علم من مدينتي
بحـسن القدمـيـري الملحن الهرم الذي لم يأخذ حقه بعد أو المكناسي الذي أخفقت الهندسة في فصله عن عشيقته الموسيقى

محمد بشار*
توطئة: الكتابة عن الهرم المكناسي حسن القدميري ليست بالأمر السلس أو الهين لأسباب عديدة نذكر منها:
-تواري الفنان الإرادي عن وسائل الإعلام لسنوات طويلة وموقفه السلبي من الظهور الجماهيري، و”تقاعسه” في الترويج لإبداعاته الجديدة. القدميري كان يؤمن بفكرة أن الأعمال الجيدة تتحدث عن نفسها وتصنع موقعا لها بالساحة الفنية. وهي التي عليها أن تتحدث عنه، وليس هو. هذا الموقف فيه نظر. لأن الفنان، وخاصة موسيقي من حجمه، من المفروض أن يكون حاضرا باستمرار في المشهد الإعلامي بكل فروعه.
-تقصير الإعلام المغربي (المكتوب – المذاع – المرئي) في تتبع الخطوات الإبداعية للقدميري وفي “الضغط “عليه لتقريبه وتقديمه بشكل مستمر للجمهور ومواكبة أعماله المتميزة والتعريف بها، وحتى انتقادها. لكن ما عساي أقول وإعلامنا لا روح إيجابية فيه، وهو في معظمه دائما شارد.

نتيجة لما سبق، المعلومات المتعلقة بمسار القدميري وبظروف إنجاز إبداعاته وعلاقاته الفنية مع المبدعين من شعراء ومطربين والجمهور والفاعلين في المشهد الفني –المتوفرة على الأنترنيت-جد قليلة. كما أن مجموعة من المعطيات الواردة في بعض المواقع والجرائد ليست جد مضبوطة. يعود ذلك، كما أسلفنا الى الغياب الإعلامي المذكور.
من بين المصادر المتنوعة التي اعتمدتها لإعداد هذه الورقة، عن المهندس الفنان، برنامج “موزاييك مع منتصر” لإذاعة ميدي 1، الذي استضاف فيه القدميري وابنته، والذي أعطى خلاله عدة معلومات مهمة عن مسيرته وعلاقاته وعن بعض من حياته الشخصية.
خلال السنوات الأخيرة بدأ القدميري يتدارك الموقف نسبيا ويحضر إعلاميا وإن كان ذلك-في جزء كبير منه-من خلال حفلات التكريم التي تنظمها بعض الهيئات على شرفه تقديرا لجهوده الرائدة في النهوض بالأغنية المغربية الأصيلة.
ولد حسن القدميري بحي سيدي عمر، بمدينة مكناس سنة 1941، وبها تلقى تعليمه الابتدائي والثانوي. بعد حصوله على الباكالوريا بنفس المدينة، انتقل الى فرنسا حيث حصل على ديبلوم مهندس معماري وهي المهنة التي مارسها الى جانب هوسه الفني الذي ألهمه تلحين مجموعة من الأغاني المغربية الجميلة التي ستبقى خالدة في خزانة الإنتاج الفني الوطني، والتي تجاوز عددها 150 عملا.
بدأ اهتمامه بالموسيقى وعمره لا يتجاوز 8 سنوات. عن هذه المرحلة يقول بأنه كان كثير الغناء وكان صوته جميل. كان لا يمل من ترديد مجموعة من الأغاني –أساسا الشرقية-كما كان يقوم بترتيل بعض الآيات القرآنية بتوجيه من أحد معلميه بالابتدائي الذي كان معجبا بصوته، وقد كان ذلك يبهجه. ساعده على تبلور موهبته الغنائية الجو الأسري الذي كان يعيش فيه والذي كان عاشقا للطرب.
لصقل موهبته ألحقته أسرته بالمعهد الموسيقي لمدينة مكناس، وهناك بدأ في تعلم قواعد الموسيقى. انتقاله الى فرنسا من أجل الدراسات العليا، كما سبق، لم يحل بينه وبين ارتباطه بعشقه الكبير للموسيقى التي ظل متعلقا بها. في فرنسا انتهز الفرصة ليعمق دراسته لها.
عن سؤال كيف أصبح ملحنا، يقول بأنه لم يفكر في المسألة بتاتا. فهو تعلم الموسيقى وصقل موهبته في العزف حبا فيها، وكان يزاولها من أجل المتعة. كان يغني داخل أسرته أو رفقة أصدقائه للاستمتاع فقط، ولم يفكر قط أن يسترزق من الموسيقى أو يحترفها، لأنه لم يكن في حاجة لذلك.
ذات يوم لن ينساه، أحد أصدقائه المقربين حثه على التفكير في التلحين على اعتبار أن مستواه الفني وتجربته يؤهلانه لذلك. التقط الفكرة واستحسنها. بما أنه كان مقتنعا بأن اللحن المقبول والناجح لا يتأتى الا مع كلمات جيدة ومعبرة، وهذه لا يمكن أن يوفرها الا شاعر حقيقي، وقع اختياره على المرحوم علي الحداني الذي لم يكن له به سابق معرفة. في لقائهما الأول، الذي تم بمقهى “السفراء” بالرباط والذي سيشكل لاحقا انطلاقة لتعاون فني بديع بينهما، سلم الحداني للقدميري قطعة “ياك الجرح برى” دون شروط ولا تساؤلات ولا طلب مقابل. ربما لأنه استشف فيه نفسا فنيا صادقا أو توسم فيه مشروع ملحن استثنائي مستقبلي.
هذه الأغنية التي أجازتها لجنة الكلمات وأعجبت بها كثيرا لجنة الألحان، كانت فأل خير على الفقيد محمد الحياني الذي كان حينها مجرد عضو في كورال الجوق الوطني. أسند القدميري الأغنية للمرحوم الحياني باقتراح من أحد أصدقائه، وبذلك كانت أولى أغانيه. وفعلا كان الرأي والاختيار صائبين. نجحت الأغنية نجاحا منقطع النظير ومهدت الطريق للحياني ليشكل لاحقا الى جانب عبد الهادي بلخياط وعبد الوهاب الدكالي الثلاثي الأبرز في المشهد الغنائي الوطني. عن الحياني، يقول الشاعر علي الحداني (المتوفي في 28 نونبر2007): ” على امتداد السنوات التي ظهر فيها الراحل وإلى اليوم، لم تتكرر أية نسخة تشبه الحياني، المتميز بهدوئه وأخلاقه وأناقته وانتقائه المتميز الرفيع للأغاني”. للتذكير غادرنا الحياني مبكرا وذلك يوم 23 أكتوبر 1996 عن عمر يناهز 51 عاما، وكان غيابه المبكر خسارة كبيرة للموسيقى الوطنية ولعشاق النغم الراقي.
في رواية أخرى، يروج بأن أول أغنية لمحمد الحياني كانت “الحب الأبدي أو لا تسلني” من ألحان عبد الحميد بنبراهيم وشعر محمد علي الهواري. لكن حتى ولو افترضنا أن القدميري لم يكن على علم بهذه المسألة، فالأكيد أن الأغنية التي أخرجت الحياني إلى الجمهور الواسع بشكل لافت كانت “ياك الجرح برى”. وكانت انطلاقة رائعة له نحو النجومية، وشهادة ميلاد لملحن متميز صبغ ببصمته التجديدية الإبداع الموسيقي الوطني.
يذكر القدميري أنه مع انطلاق تدريب الجوق الوطني على “ياك الجرح برى”، وبمجرد ما سمع المرحوم البيضاوي المقدمة الموسيقية، غادر مكتبه مسرعا والتحق بقاعة التداريب. بعد لحظة مشاهدة وتأمل خاطب الحضور بالعبارة التالية “اللي ميعرفش يلحن بحال هكا كاع ميلحن”. هذا الرأي اعتبره القدميري بمثابة شهادة تشجيعية كبيرة في حقه. المطرب محمود الإدريسي سيؤكد سنة 2018 (أي بعد 50 سنة) الرأي الإيجابي للبيضاوي في القدميري وكان ذلك بمناسبة تكريمه من طرف “جمعية عشاق الطرب الأصيل” حيث قال بأن البيضاوي قال لهم: “أول مرة تنشوف شي واحد تيلحن الدارجة المغربية بشكل القصيدة”. الإدريسي كان حينها عضوا في المجموعة الصوتية للجوق الوطني.
على عكس القدميري الذي يؤكد بأن “ياك الجرح برى” كانت باكورة أعماله سنة 1968، هناك بعض الكتابات تشير الى أن أول أغنية له هي “يا ساقية الورد” التي أداها باقتدار المرحوم المعطي بنقاسم.
“ياك الجرح برى” ستليها مجموعة من الأغاني الناجحة من إبداع الثلاثي (الحداني/القدميري/الحياني). والتي ما يزال معظمها حاضرا في المشهد الغنائي المغربي حتى الآن، رغم إمعان تلفزاتنا في الترويج للقبح والتفاهة: الشكوى لله – مع ليام – مالي ومال التنهيدة – من بعد الغربة – والو باس -لاحول وخلاص– أنا حر– بارد وسخون– ماكاين باس …
من تأليف الشاعر علي الخياري، لحن القدميري أغنية “لا سماحة يا هوى” خصيصا لعبد الحليم حافظ وبطلب منه، لأنه كان يرغب في غناء مقطوعة مغربية. لكن ظروف مرضه الطويلة والمستعصية لم تسمح له بغنائها، فغناها الحياني الذي يقول عنه القدميري: بأن صوته لم بكن أقل جودة من عبد الحليم حافظ وبأن عبد الحليم كان منبهرا بصوت الحياني الذي يشبه صوته إلى حد بعيد. للإشارة، عبد الحليم في جلساته الخاصة مع الفنانين المغاربة كان يردد العديد من الأغاني المغربية.
غنى الحياني كذلك للعديد من كبار الملحنين المغاربة: عبد السلام عامر (راحلة، أشواق، وغنت لنا الدنيا …) -عبد القادر الراشدي (من ضي بهاك)- عبد القادر وهبي (كنت ناسي شكون فكرني) – عبد الرحيم السقاط (المشموم) – عبد العاطي آمنا (وقتاش تغني ياقلبي، لوسادة، يالي بيك القلب ارتاح) – عبد الحميد بنبراهيم ( الحب الأبدي أو لا تسلني) – عبد الرحيم الشنكيطي (أنا شفت عيون، الشفاه الحمر) … بالطبع، الحياني له أغاني كثيرة أخرى.
من الأصوات المرموقة التي تعامل معها القدميري انطلاقا من السبعينات-وهي في بداية المسيرة-سميرة بنسعيد. أثمر هذا التعاون مجموعة من الأعمال الجيدة أذكر منها “”وعدي أو مغلوبة” للطيب لعلج، و “اش بيني وبينو” لعلي الصقلي. ومن القطع المغربية الرائعة –لعلي الحداني-التي أعدها القدميري خصيصا لسميرة “متاقشــي بيـا” التي يقول عنها، مبدئيا هذه الأغنية لا يمكن أن تغنى إلا من طرف أنثى فهي أصلا مكتوبة على لسان أنثى. لكن سوء تفاهم بسيط مع سميرة حال دون اسنادها لها. بحدس الموسيقي المتمرس فطن الى أن لا أحد -بعد سميرة-يمكنه أن يِؤديها بمستوى الإحساس الذي يتوخاه ويقنعه سوى عبد الهادي بلخياط. وفعلا صدق حدس الفنان ونجحت الأغنية نجاحا باهرا، وحتى اليوم ما زالت بين ظهراننا “طرية” رغم ميلادها منذ حوالي 20 سنة. لحن القدميري لبلخياط كذلك أغنية من تأليف بلخياط نفسه بعنوان “نامت عيون الناس” و “حر الألم” من كلمات حسن المفتي وأغاني أخرى.
تعامل القدميري كذلك مع عبد المنعم الجامعي، ذي الإحساس الرقيق، الذي لحن له “شاف فيا بعيون كبار” ومن شعر “المحيط” علي الحداني “ماشي دق الزين هذا”، وهي أغنيات عرفت انتشارا كبيرا. بخصوص الجامعي، يمكن القول بأنه بفضل موهبته وإصراره الكبيرين استطاع أن ينحت لنفسه موقعا متميزا في المشهد الفني للسبعينات والثمانينات، في أوج تألق الأغنية المغربية، ويصنع له اسما محترما وسط كبار المطربين المغاربة. أذكر من أغانيه: جا فلميعاد، نهاية، على كل حال، ناديت عليك، أنا والليل …
طيلة حوالي 20 سنة، ظل القدميري متمسكا بتوجهه الخاص بالاقتصار على تلحين النصوص الزجلية. في أحد تصريحاته لراديو القناة الثانية، أكد أنه يفضل الزجل لأن الدارجة بالنسبة اليه هي لغة كل المغاربة وبأنها تصل الى الجميع بسلاسة وسهولة، وبأنه لا يشترط في تلحين أي نص زجلي سوى أن يكون معبرا وشاعريا. معناه أن مسألة تلحين نصوص بالفصحي لم تثره من قبل، ولم يسبق لها أن شغلت باله. لقد بلغ به هيامه بالزجل – كما صرح بذلك لأحداث أنفو نهاية 2019-أن طلب من عبد الرفيع الجوهري أن يعد له نصا زجليا (مشروع لا أعرف أين وصل). هذا المنحى سيتغير حين جاور كلا من المطربة المتألقة المرحومة رجاء بلمليح والشاعرين عبد الرفيع جواهري ومحمد حاي.
عن هذا التحول –الذي مس توجه القدميري في النصف الثاني من الثمانينات-يقول جواهري، بأنه كان انتقالا ذكيا-من طرف ملحن مجدد يملك إحساس الموسيقي المثقف وذكاء المهندس-من الأغنية الزجلية الى أغنية الشعر العربي الفصيح. هذا التحول نتجت عنه رائعة “يا جار وادينا” التي ألفها الشاعر محمد حاي. فيما التعاون الفني بين القدميري وجواهري أثمر مجموعة من القصائد الناجحة: “مدينة العاشقين”، “الحرية”، “أطفال الحجارة”. وكانت هذه أول أغنية على مستوى العالم العربي تتغنى بهذه الشريحة الاستثنائية من الصبيان. وقد نوه بها الراحل ياسر عرفات وبمبدعيها وكانت تذاع باستمرار في فلسطين.
ألبوم الفصحى هذا أحدث نقلة نوعية في مسيرة رجاء. هذه النقلة التي أطرها القدميري موسيقيا لم تأت بمحض الصدفة بل كانت الى حد بعيد نتاج ذكاء الراحلة وطموحها. يحكي القدميري أن رجاء زارته في منزله رفقة والدها وعبرت له عن توقها لتثمين مسيرتها الفنية وذلك عبر أداء ألحان متميزة مختلفة عما هو رائج، وعما غنته من قبل. ولأنه حبذ مبادرتها وقدر فيها ذكاءها وثقافتها، لحن لها الأغاني المذكورة أعلاه. أما محمد حاي فيروي بأن رجاء اتصلت به، عبر وسيط، قصد تزويدها بإحدى قصائده. كان ذلك بعد تتويج أغنيته “لا تدعني” بجائزة الأغنية المكتملة التي أدتها الفنانة سمية قيصر ولحنها عزيز حسني، وذلك في مهرجان الأغنية المغربية المنعقد سنة 1985 بالمحمدية. في لقاء بحضور القدميري تلا على مسامعها مجموعة من قصائده بما فيها “يا جار وادينا” التي لم تكن بعد قد اكتملت. بوجدان دارسة الأدب اختارت هذه القصيدة الأخيرة وطلبت منه أن يتمها سريعا لتدخل منسج القدميري من أجل كسوتها. أصوات أخرى ستتغنى بألحان الفنان القدميري، أذكر منها على الخصوص الفنانة الموهوبة فاتن هلال بك التي منحها قصيدتي “مشاغبة” و “إس إم إس” وهما من شعر عبد الرفيع جواهري.
من ذكريات القدميري الغريبة -التي رواها في برنامج “مسار” للقناة الثانية-أنه، في سن الخامسة عشرة، أقدم على تأليف لحن وعرضه على أحدهم. فيما بعد سيفاجأ بان ذاك الشخص سيشارك بلحنه في إحدى المسابقات ويفوز بها.
القدميري متزوج وأب لولد وبنت. والبنت ليست سوى الإعلامية سناء القدميري أحد الأطر المميزة بالقناة الثانية المغربية. بخصوص عدم ولوج ابنته الميدان الفني يقول بأنه لم يشجعها بتاتا على ذلك، رغم أنها تتوفر على صوت عذب وقوي، لأنه أراد أن يوفر عليها مشاق هذه المهنة المتعبة. وبما أنها ابنته الوحيدة فإنه كان يحبذ أن تبقى دائما قريبة من الأسرة. بدورها تؤكد سناء أقوال الوالد وتروي بأنه، في سن السابعة عشرة، رفضت دعوة بليغ حمدي الذي اقترح عليها الالتحاق بمصر من أجل الاحتراف الفني. أما الآن فتقول، لو أن الزمان رجع بها إلى تلك الفترة فإنها ستقبل الدعوة بدون تردد وتمتهن الفن رغم صعوباته. في نفس السياق، وخلافا لموقفه الأول، صرح القدميري لقناة موقع الأيام 24 بأن سناء ستكون هي مغنية المستقبل بالنسبة اليه. في ذات التصريح، أشاد بموهبتي المطربتين فاتن هلال بك وفردوس -ابنة مكناس-واعتبر بأن إمكانياتهما ستجعل منهما فنانتي المستقبل في المغرب.
للأمانة، الاستماع للفنان القدميري وهو يتحدث، يعطيك الإحساس بأنك أمام إنسان تلقائي متواضع، متمكن من أدوات إبداعه ومهيأ بدون مركب نقص لمراجعة أفكاره وأساليبه الفنية كلما اقتضى الأمر ذلك. خطابه دارجي بسيط ومركز، قريب من كل المستويات، لا أثر للتصنع أو الاستعلاء فيه. التقدير والاحترام اللذان يكنهما لكتاب أغانيه-الذين يعتبرهم أساس نجاح أي عمل-هما نفسهما اللذان يخص بهما المطربين -الذين يؤدون ألحانه -وكذلك جمهور أعماله.
هذا غيض من فيض عن فنان كبير مجدد وأصيل، أثرى الخزانة الفنية الوطنية بأعمال رائعة وحافظ على العمق الموسيقي المغربي في إبداعاته.
كاتب من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي