بل يتجاوز ذلك إلى مساءلة البنية اللغوية والسردية ذاتها، التي لطالما خضعت لتمثلات الرجل وتصوراته.

في هذا الأفق يمكن النظر إلى هذا السرد، بوصفه ثورة رمزية ضد مركزية الرجل في اللغة والتاريخ، من خلال اعتماد تقنيات فنية حديثة مثل تعدد الأصوات، والانكسار السردي، والحكي بضمير المتكلم، مع توظيف لغة ذاتية، شاعرية، وحميمة، تنقل التفاصيل الدقيقة للوجود الأنثوي. إنها كتابة تسعى إلى إعادة الاعتبار لتجربة المرأة، بوصفها مركزًا لا هامشًا، وصوتًا لا صدى.

وليس من الغريب في هذا السياق، أن يلتقي السرد النسوي مع ما يُعرف بما وراء القصّ التاريخي، الذي يعد نمطا من الكتابة، والذي لا  يكتفي بمساءلة التاريخ، بل ينخرط في خلخلته وإعادة بنائه، عبر تخييل واعٍ يفضح آليات التوثيق السلطوي، ويكشف هشاشة ما نُسج بوصفه “حقيقة”.

تُعرف الناقدة ليندا هتشيون مفهوم ما وراء القصّ التاريخي بأنه “رواية تخييلية تعي ذاتها وتنتقد التاريخ في الآن ذاته، من خلال كشف بنيته الخطابية وتناقضاته”(2)، وتكمن أهمية هذا الشكل السردي في كونه يمنح المهمّشين إمكانية الظهور داخل تاريخ كُتِبَ غالبًا بأقلام المنتصرين، مما يجعله وسيلة لإعادة التوازن السردي، عبر مساءلة النسخة الرسمية للتاريخ وكشف طابعها الإيديولوجي.

وَتُعَـدُّ هتشيون ما وراء القصّ التاريخي أحد الأشكال المميزة للسرد ما بعد الحداثي، لرفضه إسقاط القيم والمعايير المعاصرة على الماضي، ولتأكيده على خصوصية الحدث التاريخي وفرديته، دون إخضاعه للأنماط التبسيطية أو التبريرية، كما يشتغل هذا النمط السردي على تفكيك السرديات التاريخية الكبرى، وفضح بنيتها المصطنعة، عبر تقنيات مثل الاسترجاع التهكمي، والمحاكاة الساخرة، ودمج الشخصيات التاريخية مع المتخيلة. فالرواية ما بعد الحداثية، حسب هتشيون، تتميز بانعكاس ذاتها داخل النص، ومع ذلك فهي في تناقض مع السرد التاريخي الرسمي، حيث تمارس نوعًا من “التخريب” بهدف الكشف عن الذاكرة المكبوتة، وإخفاقات التوثيق التاريخي، سواء أكانت ناتجة عن قصد أم عن تجاهل ممنهج.

مما يفسر تداخل بنية ما وراء القصّ التاريخي مع تقنيات ما وراء القص عمومًا، إلا أن خصوصيته تكمن في انشغاله بالتاريخ، سواء كموضوع أو كبنية قابلة للتأويل والشك. إذ يسعى هذا النوع من السرد إلى تقديم تفاصيل تاريخية معروفة، تم تشويهها أو إسقاطها عمدًا، ليُظهر هشاشة الوثيقة الرسمية، ويُلمّح إلى إمكانية الخطأ أو التواطؤ في كتابة التاريخ.

وفي هذا السياق، تلتقي الكتابة النسوية مع ما وراء القصّ التاريخي في تفكيك النسخة الذكورية من التاريخ، وكشف آليات تهميش المرأة وإقصائها من المتن التاريخي. فالروايات النسوية غالبًا ما تنطلق من وعي نقدي بأن التاريخ الرسمي كُتب بأقلام الرجال، وفقًا لتمثلاتهم الخاصة، وقد تعمّد استبعاد النساء أو تصويرهن بطريقة تقليدية نمطية، لذا تسعى الكاتبة إلى استعادة حضور الأنثى عبر إعادة تخييل الماضي من منظور أنثوي، وتفكيك السلطة الذكورية المتغلغلة في السرد، واللغة، والذاكرة الجماعية.

كما تتخذ الكاتبة من اللغة ساحة للمقاومة، فتُحرّرها من النسق الذكوري الصارم، وتعتمد أسلوبًا ذاتيًا، شعريًا، حرًا، يفتح المجال أمام الحواس والتجربة الجسدية والوجدانية، وتُوظف التخييل بوصفه أداة لخلق تواريخ بديلة، تمنح المرأة وجودًا سرديًا لم يكن ممكنًا في الرواية الرسمية، مما يجعل هذه الكتابات بمثابة أرشيف تخييلي للهامش.

وتظهر ملامح هذه الاستعادة كذلك من خلال بروز الجسد الأنثوي والذاكرة الشخصية كوثائق سردية، بل وكبدائل أكثر صدقًا من الوثائق التاريخية ذاتها، لكونها تنقل الألم، والمقاومة، والحياة المعيشة من الداخل. وهكذا تُعيد الكتابة النسوية تشكيل الفضاء التاريخي، الذي طالما احتكره الذكور، عبر تأنيث الأماكن كالمدينة، والمنزل، والسجن، والشارع، وتحويلها إلى فضاءات للبوح والتمرد والتخييل.

لتوضيح هذا التداخل بين السرد النسوي وتقنيات ما وراء القصّ التاريخي، يمكن استحضار رواية “ذاكرة الجسد” لأحلام مستغانمي، التي تمثل نموذجًا بارزًا لإعادة كتابة التاريخ من منظور ذاتي-أنثوي، فالرواية تنفتح على تاريخ الجزائر ما بعد الاستعمار، لكنها لا تقدمه في سردية بطولية تقليدية، بل تُعيد مساءلته من خلال علاقة حبّ متصدعة بين الرسّام “خالد” و”حياة”، ابنة الشهيد، حيث يتحول الجسد الأنثوي إلى وعاء للذاكرة البديلة، ويصبح الصوت الأنثوي المقموع سابقًا أداة لتفكيك التاريخ الرسمي والذكوري، نظرا لتميّز الرواية بتقنيات ما وراء القص، من خلال وعي الذات الساردة بفعل الكتابة، وتوظيف التداخل بين التخييلي والتاريخي، وكأن الرواية تقول إن التاريخ الرسمي لا يكتمل إلا برواية النساء، باعتبارهن الناطقات باسم التجربة المسكوت عنه.

فالجسد في هذه الرواية لا يظهر كجسد شهواني بل كوعاء للذاكرة والتاريخ، ووسيلة لتعرية العنف الرمزي الذي مارسته الدولة على النساء باسم الوطنية. كما تبرز الرواية وعيًا سرديًا حادًا بالفعل الكتابي، حيث تتداخل الرسائل واليوميات والاعترافات، بما يجعل القارئ في مواجهة نصّ يكتب ذاته بوعي نقدي، وينقض الوثيقة الرسمية.

في هذه الكتابات يشكل الجسد والذاكرة بالنسبة للسرد النسوي، محورين أساسيين لإعادة بناء الذات، فالجسد الأنثوي في كثير من الروايات لم يعد موضوعًا للرغبة، بل وسيلة للاحتجاج وكشف المسكوت عنه، إلى جانب كون الذاكرة النسوية تعيد الاعتبار للتجربة الحياتية للمرأة، من خلال سرد التفاصيل اليومية، والتجارب الفردية، التي طالما همشتها الكتابة التاريخية.

فالروايات النسوية الحديثة – في المغرب والجزائر وتونس ومصر – أصبحت تعيد بناء التاريخ من خلال عين الأنثى التي كانت غائبة. ومن هنا تتحول الرواية إلى مساحة لمساءلة كل ما هو يقيني، وإلى منصة لنقد النسق الأبوي سياسيًا وثقافيًا واجتماعيا، من خلال مفاهيم نقدية ذات طابع نسوي.

وبالتالي يُشكل التلاقي بين السرد النسوي وما وراء القصّ التاريخي لحظة فارقة في تطور الكتابة السردية المعاصرة، لما ينطوي عليه من وعي نقدي مزدوج؛ وعي بالذات الأنثوية بوصفها ذاتًا مهمشة تبحث عن صوتها الخاص، ووعي بتاريخ مشوّه كُتب من منظور سلطوي ذكوري.

إن الكاتبة النسوية حين تُخضع المادة التاريخية للتخييل، لا تسعى إلى استعادة الحضور الأنثوي فحسب، بل تعمل أيضًا على خلخلة النسق الأبوي المهيمن الذي اختزل المرأة في صورة نمطية وأقصاها من مسرح الفعل الاجتماعي والسردي، حسب وصف السرد النسوي. وهكذا يصبح السرد أداة لإعادة تشكيل الهوية، واستعادة الذاكرة، وتفكيك المركزيات، سواء أكانت لغوية أو تاريخية أو رمزية.

فالسرد النسوي في تفاعله مع ما وراء القص التاريخي، لا يكتفي بالاستعادة الرمزية للصوت الأنثوي، بل يؤسس لخطاب سردي بديل، يُمارس مقاومة سردية عبر اللغة والتخييل، ويُعيد رسم حدود الهوية والانتماء داخل حقل الأدب والتاريخ معًا.

وبهذا المعنى، تنفتح هذه الكتابات على أفق فلسفي وجمالي جديد، يُعيد مساءلة العلاقة بين الذات والآخر، بين الذاكرة والتاريخ، وبين اللغة والسلطة، إنها كتابة تتجاوز التمثيل إلى الفعل، وتؤسس لخطاب أدبي ما بعد ذكوري، يجعل من التخييل فعلاً تحرريًا بامتياز، والجسد الأنثوي فاعلا في الكتابة.

 

الهوامش:

1-محمد قاسم صفوري، “شعرية السرد النسوي العربي الحديث”، (1980-2007)، أطروحة دكتوراه، 2008، ص 15.

2-ليندا هتشيون، “شعرية ما بعد الحداثة: التاريخ، النظرية، المتخيّل”، المركز القومي للترجمة، ترجمة السيد إمام، ص 10.

 

باحث  في مجال الأدب والنقد من المغرب                 

 

 

 

عن madarate

شاهد أيضاً

صدور رواية في استنطاق المكان بعنون: “نفى مردوخ” للكاتب عبدالحسين بريسم

  عن دار “وتريات” للنشر والتوزيع، صدرت للكاتب والشاعر العراقي عبد الحسين بريسم رواية جديدة …

اترك تعليقاً