يتيم“

لحسن ملواني*
في قريتنا يتيم، أعرفه قبل وبعد وفاة أبيه، كان في ركنية يعانق حزنه الحارق، يرى المكان ضيقا كضيق صدره الصغير، مطأطأ الرأس لا يرى من المعزين والمواسين سوى أرجلهم، لا يشعر بمن يربت على كتفيه ورأسه، ينتحب، يبكي، يصمت، يكفكف دموعه ليستأنف بكاءه الذي يشبه الهمس بأخطار حدثت وأخرى قد تحدث…تغيرت الالوان والأشياء في عينه، الشحوب يكتسح وجه المكان، يراه في الأرض وفي السماء وعلى الجدران والأسقف…
حل المساء، وليس في بطنه سوى أمعاء مقرقرة تقاسمنه البكاء، كان يبدو وكأنه سجين مضرب عن الطعام شهورا، لم ينم، كان في أحلام اليقظة مرافقا لأبيه إلى السوق، إلى الحقل، إلى زيارة أعمام وأخوال، وأصدقاء…يستحضر كل اللحظات بدقة، وكل الألعاب التي اشتراها له تحت إلحاحه وجهله بنفقات هذا الأب الذي يدفع ويجر ويحمل ليل نهار حتى لا يشعر أهله بيته بفاقة تجعلهم دون الناس…
وها هو يرحل بلا مقدمات…
وكما النباتات ها هو الطفل يكبر، ويكبر، تنمو أفكاره عن الحياة، وتتغير نظرته إلى نفسه وإلى محيطه، يحلم أحلاما أخرى، يحلم حلم أمه التي تريده زوجا ترى له أحفادها لتجدد علاقتها بالصغار، لكن المرض قرع باب بيتها ولم يمهلها ولو ثانية، سترحل بسرعة ويبقى اليتيم وحيدا، يفكر وحيدا، ينام وحيدا ، يعد وجباته وهو يعود بذاكرته إلى أمه وهي منهمكة في عملها ، تردد أنشودة يشاركها فيها، وتقص عليه قصة الأم التي واجهت الأسد من أجل أبنائها، والفتاة التي احترقت من أجل نجاة أمها…
ها هو يعيش وحيدا يأمل لو رحل مع أبيه وأمه، إنه يشتاق إلى رؤيتهما يهمسان له بأحاديث الصباح والمساء والأعياد…لكن هيهات، هيهات…
في يوم من أيام الربيع، رحل اليتيم، فكر أن يغير أمكنة تذكره بحياة شخصين جليلين محيطين به…لكن رحلته لم تحُلْ بينه وبينهما …فهما ساكنان بقلبه النابض الحزين.
قاص من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي