فعل الكتابة
حوار مع المبدع المغربي الحسن زهور

حاوره الشاعر الحسَن الگامَح
1- كيف يرى المبدع الحسن زهور الكتابة بصفة عامة، وما هي رسالتها برأيك؟
ككاتب مغربي يكتب بالأمازيغية وبالعربية، أشعر بأنني مغربي مكتمل الهوية ، وهذا لا يعني أن من لا يكتب باللغتين هو ناقص الهوية، إنه فقط إحساس بامتلاك وجهين متلازمين ومتكاملين لهوية واحدة لا تقبل التجزيء. حين أكتب بالأمازيغية وخصوصا في مجال الإبداع أحس بهذا الإلهام الإبداعي يتجسد في لغة رضعتها من ثدي أمي ومن الأرض حولي بمختلف عناصرها، لغة ترتبط بالأرض وبالجذور وبالأحاسيس الثاوية في الروح ..
الكتابة لها خصوصيتها ، ولها زندها الذي يقدح شرارتها؛ تبدأ حين تحس بالأشياء حولك تذب فيها الروح فتقدح لتنفخ فيك من روحها؛ الكتابة إحساس ومتعة وتفريغ للطاقة الداخلية من أجل التغيير سواء الداخلي أو الخارجي، التغيير هنا له مسمياته حسب الغايات التي يرومها الكاتب أو المبدع، الغايات والأهداف تختلف وتتعدد وقد تجتمع وتتوحد في كاتب.. قد يجيب الكاتب : أكتب لإفراغ طاقتي السلبية، أكتب من أجل أن أغير هذا العالم نحو الأجمل والأمثل، أكتب لأوصل رسالة أود إيصالها، أكتب من أجل قضية ما، أكتب لأثبت وجودي، أكتب لأبدع ولأخلق ما لم يخلق، أكتب متحديا الموت والفناء، أكتب لأكتب… هذه بعض الوجوه المتعددة لفعل الكتابة، يمكن أن يحملها الكاتب كلها ويمكن أن يكتفي بوجه أو بوجين منها، وهذه هي الكتابة.
2- من أين استمدت تجربة الكتابة لديك، وكيف دخلت بحر الإبداع؟ وما هو أول نص كتبته (أو أول عمل بارز في حياتك)؟
الكتابة الإبداعية شعلة تقدحها قوى ما يمكن أن تكون موهبة، أو إلهام، أو رؤيا كما عند الشعراء الأمازيغ القدامى الذين يرون في الشعر هبة إلهية لن يتأتى امتلاكها إلا برضا من “أكرامagwrram ” أي من ولي ما يمنحها للمقبل على قرض الشعر على شكل رؤيا؛ لكن الكتابة الإبداعية قبل أن تكون إلهاما أو موهبة لابد لها من تلقيح يبذرها الباذر في رحم المبدع أو المبدعة، الباذر هنا هو القراءة والاطلاع على ما كتبه الأوائل والسابقون، سواء أكان كتابة أم شفاهة، ففعل الكتابة بذر، فاعتناء، ثم ولادة، إذ لا ولادة بدون تلقيح ولا عناء.
بداياتي الأولى مع الكتابة كانت في الفترة الإعدادية بمدينة بويزكارن، كيف بدأت ؟ لا أتذكر مخاض البدايات، ولا أتذكر الولادات الفاشلة أو الناقصة أو المشوهة التي لم تكتمل، لكنني أتذكر زمن الولادة الكاملة التي ظهر فيها الوليد كاملا، وجاءت شهادة الاكتمال أنذاك من أستاذ اللغة العربية الذي سمّاني أنذاك شويعرا، وأتذكر جيدا أن الشهادة كانت في القسم وأمام التلاميذ وكان المستوى أنذاك مستوى السنة الثالثة إعدادي (التعليم الإعدادي أنذاك يتكون من مستوى الملاحظة ثم السنة الأولى فالثانية ثم الثالثة )، وكان جو الدراسة مع الأصدقاء (القسم الداخلي) آنذاك يساعد على القراءة والمطالعة فالتهمت العديد والعديد من الكتب الأدبية.

بدأت كتاباتي الأولى، في هذه المرحلة من دراستي، بنظم الشعر بالعربية ؛ لكنني تخليت فيما بعد عنه، فاتجهت إلى تجربة الكتابة القصصية والمقالاتية في مرحلتي الجامعية، لكنني توقفت أيضا، وتأتي المرحلة الحاسمة في حياتي الإبداعية أثناء عملي كأستاذ للغة العربية نهاية الثمانينات بآيت ملول حين بدأت بتدوين الحكايات الأمازيغية بلغتي الأمازيغية، فأحسست بإحساس الغريب (أمزواك) الذي عاد إلى جذوره بعد تيه.
عندما بدأت بتدوين الحكايات الأمازيغية استشعرت بقوة هذه اللغة تتملكني، فكانت هذه الانطلاقة الفعلية في الإبداع والإحساس بالولادة من جديد ولكنها ليست كباقي الولادات إنها الولادة بروح إبداعية جديدة، ساعدني في ذلك ما راكمته من عملية القراءة منذ التعليم الابتدائي، واطلاعي على التجارب القصصية والروائية العالمية باللغة العربية وغيرها، فكانت تجربة الكتابة بلغتي الأمازيغية هي اللحظة الفارقة في مساري الإبداعي وجدت فيها الأداة اللغوية المشبعة بالإحساس والشعور النفسي والهوياتي والتي أستطيع بواسطتها النفاذ إلى العمق الانساني والثقافي المغربي، فكانت القصة القصيرة في بداية الأمر مجالا لقنص هذه اللحظات الإنسانية في عمقها الفردي والشخصي والاجتماعي، فبل أن أنتقل إلى مجال أرحب للتعبير عن هذا العمق الإنساني وعن الواقع الاجتماعي والإنساني، وهو مجال الرواية ..
3- أي صنف من الكتابة تجد فيه ذاتك أكثر حين تكتب (شعر، نقد، رواية..)، ولماذا؟
كما قلت سابقا بدأت الكتابة الشعرية منذ مرحلتي الإعدادية، ثم انتقلت إلى الكتابة القصصية في مرحلتي الجامعية، لكن وقع تحول كبير غير مساري الفكري و الثقافي في نهاية الثمانينات بفضل فكر ونضال الحركة الأمازيغية ، إذ وجدت نفسي كنبتة مجتثة من تربتها، فما كنت أظنه أدبا مغربيا ليس إلا وجها واحدا من الثقافة المغربية الشاملة والتي يعتبر الأدب الأمازيغي وجهه الأخر الأكثر أصالة وعمقا، لذلك بدأت بالرجوع إلى هذا الأدب في جانبه الشفوي الزاخر مبتدئا بجمع الكثير من الحكايات الامازيغية وتدوين بعضها حسب قدراتي المادية البسيطة .. اتجاهي أول الأمر إلى التراث الحكائي والقصصي الذي يزخر به أدبنا الأمازيغي كشف لي غنى الثقافة الأمازيغية بهذا النوع الأدبي القصصي المتنوع والذي لا يقتصر على فئة عمرية دون أخرى، ولا يقتصر على الجانب التربوي بل يشمل أغلب نواحي الحياة الإنسانية بما فيها التربوية والاجتماعية والفلسفية والوجودية.. وكانت البداية بنشر بعضها تباعا مع بداية التسعينات في جريدة ” أدرار” التي كان يصدرها الفقيد حمزة عبد الله القاسم وفي جريدة “تاسافوت” وفي دورية “ليبيكا” لفرع جمعية تاماينوت في الدار البيضاء، ثم جمعت ما نشرته في كتاب أصدرته سنة 1994 بعنوان ” موزيا” الذي كان بداية انطلاق مساري في الكتابة والإبداع باللغة الأمازيغية، والتي بلغت حصيلتها الى الآن أربعة عشر كتابا، منها ثلاثة كتب في الحكايات الأمازيغية، وأربعة مجموعات قصصية، وكتاب في الترجمة إلى الأمازيغية (ترجمة للقصة المطولة الشهيرة “المعطف” للكاتب الروسي نيكولاي غوغول)، وثلاث روايات، وثلاث كتب نقدية ، وكتاب نقدي في طريقه إلى المطبعة…

إذا غضضنا الطرف عن التدوين، لأن التدوين بدوره يتطلب رفع المستوى الأسلوبي والفني للحكايات لإزالة ما يعلق بها من شوائب الشفاهة، فإن جنس القصة القصيرة هو الجنس الأدبي الذي بدأت به مشواري الإبداعي في الأدب الأمازيغي الحديث لعدة أسباب، منها ما يتعلق بالأسباب الذاتية ومنها ما يتعلق بخصوصية هذا الجنس الأدبي. ففي ما يتعلق بالاسباب الذاتية والأدبية، فتمرسي أولا على تدوين الحكايات الأمازيغية ساعدنى على الانتقال من الحكاية الى القصة القصيرة، إضافة الى وجود مجال الالتقاء بين الجنسين الحكائي والقصصي ألا وهو السرد والحكي، وإن اختلفا من حيث طبيعة وتقنيات وخصوصيات مجال كليهما، إضافة الى اطلاعي على التجارب الأدبية في هذا الميدان سواء العربية منها أو العالمية، وكانت لي تجارب ذاتية في كتابة بعض القصص بالعربية في مرحلتي الجامعية.
ومن القصة القصيرة انطلقت إلى الرواية بعد عشر سنوات من التمرس في الكتابة القصصية والنقدية، فمنذ سنة 2008 أي السنة التي أصدرت فيها مجموعتي القصصية الأولى “أموسّو ن ؤمالو” اي “حركة الظل”، لم أبدأ مغامرة الكتابة الروائية إلا سنة 2018 مع روايتي الأولى المنشورة بعنوان “أغيول د ؤزݣن” أي حمار ونصف مستلهما فيها تجربة أفولاي وروايته “الحمار الذهبي” (ونفس التجربة قام بها المفكر والروائي حسن أوريد في روايته “سيرة حمار”)؛ وقد سبق لي أن كتبت أغلب فصول رواية لم تكتمل سنة 2016 بعنوان ” حمايدا”، وبقيت كمشروع يتطلب التنقيح أو التجاوز. إذ لم أدخل الى التجربة الرواية الا بعد أن راكمت تجربة سردية ونضجا فكريا يؤهلانني لخوض وسبر غمار التجربة الروائية، ومنذ دخولي المجال الروائي استهواني هذا المجال الإبداعي ولم أستطع مفارقته إلى الحبيب الأول (القصة القصيرة) فقد شغلتني عنه الكتابة الروائية والنقدية، لكن مكانته تبقى دوما في القلب..
4- هل للبيئة الجغرافية أو الثقافية تأثير على أعمالك؟ وكيف ينعكس ذلك في نصوصك؟
لا يمكن للكاتب أو المبدع أن يكون بمعزل عن التأثير البيئي والثقافي والاجتماعي للمحيط الذي يعيشه فيه جسدا وروحا أو عن المحيط الافتراضي الذي يعيشه كتابة أو قراءة. فالكتابة والإبداع لا يأتيان من فراغ، فمثلا مجموعتي القصصية الأولى “أموسو ن ؤمالو” سنة 2008 ثم مجموعتي الثانية “ئسكّاسن ن ” أي سنوات الصقيع سنة 2009 وهذه الأخيرة نلت بها جائزة الإبداع من المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، ترتبطان بالواقع الاجتماعي والسياسي المغربي الذي عشته؛ فالمجموعة الأولى تتضمن جملة من النصوص الإبداعية التي ترصد التحولات الشي شهده المجتمع المغربي بالجنوب في أغلب النواحي منها الدينية والسياسية والإجتماعية والثقافية في السبعينات من القرن الماضي، كما أن المجموعة الثانية تتحدث عن الواقع السياسي والاجتماعي في البلد ككل، وبعض نصوصها ترتبط بما كان يسمى ب”سنوات الرصاص”.
بالنسبة لي شخصيا فالمجموعة القصصية الأولى “أموسو ن ؤمالو” هي تجربة محكومة بظروفها الزمنية و الأدبية التي أعطت هذه التجربة، وهي ظروف البدايات لكنها كانت تجربة مهمة في ظروف خاصة محكومة بضعف النشر في الإبداع القصصي الأمازيغي (تم قبل ذلك إصدار مجموعتين قصصيتين بالجنوب إضافة إلى النصوص الشبابية في التسعينات المنشورة في الجرائد والمجلات الأمازيغية المعدودة، وبعض المجموعات النسوية التي تجمع بين الحكاية والقصة القصيرة )؛ فإذا قارنا هذه المجموعة القصصية والتي تلتها بكتاباتي القصصية الأخيرة أي المجموعة القصصية ” نكّي ماش ؤرد نكّي” أي “أنا لكن ليس أنا” التي أصدرتها سنة 2018 والتي اعتمدت فيها على الفانتاستيك في طرح التيمات المتناولة في نصوصها، سنلاحظ تطورا لا يخفى على الناقد، فهناك فرق في المضامين والتقنيات الفنية بين هذه المجموعة والمجموعتين السابقتين، وهذا طبيعي لأن طبيعة الأشياء هي التطور. فهذه المجموعة القصصية الأخيرة محكومة بالظروف الجديدة التي عرفتها القصة القصيرة الامازيغية ككل، أي ظروف الامتداد والتطور، استلهمت فيها – كما في روايتي الأولى “أغيول د ؤزكن”- تجربة بعض أدباء أمريكا اللاثينية الذين رجعوا إلى تراثهم الأسطوري معتمدين على جانب الفانتاستيك فيه، فأعطى تجربة أدبية وانسانية هامة أي ما أطلق عليها النقاد “الواقعية السحرية”، نفس التجربة قمت بها في هذه المجموعة القصصية وفي روايتيّ الأولى والثالثة موظفا فيها تراثنا الحكائي والأسطوري الأمازيغي (وقد سبق لبعض الروائيين أن شقوا غمار هذه التجربة : محمد أوسوس، خديجة إكن ، فاضمة فراس ومحمد أوسوس )؛ فهذه المجموعة القصصية محكومة بالظروف الذاتية للمبدع المتمثلة في تطور تجربته وعمقها الفكري والفني، فالمبدع الذي لا يتطور محكوم عليه بالاجترار، والاجترار يطفئ جذوة الإبداع.
الرواية فإنها تمنح للكاتب مجالا أوسع من جنس القصة القصيرة للغوص أكثر في مناحي الحياة النفسية والاجتماعية والفكرية للشخصيات لأن الرواية حياة. فروايتي الأولى مثلا “أغيول د ؤزݣن” 2018، هي رواية تمتح أحداثها من واقع مغربي معاصر بالبادية المغربية لتعبر عن واقع المغرب ككل، وتتخذ شخصية لها هي مثقف مجاز يتحول الى حمار بفعل حدث سحري مرتبط في الثقافة المغربية بليلة عاشوراء بطقوسها السحرية (طقس انزال القمر كطقس سحري في بعض المعتقدات الأمازيغية) . الرواية يمتزج فيها الواقع بالفانتاستيك المستمد من الثقافة الامازيغية، وتتحدث عن واقع مغربي تعيشه الشخصية الرئيسية في مجالين: مجال البلدة كمجتمع فلاحي مستقر، ومجال الرعي كمجتمع رعوي متنقل، لكن هذا الواقع الاجتماعي والثقافي والوجودي لا تنكشف خفاياه الا من خلال الفانتاستيك، ومن طرف شخصية حيوانية وانسانية في نفس الوقت، لتتناول هذه الرواية الواقع الاجتماعي والفكري والوجودي وعلاقة الواقع باللاواقع… اعتمدت في هذه التجربة الروائية الأولى على الفانتاستيك المستمد من تراثنا الامازيغي ومن تقنية سبق لروائي أمازيغي أن وظفها في أول رواية عالمية هي ” الحمار الذهبي” (كتبها باللاثينية في القرن الأول الميلادي)، فكانت هذه التقنية الروائية هي الوسيلة التي استطعت بها الولوج الى العوالم المتعددة في وجودنا الثقافي والانساني ككل، إضافة إلى استلهامي تجارب بعض أدباء الواقعية السحرية في أمريكا اللاثينية.

الرواية الثانية “تاغوفي ئسّند ؤبايور” أي ” الشوق الذي أجّجه الوباء” 2020، بطل الرواية فيها هو (ابراهيم ) مثقف وساعي بريد؛ تتتبع أحداث الرواية حالته النفسية وعلاقاته الاجتماعية زمن الحجر الصحي “كورونا” الذي حول حياته من حياة عادية رغم بعض اخفاقاتها إلى حياة استثنائية يلفها الانعزال والخوف والضياع وانقطاع العلاقات الاجتماعية المباشرة.. في هذا الجو الموبوء المدمر للذات وللروح حاول فيه البطل الهروب إلى ذكريات طفولته وشبابه اثناء دراسته وإلى ذكريات زمن ما قبل الوباء، لكن هذه لن تسعفه من مرارة الوحشة وبداية التأزم النفسي الذي يلفه. ووسط هذا الزمن الموبوء سيظهر عامل جديد في حياة البطل هذه ليغيره نفسيا وانسانيا ليواجه به هذا الوباء وليمنحه أملا، إنه الحب كعلاقة انسانية وحميمية والذي سيغير وضعه النفسي والاجتماعي المتأزم، فأعاد بذلك للبطل الإيمان بالقيم الانسانية التي افتقدها، والعودة إلى القيم الإنسانية .. ويعتمد السرد في الرواية على تقنيات فنية متعددة منها: الاسترجاع، والرسائل، والوصف، والحوار، والمونولوج، والفلاش باك، والمكالمات الهاتفية.. وتعدد الشخصيات، وتعدد الامكنة والأزمنة…
5- كيف ترى تجربة الكتابة الأمازيغية، وما هي أبرز الفرص والتحديات التي تواجهها؟
كان لظهور الحركة الامازيغية في نهاية الستينات من القرن الماضي أثره الكبير في انبعاث الأدب الأمازيغي في السبعينات والثمانينات (المقالة والمسرح والقصة..)، وستكون فترة التسعينات فترة التأسيس الأساسية لبقية الأجناس الأدبية الحديثة كالقصة القصيرة جدا، والقصة الطويلة، والرواية.. وسيظهر الأدب النسوي والترجمة في هذه الفترة.. وعرفت هذه الفترة تجارب فنية متطورة في مختلف الأجناس الأدبية الحديثة بحم أن أغلب الكتاب والمبدعين تلقوا تعليما عاليا واطلعوا على التجارب الأدبية العالمية، كما ظهرت في هذه الفترة المعاجم اللغوية الكبرى التي حاولت -لأول مرة- جمع التنويعات اللغوية الامازيغية في معجم واحد (المعجم العربي الامازيغي لمحمد شفيق)، حيث كانت معظم المعاجم السابقة تهتم بجمع تنويعة واحدة أو تنويعتين. ومع التحولات الكبرى التي شهده المغرب في الألفية الثالثة، وبعد خطاب أجدير التاريخي وتأسيس المعهد الملكي للثقافة الامازيغية، نشطت الحركة الشبابية الأدبية تدوينا وتأليفا ونظما ساهمت فيها بعض الجمعيات التي اختصت في المجال الثقافي والأدبي والنقدي كرابطة تيرا للكتاب بالأمازيغية (مع الإشارة إلى ما قامت به الجمعيات الثقافية منذ السبيعينات كالجمعية المغربية للبحث والتبادل الثقافي وتاماينوت وغيرهما)، مما خلق دينامية ثقافية وأدبية ونقدية أمازيغية بالمغرب، شجعت الكثير من الشباب على الـتأليف والإبداع والنقد في أغلب الأجناس الأدبية السردية أو الشعرية بالأمازيغية، وهو ما تعكسه الحركة الإبداعية النشطة من خلال الكثير من الدواوين والروايات والمجموعات القصصية والكنب النقدية التي تصدر اليوم بالمغرب من طرف هذه الحركة الشبابية.
وتبقى الرواية الأمازيغية، إلى جانب القصة القصيرة، من أكثر الاجناس الأدبية الحديثة التي عرفت تطورا وتحولا تيميا وفنيا كبيرا في الأدب الأمازيغي استقت تجاربها من الاتجاهات الأدبية الحديثة والمرجعيات الأدبية والفكرية والفلسفية المعاصرة.
هذا التطور والزخم الكبير، الذي عرفته الرواية الامازيغية في السنوات الأخيرة، يدل على دخول هذا الجنس خاصة والأدب الامازيغي عامة مرحلة النضج الفني، وما يزال المسار طويلا؛ فانخراط الشباب المبدع في الكتابة والانتاج والنشر معتمدا على بعض المؤسسات الرسمية كالمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، ودعم وزارة الثقافة ورابطة تيرا للكتاب بالأمازيغية إضافة إلى مجهودات بعض الجمعيات الأخرى ( أد نورو، تاماينوت.. ) وعلى المجهودات الذاتية لبعض الكتاب.. كل هذا ساهم في هذه الطفرة الأدبية التي يعرفها الأدب الأمازيغي اليوم مما ينبئ بمستقبل واعد لهذا الأدب ليأخذ مكانه المستحق بين الآداب العالمية الأخرى.

6- ما رأيك في الكتابات النسوية الأمازيغية؟ ,اين يمكننا ترتيب حضور الكتابة النسوية من خلال الإصدارات النسوية المتزايدة وحضورها في كل المجالات الإبداعية؟
دور المرأة الأمازيغية في تطوير السرد الأدبي سواء من خلال الإبداع والنقد ساهم في اغناء الأجناس الأدبية الأمازيغية الحديثة. فرغم تأخر المرأة -مقارنة مع الرجل- في ميدان الكتابة والنشر، فإن مساهمتها في الكتابة والإبداع تركت بصماتها على الأدب الأمازيغي؛ فالتجارب النسوية في ميدان االقصة والرواية تميزت بالزخم في الإنتاج وبتطوير الأشكال الفنية والجمالية؛ ففي مجال القصة مثلا، بدأت أولى الكتابات النسوية منذ التسعينات، وفي مجال الرواية مع بداية الألفية الثالثة. و كان من الطبيعي أن ينتج عن دخول الجنس النسوي ميدان الرواية تراكما روائيا نسويا مهما ينطلق من الذات النسوية بتجاربها وبعوالمها وبقضاياها.. حيث ظهرت تجارب روائية طورت كثيرا الرواية الامازيغية من حيث التيمات التي تناولتها ومن حيث الأشكال الفنية البنائية التي أضافتها وراكمتها في الجنس الروائي الأمازيغي.
والملاحظ في الرواية النسوية أنها متنوعة بتنوع مجالات اشتغالها وبتعدد الأصوات فيها، إضافة إلى تميزها بميسم يسمها هو خروجها من فضاء البادية المغربية الى فضاء المدينة عكس الرواية الأمازيغية الذكورية التي بدأت في بداياتها بفضاء البادية وبقضاياها الاجتماعية والسياسية والثقافية. فكل نص روائي من هذه النصوص الأنثوية يحمل في ذاته، كنص ابداعي أدبي، خصائصه التي تميزه عن النص الروائي النسوي الآخر؛ وفي نفس الوقت يعبر كل نص روائي من خلال التسلسل الزمني للرواية النسوية، أي من حيث ظهوره في الساحة الأدبية ، عن التنوع الفني للتجارب الروائية النسوية. فكل تجربة لها خاصيتها تعبر فيها شخصياتها الروائية عن منظور ورؤية الى واقعها الاجتماعي أو الوجودي كأنثى. والملاحظ في التسلسل الزمني للرواية النسوية هي انخراطها أكثر فأكثر في قضايا المرأة النفسية والاجتماعية..، والاقتراب من الزوايا المعتمة التي تحيط بالمرأة المغربية عموما، سواء فيما يتعلق بهيمنة المنظور الاجتماعي التقليدي التي لا يرى فيها الا أنثى أو “عورة” في بعض المناطق التي تهيمن عليها النظرة الدينية الى المرأة، أو فيما يتعلق بالقهر الاقتصادي والنفسي الذي تعانيه المرأة بصفة عامة، كما استطاعت الرواية النسوية تجاوز الطابوهات الاجتماعية أو الجنسية من خلال تعريتها وكشفها.. لذلك يلاحظ أن كاتبات الرواية الأمازيغية ابتعدن في كتاباتهن الروائية عن الهم السياسي و الهوياتي ، وأعطين أولوية للمشاكل الاجتماعية و النفسية المرتبطة بوضعية المرأة في المجتمع وبهويتها كأنثى؛ حيث انتقل الصراع من صراع عام مرتبط بواقع سياسي واجتماعي الى صراع يرتبط بما هو اجتماعي خاص بالمرأة، فأصبح الاضطهاد الاجتماعي والاقتصادي المضاعف التي تعانيه المرأة الأمازيغية هو أهم التيمات المهيمنة في الرواية النسوية كما في روايات: فاطمة بهلول، وفاضمة فاراس، وملعيد العدناني، وجميلة إريزي، وحنان أوبوتو، وزهرة ديكر، عزيزة نفيع.. وغيرهن من الروائيات ..
7- ما الكاتب الذي أثر في تجربتك الإبداعية وترك بصمة واضحة في مسيرتك؟
مجال التأثر في مجال الكتابة الإبداعية، مجال شائك، لأن الإبداع الأدبي لا يأتي من فراغ ، إذ أنه حصيلة تراكم أدبي ومعرفي أولا لتأتي الموهبة ثانيا لتصقل هذا التراكم في شكل إنتاج إبداعي تبدعه الذات الإبداعية، فالتأثر لا يمكن نكرانه أبدا لكن الإبداع يرتبط بذات مبدعة وفاعلة؛ صحيح أن الكاتب المبدع يمكن أن يتأثر في بدايات مساره الإبداعي بغيره لكن حين يغوص في عالم الكتابة والإبداع ويكتسب تجربة يخط لنفسه مسارا خاصا به في الكتابة والإبداع.
لا أخفي أنني تأثرت بعدد من الكتاب، فقد قرأت أغلب روايات نجيب محفوظ في مرحلة التعليم الاعدادي في السبعينات ، إضافة الى قراءتي للملاحم المكتوبة بالعربية كعنترة بن شداد بأجزائه العديدة ، وسيف بن ذي يزن وألف ليلة وليلة وحمزة البهلوان.. وكل هذه الملاحم قرأتها في السنتين الاخيرتين من التعليم الابتدائي في بلدتي بفم الحصن، ساعدني في ذلك اعارتي هذه الكتب من مكتبة خليفة البلدة بحكم مجاورتنا له ومصادقتي لأبنائه؛ إضافة الى قراءتي لأشهر الروائيين العالميين (أغلب أعمالهم مترجمة)، وروائيين مشارقة ومغاربة.. كما قرأت أغلب الروايات الامازيغية : محمد شاشا، محمد أكوناض ، ابوالقاسم افولاي، ابراهيم العسري، عبد الله صبري، سعيد بلغربي، الحسين بويعقوبي، فاطمة بهلول، خديجة إكن، عياد ألحيان، حبيب الكناسي، عبد السلام أماخا، محمد أوسوس، حسن أوبراهيم أموري، صلاح أيت صلاح ..وغيرهم مما لا يتسع المجال لذكر أسمائهم (أكثر من 160 رواية في المغرب من بينها 87 رواية بالجنوب)..

8- ماذا تضيف الجوائز الأدبية للكاتب(ة)، وهل تراها مقياسا حقيقيا للنجاح الإبداعي؟
تعتبر الجوائز الأدبية وسيلة من وسائل التشجيع التي تساعد على تنشيط الحياة الثقافية والادبية حيث تحفز الكثيرين على الكتابة والابداع وتطوير تجاربهم الإبداعية، وتروج لأعمالهم الفائزة؛ كما تساعد في تحريك عجلة صناعة الكتابة بما يرتبط بها من المجالات الأخرى (الطباعة والنشر والتوزيع، والمكتبات…)، وتنشيط مجال النقد والقراءة…
فالجوائز التي تعتمد على مقياس الجودة الأدبية والفنية تساهم في النهضة الثقافية والادبية ونشر وانتشار الأعمال الأدبية والفنية القيمة، كما تساهم هذه الجوائز في فتح نافذة المقروئية للكاتب الفائز رغم ضعف القراءة في المجتمع، لكن تبقى الجائزة دافعا للكاتب الفائز للوصول إلى قراء جدد ولمتابعة مساره في الانتاج الادبي وتطويره.
لكن ما نلاحظه في مجتمعنا المغربي أن عملية الجوائز ضعيفة، وما زالت في نطاق المؤسسات الرسمية كوزارة الثقافة أو بعض المعاهد الرسمية كالمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية أو بعض الجهات الترابية (كتجربة جهة الدار البيضاء سطات، لكنها توقفت)، أو جوائز دوزيم أو جوائز بعض المؤسسات الأدبية ك “بيت الشعر”.. في حين أن القطاع الخاص الذي كان من المفروض أن يساهم في الجوائز ما يزال مترددا في المساهمة الفعالة لتشجيعها؛ صحيح أن هناك بعض الجمعيات وبعض المؤسسات الصغيرة التي تعلن عن التباري حول جوائزها، لكنها قليلة.
في مقابلة المشاركة في هذه الجوائز، نجد بعض الادباء والكتاب في المغرب يأنفون عن المشاركة فيها، فمنهم من لا يأبه بها نظرا لضعف قيمتها المادية، ومنهم من يأنف من تسلم قيمتها المادية الهزيلة؛ أتذكر كاتبا قصصا مغربيا مشهورا رفض تسلم قيمة جائزة وزارة الثقافة لهزالتها بعد اقتسامها مع فائزة أخرى، ونفس الشيء قام به الفائزون بهذه الجائزة الأدبية سنة 2022 والتي منحت لهم مناصفة فرفضوا تقاسمها، وسحبت الوزارة منهم هذه الجوائز، ووصل الأمر إلى المحاكم، مما دفع الوزارة إلى الرفع من قيمتها المالية.
فإذا استثنينا جوائز وزارة الثقافة والمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية لقيمتها ، فإن البعض من المبدعين يولون اهتماما خاصا للجوائز خارج المغرب مثل الجوائز الخليجية ذات المبالغ المهمة، وهناك بعض الكتاب والمبدعين المغاربة الذين لا تهمهم هذه الجوائز.. ومع ذلك تبقى الجوائز عاملا ووسيلة للفائزين بها لنشر أعمالهم وشهرتها مما يفتح لها أبوابا ومجالات أوسع للانتشار بين القراء.
ورقة عن المبدع المغربي الحسن زهور

- من مواليد إمي ؤݣادير ( فم الحصن) سنة 1958،
- تلقي تعليمه الابتدائي بإمي أكادير، ثم التعليم الإعدادي ببويزكارن ، والثانوي بمدينة تزنيت،
- شهادة الإجازة في الأدب العربي سنة 1983 بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة القاضي عياض بمراكش،
- امتهن وظيفة التربية والتدريس والإدارة بعد ذلك إلى أن تقاعدت سنة 2020.
المؤلفات :
1 – كتاب ” موزيا” نشر سنة 1994، يتضمن مجموعة من الحكايات الأمازيغية.
2 ـ مجموعة قصصية: ” Amussu n umalu” أي “حركة الظل” صدرت سنة 2008.
3 – مجموعة قصصية : ” Isggasn n tgrs” أي سنوات الصقيع، صدرت سنة 2009، و نالت جائزة الإبداع الأمازيغي من المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية.
4 ـ كتاب: ” ɛica mmi yighd” أي ساندريلا ، ويتضمن مجموعة من الحكايات الأمازيغية صدرت سنة 2010 ضمن منشورات المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية.
5 – كتاب: ” Arsmidḍ “: ترجمة عمل الروائي الروسي نيكولاي غوغول : ” المعطف ” سنة 2012.
6 – مجموعة قصصية : ” Tayri d iziliḍ ” أي “الحب و العاصفة “، صدرت سنة 2014, بشراكة بين رابطة تيرا ووزارة الثقافة المغربية.
7 – كتاب: ” umiyn d umiyn n ayt ndi أي ” أساطير و حكايات تراثية” و يتضمن 39 حكاية أمازيغية، صدرت سنة 2016 في 240 صفحة، صدرت بشراكة بين رابطة تيرا ووزارة الثقافة المغربية.
8- مجموعة قصصية: ” Nkki macc urd nkki ” أي ” أنا لكن لست أنا “، صدرت بشراكة بين رابطة تيرا ووزارة الثقافة المغربية.
9- رواية: ” aghyul d uzgn”، إصدار رابطة تيرا بشراكة بين ووزارة الثقافة المغربية، نالت الرواية الجائزة الأدبية لجهة الدار البيضاء – سطات ( صنف الأدب الامازيغي) سنة 2019.
10 – رواية : ” taghufi issnfd ubayyur” أي “الحب الذي أججه الوباء” ، من اصدار رابطة تيرا سنة 2020.
11- كتاب نقدي : “الأدب الامازيغي النشأة: 1967-2000″، من إصدارات رابطة تيرا بشراكة مع المعهد الملكي الامازيغي سنة 2021.
12- رواية: ” ughul n lalla taghla” قيد الطبع، إصدار رابطة تيرا .
13- كتاب: “الأنساق البنائية والوظيفية للحكاية الأمازيغية: (la randonnée)” ، إصدار رابطة تيرا بشراكة مع المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية. 2023.
14- “Udmawn n usgd d tdyyant g ungal amazighe” ، أي “أوجه الدين والتدين في الرواية الأمازيغية”، كتاب نقدي من منشورات رابطة تيرا بشراكة مع المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، 2024.
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي