الرئيسية / الأعداد / تجليات الوعي في الكتابة السردية: سلطة الواقع الاجتماعي بين شعرية الخطاب واشتراط التآلف مع الرؤية السردية من خلال كتاب “كيد كبد” للكاتب أحمد إدوخراز – أحمد شهلي

تجليات الوعي في الكتابة السردية: سلطة الواقع الاجتماعي بين شعرية الخطاب واشتراط التآلف مع الرؤية السردية من خلال كتاب “كيد كبد” للكاتب أحمد إدوخراز – أحمد شهلي

تجليات الوعي في الكتابة السردية: سلطة الواقع الاجتماعي بين شعرية الخطاب واشتراط التآلف مع الرؤية السردية من خلال كتاب “كيد كبد” للكاتب أحمد إدوخراز 

أحمد شهلي*

مقدمة

يعتبر كتاب “كيل كبد” مساهمة في استجلاء خصائص الذاكرة المحلية، ومحاولة لربط التاريخ بعناصر الهوية، واستجماع المعاني التي تتوارى خلف مدلولات صامتة، لا تكشف عن حقيقتها إلا بعد استنطاق الحمولات اللغوية العاكسة للتفاعلات الاجتماعية في قالب سردي دال، كما أن مقاربة هذا النص تكاد تستقي مادتها من حقول معرفية متعددة، أهمها التاريخ والأدب وعلم الاجتماع، لما بينها من التحام كبير فما بين متعة التخييل التي يخلقها السرد الذي يروي ظمأ الخيال، ودقة الإحالات على الحوادث المادية التي يقتطعها السارد من واقعه كإنسان جبل على التعايش مع أخيه الإنسان، تتراءى للناظر في نسيج هذا العمل السردي منظومة حكائية تجمع بين فعالية روائية ممتدة عبر الزمن متوغلة في علاقات بينية تحكم سلوك الأفراد والجماعة، غير بعيد من سيرورة التاريخ التي توثق للإنسان والمكان وتوطد الروابط بين عناصر السرد في بناء سردي يمتاح من ينبوع اللغة بما توفره من صور شعرية وأخرى بلاغية لرسم معالم الحالة الاجتماعية والنفسية التي تحيط بالكاتب في تماه تام مع مراده من المسرود، غير زاعمين أن هذه القراءة تمثل تطويعا للنص ليخدم أغراض دراسة نقدية قد تروم التوصل إلى استنتاجات معينة، فهي لا تعمد إلى لي العبارات لتمطيط المعاني وفرض دلالات قسرية، فالنص موح لذاته، شب عن طوق الوصايات، بما يحمله من قدرة عجيبة على استدعاء الفهم تبعا لآفاق الانتظار، تلك المتاحة على عتباته والممكنة بفعل الوعي على ضوء المعايير النقدية الموضوعية..

أولا: الوعي بالتاريخ في الكتابة السردية: تواطؤات الزمن مع سلطة الواقع الاجتماعي.

تعد الكتابة السردية مجالا خصبا لتوظيف الإمكانات الأكثر قدرة على ترجمة الوقائع والأحداث، ليس في اتصالها بالشخوص والأزمنة والأمكنة فحسب بل في علاقتها بالوعي الذي يكون ملازما لذات الكاتب وفي الوقت نفسه يظل لصيقا بالتجربة الروائية في جوانبها المتعلقة بترجمة المواقف وصناعة الصور الأدبية عبر توظيف تقنيات السرد.

فبعيدا عن اللغة والأسلوب الحكائي الذي يفتح المجال أمام التذوق الجمالي، تقترب هذه المناولة من المفهوم المشترك للوعي الذي يتأتى من خلال إعمال الحدس سواء تعلق الأمر بالكاتب وهو يجترح النص بخبرات سردية مسبوقة بمعرفة شاملة تتعهد الفعل الروائي بالتوجيه والإرشاد الضروريين، أو بالمتلقي وهو يتلقف هذه الأحداث وفق نمط خاص يستجيب لطبيعة المسرود.

إن التركيز على مكون الوعي وتأثيراته على الصورة الناضجة للإبداع في الكتابة والاستيعاب العميق للمعاني في التلقي يمهد الطريق على المستوى المنهجي نحو اعتماد القراءة التأويلية لمناطق الانتباه الذهني لمزيد من الكشف عن طبيعة العلاقة بين فعل الكتابة المنجز وعملية المتابعة المحتملة من طرف القارئ، ومن ثم التمكن من الحفر بعيدا في تضاريس هذه العلاقة عبر استكشاف تجلياتها في ما يصدر عن الذات الكاتبة والموضوع المتمثل في المكان والشخوص والتفاعلات البينية التي تخط مسار الأحداث بشكل دال و تستدمج صوت الكائن الواعي فنا وكتابة وأدبا داخل مجال الرواية السير ذاتية وما يلازم ذلك عادة من مصاحبة على مستوى النظر في البنية البلاغية واللبوس اللغوي والمستوى الجمالي للمكتوب.

تندرج كتابات أحمد إدو خراز ضمن الأشكال التي تعرف بتعالقها مع مضامين السرد الواعي الذي يشاكس الجنس الأدبي الروائي المزاوج بين شرطي التخييل والوعي، غير أن نمط كتاباته هذه تنزاح قليلا باتجاه الواقع مرتهنا لأقنوم الصدقية أكثر فيجعل بمقتضى سلطة الوقائع نسبة التخييل في مجموع محكياته جانحة نحو القلة أو الندرة إن صح القول.

ولأن السيرة الذاتية ليست تاريخا يحكى فإن باكورة الأستاذ أدو خراز لا تعتبر محاولة لتوثيق فصول حياته الشخصية فحسب وإنما يمكن أن تندرج عمليا ضمن الأعمال الروائية التي يتجاور فيها الواقع بالمتخيل، لاسيما مع تفوق المؤلف في صياغة المواقف وتوظيف أساليب السرد بحضور للذات وبتجاور واضح مع الذوات الأخرى، حيث يمشي التاريخ معه ومع غيره فتتأكد من خلاله وجود عوامل النضج الذي يعد من محددات الحداثة ومن خصائص التمدن.

ومع غلبة جانب الفنية في المتن السردي فإنه يصح القول إذن أن هذا النص  يركز على رسم صور من تاريخ المدينة وليس تاريخ المدينة اعتبارا لكون العمل السردي يعتمد أساسا على عمليات الاستذكار ما يجعله فنا أدبيا مرتبط بالتاريخ وليس محاولة للتأريخ[1]، كما أن روابط الاتصال بين العمل الروائي والوعي السردي تقوم شاخصة على تخوم العلاقة بين الحياة الخاصة والحياة العامة، وتضع النسق التاريخي أمام قوانين الكتابة السير ذاتية التي تتيح بعضا من إمكانيات اللجوء إلى الخيال مع الإبقاء على الخصائص النفسية المؤطرة للعمل بشكل عام.

ويتجسد الوعي التاريخي في العمل السردي الموسوم ب “كيل كبد” في قدرة المؤلف على ترجمة الأحداث وتوجيه قراءتها نحو صياغة تتحكم في أهواء الذات وتلجم ميولاتها نحو التضخم، لا سيما وأن تسارع عملية الاستعادة تضع السارد فوق مطية اللجاج حيث يتطلب التوقف عند المحطات الزمنية الفارقة مهارة في استعمال الكوابح وتقديرا خاصا لمسافة الأمان التي تتطلبها صناعة الحكي والإمساك بلحظاته المنفلتة.

إن إعادة بناء الأحداث والوقائع موكول إلى حجم استيعاب طريقة استمداد حقيقة الصور السردية انطلاقا من إصرار الكاتب على انمياز حاد بين معياري التطابق والمشابهة، لكن وفي نفس الوقت باشتباهات بارزة بين الضمائر النحوية المستعملة التي تحيل على مختلف الأفراد الداخلين في تركيبة العلاقة بينهم وبين نمط الحكي، مما يسبب خلطا بين ما تطرحه الضمائر وما تتيحه عناصر التطابق أو التشابه في مجال صناعة الأحداث، وفي جميع الأحوال يظل المؤلف خلال عملية الكتابة هو المخرج لرحلة السرد، فهو ليس مجرد شخص. إنه شخص يكتب وينشر، ولأنه متواجد خارج – النص وفي النص. ويتجدد باعتباره شخصا واقعيا مسؤولا اجتماعيا، ومنتجا لخطاب، في نفس الوقت فإنه يعتبر صلة بين الفضائين الداخلي والخارجي للنص[2]، ينتقي مختارات من الوقائع والتجارب والمشاهد تغطي حياته وتستغرق عمره في خيوط متدرجة عبر الزمن، يحاول من خلالها نسج متن سردي حكائي ليس بالمعنى الشائع ولكن دون أن يراد لفصوله الذوبان في منظومة تخييلية روائية تطيح بالشخوص والأحداث وتخلق وحدة في الوقائع والأمكنة والأزمنة، بل يصطحب  معه في رحلته السردية إطارا منهجيا جديدا يمزق الأنساق التقليدية ويلوذ بإحكام المترابطات بمنطق سيري داخلي يسائل الأبعاد الرمزية والاجتماعية التي تلف موضوع الكتاب.

وبالعودة إلى موضوع الكتاب في علاقته بمنهجية الكتابة السير ذاتية ، فإن المؤلف وهو يحاول إعادة صياغة عوالمه الحكائية، يفجر قضايا اجتماعية من داخل النص بقوالب سردية مختلفة، ومع أن التجنيس في الأدب لم يعد يطرح كإشكالية مركزية في الكتابة، كم أنه لم يعد شرطا في ظل تداخل الأنواع الأدبية وعدم الالتفات إلى معايير الكتابة في بعدها الأجناسي، ومع أن التجريب طبع الكتابات الأدبية فإن عمليات التهجين التي خضعت لها استمدت مادتها الأولية من الأعمال السابقة التي وضعت حدودا بين كل جنس، غير أن قدرة الكاتب تجلت في انتقاء عناصر الكتابة بشكل أنيق جعل تسهل استنطاق المبنى الحكائي للنص وتحليل أنسجته ليست كسلسلة من المتتاليات النصية التي تجسد مفهوما دالا لتتابع الوقائع في الزمن الماضي، وليست كذلك طريقة سرد الوقائع على إيقاع واحد  لنقل الكلام،سواء تعلق الأمر بالمتن الحكائي أو المبنى الحكائي للنص، فهو – أي الكاتب – يعطي للخطاب مفهوما دلاليا حسب منظور جيرار جينيت “Gérard Genette”  الذي يحدد للسرد جانبين أساسيين هما القصة والخطاب هذا الأخير الذي ينتقل بالمتن الحكائي إلى مفهوم آخر ووظيفة أخرى[3]، وهكذا يتحول السرد إلى فعل حكائي منتج نافذ إلى عقول الشخصيات حيث يقتبس منها الصور والرموز بشكل مباشر يتماهى مع قوة الوعي الموجهة للأحداث، فهي تعمل على الاستعادة المتأملة للماضي بشكل محتوم يعدم العقدة في النص، في نزعة واضحة إلى إضافة التفسير أو التعليق إلى جانب السرد الذي تصاحبه إمكانية الكتابة والقراءة بصمت وعلى انفراد خارج المحيط الذي تقام فيه الأعمال حيث يعمل المؤلف على ملء صفحات كتابه حيث توضع فيها جنبا إلى جنب طرق مختلفة في الكلام  مرتبطة بوضعيات ثقافية متميزة[4] ومتعددة الألسن والوضعيات، يتضح ذلك جليا من عناوين فصول الكتاب إن صح التعبير التي تبرز ترتيبا مقصودا لليالي المدينة  بعناوين ظاهرة تضم  عبارات باللغة الأمازيغية مكتوبة بحروف تيفيناغ مرفوقة بترجمة إلى اللغة العربية الفصحى معضدة  بما يقابلها من اللهجة العامية ، عناوين تختزل أفق انتظار القارئ وتحيل على سلسلة من الوقائع.

ولأن قصة حياة شخص ما أقل تأملية من قصة شعب أو أمة أو طبقة اجتماعية فإن الاقتراب من سيرة شخص واحدا ساردا كان أو شخوصا معينين لا يكون بنفس التركيز الذي يحدث حينما يتعلق الأمر باستذكار مجموع العلاقات الاجتماعية التي تنتج عن لحظة البناء التخييلي المنبعثة من الذات الساردة، على عكس ما يصبو إليه معظم كتاب السيرة الذاتية من كونهم غالبا ما يسلطون على أنفسهم  أحسن ،  ضوء ممكن طامسين بعض الحقائق، وبالمقابل فإن السيرة الذاتية، على نحو نموذجي، قصة كيف أصبحت حياة ما كانته،  وكيف أصبحت نفس ماهي عليه، ويكتشف الكاتب وهو يراجع الماضي، أن بعض الأحداث كان لها عواقب لم تكن متوقعة في حينها، وأن أحداثا أخرى لا تعطى معناها إلا حين تتأمل عند فعل الكتابة[5] ، وعليه واستئناسا بهذا النهج فإن المؤلف يسعى إلى محاصرة أزمنته السردية عبر متواليات نفسية تمعن النظر استرجاعيا في حركاتها وسكناتها، وهو إذ يميز بين هذه الأزمنة فإنه يضع لها وسوما تحدد خطوط الانفصال بينها  والاتصال ببعضها البعض،  فمن زمن السمر والحكي  (2002): حيث يتم استنطاق الوقائع وجمع المادة الحكائية، إلى زمن التذكر الممتد عبر مسافة تسعف في الكتابة (من بداية شهر يناير 2023 إلى نهاية أكتوبر 2024)، وهاهنا يلعب المؤلف دور السارد داخل حكائي بسرعات سردية مختلفة تستجيب لنظام عجيب لتتابع الأحداث. وقد عمل السارد على تصوير الوقائع عبر تقسيم نادر مرتبط بالليل وهو بذلك يحيل  درة السرد الإنساني وأحد أهم الأعمال القصصية – كتاب ألف ليلة وليلة[6] –  الذي ضم الحكايات الشعبية العربية القديمة التي شكلت مادة للقصص الشعبي على عهد الخلافة ، مستلهما منها فصول عمله من جانب النسقية المحددة لترتيب المضامين السردية والمعاني التي تخلفها، ولأن السرد عملية منتجة فإن انتظام الخطاب من خلاها لا يتأتى إلا بتنظيم حلقات المادة الحكائية نفسها عبر رزمات زمنية تتوزع إلى أزمنة قصصية قبل الكتابة وأزمنة المكتوب أي بعد إخرج المادة الحكائية فنيا في صيغتها المعدلة الخاضعة لتقنيات السرد وأبعاد لا لمقتضيات الزمن الواقعي، وهكذا فإن  ترتيب الكتاب إلى ليال متتابعات لم تبوب إلا بعد انصرام زمن الحكي والسمر الذي أشار إليه المؤلف في آخر الكتاب،

 

الليلة وترتيبها بالعربية

 

الليلة وترتيبها بالأمازيغية العنوان باللغة العربية العنوان باللغة الأمازيغية
ليلة الليالي (إيض ن واضان) قبل البدء كانت الرحم (دات أوسنتي إيلا أسيرو)
الليلة الأولى (إيض ويس سين) هجرة (تامزواكت)
الليلة الثانية (إيض أمزاورو) وتستمر الحياة (تودرت إيدرن)
الليلة الثالثة (إيض ويس كراض) لجوء (أزواك)
الليلة الرابعة (إيض ويس كوز) ووالد وما ولد (أماراو د واراو)
الليلة الخامسة (إيض ويس سموس) الزنقة (تاسوكت)
الليلة السادسة (إيض ويس سضيس) البلد (تامازيرت)
الليلة السابعة (إيض ويس سا) المسيد أو الكتاب (تيمزكيدا/أخربيش)
الليلة الثامنة (إيض ويستام) السكويلا أو المدرسة (تينمل)

 

والحقيقة أن ربط فصول الكتاب بأبعادها الزمنية  المجردة (الليالي)  مقرون بتيمة خاصة فكرة جيدة، لأنه تشكل حلقات زمنية تتضمن قوانين السرد التي توجه مجريات الأحداث، لذلك فإن اعتماد المؤلف على هذه الأبعاد تنويه إلى أهميتها بداية لكونها المادة المعنوية التي تشكل الحياة وبها يتم تحضير الجو النفسي والاجتماعي والتاريخي والأيديولوجي التي تنتظم وفقه عملية السرد على حد تعبير جيرار جينيت، وهكذا فإن الخطاب السردي (الملفوظ السردي) يعيش بعلاقته مع السرد الذي يتلفظه كما أن احتكامها إلى نسقية زمنية خاصة يدفع الكاتب إلى الرجوع إلى الجذور العميقة للموروث الاجتماعي والحضاري لمدينة إنزكان بشكل ليس بشكل مستقل عن المتن الحكائي لكن بتوظيف أكثر تحديثا حيث يصير الحديث عن الزمن الأدبي الإبداعي أولى وأهم من الحديث عن الزمن الطبيعي المنطقي الذي يشكل إطارا للسرد، الذي يتحول إلى زمن العلاقات المتشابكة فيتطور في حركة لولبية عبر قفزات وحركات وخطوط بيانية تعكس صدى التطور العام[7] الذي تخضع له الأحداث.

إن إصرار الكاتب على توظيف الزمن بأبعاده المختلفة يخلق من عمله السردي ظاهرة فنية وإبداعا جماليا يخترق الأشكال الاعتيادية في الكتابة، ويترجم مهمته الإبداعية إلى تعبير عن الإنسان والمجال وعن حاجاته وحالاته تعبيرا جميلا صادقا من شأنه أن يساعده على تفهم نفسه وتفهم الغاية من وجوده[8]، وهو في استدعائه للزمن فهو يظل طيلة عمله السردي بين حالتين فإما أن “يرينا”  (Montre)  أو أن “يقول” (Dire)  كما يقول تودوروف  وانطلاقا من هذين الوضعين الخطابيين تتحددان صيغتان أساسيتان هما السرد والعرض[9] ففي حالة السرد نجد  السارد ينقل إلينا الأحداث  ويقوم بالإخبار بها حيث يلعب دور الوساطة السلبية، نقرأ في هذا العمل السردي كثيرا مما ينطبق عليه هذا الوصف في مواقع مسترسلة من النص ” كان جسد الكاف ممددا على بساطه يشهد غياب الشمس دون أن يبصره ويتملى الغروب دون أن تراه عيناه بينما موكب الدقائق يمر في عرض بطئ أمامه. دق الألم من جديد دقته المجلجلة في جوفه مخلفة مرارة تعضدها مرارة العزلة التي يعيشها تلك اللحظة بطعم “أفرزيز” (الحنظل). راح يتأمل شاشته مؤنسة وحدته وذهاب وحشته، فإذا بعينيه يملأهما حبور خاص مفاجئ..   كيل كبد ص77. ” نقرأ في موقع آخر:  ” أحس العجوز برذاذ يغازل روحه رغم الداء اللعين الذي يقتات من جسده الطاهر يوما بعد يوم ودقيقة بعد دقيقة فتألقت كلماته كلماته الحاملة لفكر رزين : مشكلة حضارية أن يظل عقرب الزمان ثابتا على الأمس / الماضي ولا يتقدم خطوة نحو الأمام، يبدو أننا استهلكنا مستقبلنا فيما مضى. ما أشد أن يبصق الموتى في وجه الأحياء لأنهم خانوا الأمانة وخذلوا سيرتهم الأنيقة الصافية ! ..ص: 183″ وفي نفس بنية النص السردي وطريقة العرض بالوساطة نقرأ ” رغب العجوز في نفث البصاق من فمه في المنديل الورقي بجانبه لكنه استحيى في حضرة لحظة تتنسم عبق الحكي وتتنفس شرف الذكرى فآثر أن يصرف النظر، لكن اختناق صدره وانحباس أنفاسه كان لهما رأي آخر مخالف لقرار التنكب والعدول حيث أرغماه على استنشاق عميق يراعي هشاشة جسده ووهن عظمه ويسمح بتحرير مسالكه التنفسية بقدر المستطاع قبل أن يسترد أنفاسه ليمنح ما بوسعه من قوة دفع تطهر الرئتين والشعب الهوائية مما تراكم فيها من مخاط معتق.. ص: 213.” وفي صيغة ثانية تتصل بمستوى العرض حيث يكون الخطاب مباشرا يعكس البعد السيكولوجي واللسني لشخصية السارد، يورد السارد مشاهد حية على مدى مساحة الحكي نقرأ مثلا: ” أذكر بصمته ودوره وإسهامه في إنشاء وصيانة الجو الأسري والأخوي داخل المؤسسة التعليمية أو لنقل بصدق البيت العرفاني نسبة إلى مدرسة العرفان وقد حمل الأجيال المعايشة له أو اللاحقة مسؤولية صيانة ذلك الإرث العلائقي، فما بناه السابقون كما يرى دائما لا ينبغي التفريط فيه ببساطة نتيجة خلافات لا ترقى ولا ينبغي أبدا أن تكون سببا للمجازفة برصيد من العلاقات التي استغرق بناؤها سنوات عدة. ص:106″ وفي معرض الحديث عن شخصية مميزة ضمن شخوص السرد التي أثرت في مساره يقول السارد: ” لا يمكن أبدا أن أنساه، وكيف أنساه وهو شيخي وسيدي الذي علمني حروفي وكلماتي الأولى وكدت أختم القرآن بفضله وعلى يده؟ …ص:120″.

ثانيا: الوعي اللغوي: شعرية الخطاب واشتراطات التآلف في الرؤية السردية.

لا شك أن السرد يجئ دالا على أحوال من جمالية الصورة والرمز الواقع والمتخيل، بتعابير وعبارات تضم أفعالا وكلمات وجملا خبرية وتوكيدات ذات الصلة بالدرس اللغوي الذي يخترق المعاني فاسحا المجال لمكونات الوعي كي تخترق بدورها الأفهام. ويساعد في ذلك لجوء الكاتب إلى تقنية التعليق

“Commentaire” الذي يعني الحواشي والتذييلات التي يعلق بها الراوي على المواقف والأحداث، يتدخل على إثره المؤلف في السرد يتجاوز تحديد أو وصف الكائنات  وسرد الأحداث إلى عوالم تتجاوز  عالم الشخصيات  أو يعلق على سردها[10]، نقرأ له في الصفحة 18 من الكتاب وهو يحيل على واحد من كبار من أجادوا الكتابة في مجال الشعر الغنائي، وأمدوا تجربة تازنزرت بقصائد ساهمت في الرفع من جودة المقطوعات التي عزفتها مجموعة إزنزارن فيقول: ” النجم الكبير، أحد أهرام الفن والثقافة الأمازيغية، الشاعر والفنان الأمازيغي العزيز: محمد الحنفي في ديوانه الشعري: “أساي” (الحمل) قصيدة غنتها مجموعة ناس الغيوان سنة 2013.” وفي إحالة  أخرى أسفل الصفحة 43 ضمن حديثه عن طقوس عقيقة ميلاده يشرح معنى كلمة لبسيس بقوله: ” لبسيس : خليط دقيق سنابل الشعير في خضرتها مع زيت أركان.”، كما لا تخلو إحالات الكتاب من شروح معجمية مما يدل على جزالة الألفاظ التي يتم توظيفها في سياقات مختلفة للسرد، ومع أن اللغة الروائية قد عرفت بالبساطة كونها موجهة إلى مختلف شرائح المجتمع لذلك تعكس لغة تلك الشرائح المتفاوتة في درجة التلقي والفهم والاستيعاب، إلا أن الروائي العربي أصبح يتفنن في صياغته ويرتقي بلغته إلى مستوى الشعرية من خلال توظيف المهارات اللغوية والبلاغية، لنطالع التصوير الفني والرمز والايحاء[11]، وكذلك كان من خلال هذا المنجز اللغوي الرصين نقرأ مثلا في الصفحة 120 :” الطغام: أراذل الناس وأوغادهم.” كما نقرأ في الصفحة 157 : “الأدمة : الخلطة. القرابة. العشرة والألفة والموافقة. كانت بينهم أدمة عظيمة، أي ألفة وعشرة.”، وفي الصفحة 166: ” السهوكة: رائحة العرق الخبيثة (المعجم الرائد)، وفي لسان العرب، السهك: ريح كريهة تجدها من الإنسان إذا عرق.” وفي الصفحة172 : ” كلفا. كان كلفا بها: محبا لها حبا شديدا. عاشقا ولهانا.” أما في الصفحة198: “شرخ الشباب: أوله ونضارته وريعانه.” وفي الصفحة 200 نقرأ: “وخد: وخد البعير وخدا ووخيدا : أسرع ووسع الخطو ورمى بقوائمه كمشي النعام.” وفي الصفحة 202 نقرأ :” إكداء من أكدى الرجل أي خاب ولم يظفر.” وفي الصفحة 212: ” صلبت عليه الحمى: دامت واشتدت..- اللهى: جمع لهية : أفضل العطايا وأجزلها.” ونقرأ في الصفحة 214: ” خرع الرجل فهو خريع وخرع أي ضعف جسمه بعد قوة، انكسر واسترخى.”. وفي الصفحة216 نقرأ “انقبع الرجل: أدخل رأسه في ثوبه. .. – الأقتم: ما كان لونه أغبر ضاربا إلى السواد والحمرة.” ونقرأ في الصفحة 220: “نأمة: صوت ضعيف خفي.” فيما نقرأ في الصفحة224: ” الأنقوفة: مازاد على طاقة المغزل فانتزعه الغازل.” ويختتم سلسلة الشروحات في الصفحة 226 بما يلي: ” خبائب: خلق متقطع.”

ويظهر أنه قبل المعاني والدلالات وقبل الصور والمساقات وقبل الواقع والتخييل تأتي اللغة بمحمولاتها الكثيرة لتحتل مكانة متقدمة في العمل السردي، تتفتق من خلالها قدرة السارد على تفجير حراك  لغوي باذخ تهبط إيقاع الأحداث تارة وترفعها تارة أخرى بلغة نشطة فعالة تخلق دينامية سردية تضمن سلامة نظم العلاقات وترتيبها، كل ذلك بمعجم قادر على صناعة الصور التركيبية وفتح باب التأويل ومداعبة أفق انتظار القارئ بكثير من الحذر من مغبة السقوط في ما يسمى بسطوة اللغة، حيث استطاع الكاتب رغم استنجاده بالجهاز المعجمي الصلب أن يتحرر من الارتباط  التام بالخلفية اللغوية المحضة وأن يصل بالسرد إلى مواقف مستقلة عن جلال اللغة متأثرة بمقتضيات العمل الإبداعي الذي يفترض أن تحضر في طياته الأبعاد الفنية والجمالية، مما خلق تعددا في امتلاك نواصي السرد واللغة والبلاغة والرؤية والأسلوب وعلى إنتاج الوضعيات والمواقف وتدبيرها بما يلزم من توظيف السياقات والعلامات واستثمار القدرات .

ثم إن اللغة هي المادة التشكيلية التعبيرية التي تنبني عليها الرسالة الإبداعية والتي يعمل الكاتب على إرسالها إلى القارئ عبر جمل متنوعة، وقد اشتغل عليها من خلال العمل السردي الوصفي المشهدي والبلاغي، مادامت هي حوامل النوايا والأطروحات المباشرة وغير المباشرة من خلال استعمال تعابير مسكوكة تخدم مشروع الكتاب ، وهكذا فقد أحسن إد أوخراز استخدام التعابير الإيحائية إلى أبعد الحدود، كما أنه أبان عن امتلاك راشد وواع لناصية اللغة وقواميسها الحرفية، والمجازية، استطاع من خلالها توظيف الممكنات الأدبية وإدماجها في سياقات تواصلية وتداولية ذات مقاصد تداولية فنية وتعبيرية في قمة الجمال والبلاغة الفنية، وبذلك حقت فيه العبارة القائلة: إن الرواية هي تشخيص اللغة وتصوير الذات والواقع اعتمادا على التشكيل اللغوي[12].

وتبرز لنا اللغة التصويرية التي يوظفها الكاتب نوعا ما رصانة في التعبير، تارة بحيادية تامة وتارة بانزياحات نحو الحكي الصادرة عن الذات الساردة، وهو عن كان يسعى إلى إضفاء الواقعية على مسروده إلا أن هذا الأخير يفرض نوعا من التمرد على صاحبه فيسوقه إلى فضاءات التخييل سوقا لما تفرضه الضرورات الجمالية والمقتضيات الفنية، ذلك أننا نقف إزاء عمل سردي مليء بالمغامرات التوثيقية التي تستند إلى كثير من الطاقة الإحالية التفاعلية، تلك التي تستدعي الممكنات التأصيلية للأسلوب السردي بلغة معتقة تعمل على تضمين النص عبارات مستوحاة من المضامين اللغوية والبلاغية القديمة بنكهة محلية تمتاح من الموروث الأمازيغي المشترك، كما تتميز اللغة المستعملة بالمفارقة والترميز والأسلبة والتهجين الإيجابي وتداخل اللغات (العتيقة والمعاصرة، الفصحى والعامية والأمازيغية..)، وإضافة إلى هذا فالعمل السردي: “كيل كبد” ولأنه يظهر من خلال العنوان أنه يرتكن إلى خلفية ترميزية موغلة في المحكي الشاعري، فإن فصول الكتاب مع توالي القراءة وتتابع المشاهد تكشف عن لغة تصويرية استعارية كنائية متفوقة وقابضة بناصية المعاني، مازجة بين خلائط من السردية الدرامية والغنائية، وتكثيف للصور الشعرية والنثرية واستخدام كبير للرموز والألفاظ الموحية المعبرة وتليين القاموس باللغة الشعرية النابضة بإيقاع التذويت والتلوين البياني والبديعي واستخدام الكلمات متعددة الدلالات حيث تنزاح اللغة ناحية الإيحاء قصد خلق الوظيفة الشعرية والجمالية الخارقة[13]، نقرأ في الصفحة 44 من الكتاب: “أغرق الشيء والسر بالماء ليختنقا وينجرفا نحو العدم.” وفي الصفحة 46 نقرأ: “في تلك الليلة كان الكرى يسطو وينشر قواته في ربوع وعي العجوز، وكان الوسن يفضح ضعف الاستعداد للاستمتاع بمزيد الحكي وإكمال زلفة الحريرة،..” ونقرأ في الصفحة 57: ” تسللت ابتسامة محتشمة من الثغر المتعب: فلماذا هذا التنكر وهذا العقوق وهذا الطمس البليد؟”، وفي الصفحة 61 نقرأ كلاما يغني عن كل تعليق، كلام مؤثر يحمل شحنات عاطفية طافحة :” فظيع للروح أن تحس باختناق الزمن حولها، ولم يكن من الممكن أن تمر تلك الهزة الداخلية دون خسائر تخلفها، فقد اخرط العجوز فجأة في سمفونيته التي لم تتوقف هذه المرة، فتيقن البكر أن الشيخ قد أدركه التعب المفني فسكت عن الكلام المضني.” أي تعبير هذا وأي أسلوب؟ وأية شاعرية نافذة هذه التي تنبعث من ذات تكتوي من حرق مشهدية إنسانية مضنية تأذن بألم مواكب لأحاسيس تتحسس الفراق في أي لحظة وتترقبه في كل حين؟

نقرأ كذلك في الصفحة 88 في صورة سردية شاعرية قليلة النظير: “تهلل الشيخ كأن سنابك خيل الاعتزاز تدك أديم وجهه الذابل .. تمنحه تطرية تورده، وفي إصرار مستمد قوته من انبجاس فورة اللحظة.. اعتدل في جلستة.. بلع ريقه .. اشتعلت من جديد إشراقات الذاكرة.. اندلقت مكنونات الروح..”[14]، هاهنا يمكن سر الشعرية الذي هو أن تظل دائما كلاما ضد كلام، لكي تقدر أن تسمي العالم من حول الكاتب وأشياءه، أسماء جديدة، أي تراها في ضوء جديد، فاللغة لا تبتكر الشيء وحده، إنما تبتكر ذاتها فيما تبتكره، لأجل قراءة العالم وأشيائه المشحونة بالكلام، ولكلام مشحون بالأشياء، سعيا وراء اكتشاف ما لا ينتهي متضمنا هدما مستمرا للأشكال، هذه التي لا تستقر على صورة ، في خضم جهد إبداعي لا يفتر عن الابتكار الذي لا يتكرر، لا يصنع ولا يؤخذ، ولا يقتبس، فهو ليس لباسا جاهزا على المقاس، أو غلافا مناسبا لوضعية ما، أو إناء، إنه فضاء متموج، يعكس حركة الشعور والفكر على إيقاع القلب[15]، نقرأ في الصفحة 120: ” كان القمر في تلك الليلة قد استجمع طاقته.. بكامل جسده منيرا برز ليرتوي من سخاء الذكرى..”[16]، ويستطرد في الصفحة 183 قائلا : “كانت الذاكرة في اطهارها تكشف كل النتوءات والأغوار وتنفض تلافيفها من الغبار الكثيف…”هنا يجد القارئ نفسه أمام أمواج متصادمة مدا وجزرا في حركة تحرر مستمرة للغة والفكر معا، وبموجب هذا المقتضى يغوص الكاتب في أعماق الذات والوجود بأبهى ما يمكن أن تتيحه اللغة التي تتفجر من تلقاء ذاتها، ويمتلئ هذا التفجر بالإشراقات المفاجئة، والتوترات المضادة، المتعانقة، بحيث يبدو النص كأنه يتدفق على مسرح الذات في صور تتداخل وتتخارج، تتقارب وتتباعد، خارج كل سببية، كأنها الحلم، تتهامس الكلمات فيما بينها وتتحاور وتتنافر وتتآلف في جنون جميل آسر، كأنه يلعب بذاته وبالوجود، فتصير اللغة هاهنا حركة الكائن، مصهورة في صوائت وسواكن[17].

إن البحث عن الشعرية في الخطاب اللغوي الذي تضمنه كتاب “كيل كبد” يفرض ذاته انطلاقا من كون المادة الأدبية الذي يزخر بها  تعد فنا لفظيا بداية لذا فمن المفروض أن تنضبط لقوانين تحكمه، وليست هذه القوانين إلا محصلة جهد استنباطي من النص السردي نفسه، ومن غير اجتزاء وبعيدا عن محاولات إيجاد موقع للنص ضمن بنية مفهومية هاربة دائما وأبدا فلابد أن نسلم لهذا المنجز الإبداعي على المستوى الجمالي بانفتاحه على آفاق جديدة للاستكشاف[18]، متسلحا بما تتيحة الأدوات اللغوية من قوة مشتركة بين النحو والبلاغة بين الحقيقة والمجاز بين المباني والمعاني، نقرأ شيئا من هذه الالتماعات في الصفحة 202: ” – كذلك دأب الطموحين الأقحاح لا يتوقف طموحهم أبدا، وتضيق ساعات الزمن عن حركتهم في الوجود…….فأعود إلى البيت وطيلة مسيري أبث زفرات عجزي وألوم نفسي في إخفاقي وأحاسب أعماقي على خيبتي وإكدائي، ويستبد بي الحنق أحيانا كثيرة حتى أمقت بصيص الأمل الثاوي في صدري.” يسكن الشعر هذه المقتطفات كما يسكن المعنى اللفظ ، فيتجرد السرد من انتمائه التقليدي إلى جنس المحكيات بفعل منطق الشعر، فيصير الأدب وحدة  خارج تحققاته العينية تجريدا محضا وغير إجرائي، يصبح كتابة لا مميزة عن الكتابات الشعرية والفلسفية والسياسية والعلمية[19]، تترجم عمليا الخصائص المجردة للحدث الأدبي في صيغته الجامعة التي تضمن الوحدة والتنوع في العمل الأدبي، وتجعل من القراءة فعلا واعيا يتحول إلى متعة فريدة تشبه الاستماع إلى الموسيقى، فالأفعال والغوامض هي سطور اللحن، متقدمة إلى الأمام، متمازجة مضيفة السمات الدلالية والرموز والإحالات الثقافية تناسقات وإيقاعات إلى النماذج المتواترة، وقد يبدو في بعض الأحيان، أن مستويات النص هذه تمتزج في معنى مرتبط بموضوع واحد حتى حين  يؤدي الخطاب إلى إمكانيات أخرى، وينزلق المعنى  وكل مرادف يضيف إلى جاره صفة جديدة وانحرافا جديدا[20]، قابل لتجدد التأويل وتعدد القراءات، ارتباطا بمؤدى الجمل التي يتعطل فيها مفعول النحو بمفرده ويمتزج بمقتضيات بلاغية يزيح الأداء المباشر للمعنى أو تؤجله إلى حين امتلاك السياق فاعليته بانتهاء النص، هذا التأجيل يمثل أحد أهم التباينات بين الاستعمال العادي للغة اتصاليا والمنجز الشعري الكلاسيكي وبين شعرية التنفيذ اللغوي وجماليته[21].

إن شعرية السرد عند الكاتب تتآلف خطيا مع الرؤية السردية التي استخدم من خلالها تقنيات تحول الأحداث والوقائع من وضعها الخام إلى وضع أكثر صناعة للمشاهد المحكية، وأدق إخراجا بحيث تتفاوت درجات علمه مقارنة بالشخوص من مشهد إلى مشهد ومن وضع إلى آخر، فتختلف مستويات اللغة تبعا لكل درجة، وتنتظم هذه الدرجات وفق الأنماط التالية:

أ- الرؤية مع (Vision avec):

وتعكس خطابا يساوي بين السارد والشخصيات بخصوص العلم بمسار الأحداث ونمثل لهذا بقوله : ” كان التهييء وكانت الفرحة المتقاسمة مع إخوتي ومع أبناء جارنا الحاج محمد بوسفير الذي يشاركنا الرحلة الليلية التي كنت تكتري لها سيارة أحد زبنائك وأصدقائك المسمى العلمي والذي عرفناه ب “التريسيان” لينقل الأسرتين ليلا ويصل قبل الفجر إلى “إيمي إيميحي”، وكانت الفرحة الطفولية تجمعنا وتحشرنا في صندوق الجهة الخلفية للسيارة بين الرزم والحقائب والقفف (إزكاون) المليئة بالمؤونة والهدايا اللازمة لإدخال السرور على الأقارب وصغارهم.” الصفحتان: 64و65 من الكتاب. إن السارد وهو بصدد تفريغ كبسولات الماضي وإعادة صياغتها على نمط نوستالجي جميل وهو يستدعي زمن الطفولة الجميل يشعر مخاطبه (نون) على لسان (كاف) أنهما يتساويان في العلم بمجريات الأحداث، وفي جانب كبير من حسن السبك اللغوي يوحي إلى القارئ بهذا المستوى من الرؤية، إن التجاءه إلى المعطى اللغوي في هذا المقام لم يكن اعتباطا، بل انبنى على وعي لغوي نافذ ومثل هذه التقنية كثير على امتداد صفحات الكتاب.

ب- الرؤية من الخلف (La vision par dèrriere):

ووفق هذه الرؤية ينتصب السارد مهيمنا على تفاصيل الحكي، موحيا بامتلاكه وحده القدرة على توجيه مسار السرد وبناء فصول الكتاب بشكل يحصر التوقع كواحد من صلاحياته، فيعرب عن مشاعر الشخصيات ويدرك أحاسيسها وبواطنها ويحرك مجسات النبض في كل الاتجاهات وعبر كل التفاصيل، ومثل هذا كثير في الكتاب ومتوافر إلى حد كبير فلا يكاد القارئ ينهي صفحة حتى يصادف مثل هذه التقنية في الصفحة الموالية، نقرأ في الصفحة 109 مثلا: ” يتكرر تنبيه المضيفة وحثها للضيفة الأصيلة المرحة الفيحاء الفياضة على المزاوجة بين الحديث والتقوت (حديث ومغزل) والاستزادة من النعم المعروضة أمامها، فهي لا يرضيها إلا أن تبلغ السيدة الصالحة حد الشبع والارتواء أو يزيد عن ذلك من مائدتها خصوصا أنها تطوف على العديد من موائد المدينة ولا بد أن تذكرها بالجود والكرم.” ونقرأ في الصفحة 111: “هناك انتبهت إلى غفلتها عن صوفيتها في خضم مستلزمات الحياة وفتنها، فتحولت إلى عابدة عاملة وداعية، تكنس وتنظف وتتصدى لشتى الأشغال ولا تبالي، وهي في ذات الوقت ينثر من درر الحكم الربانية الصافية، ولم تنقض شهور اعتقالها حتى جعلت فضاء سجن النساء معبدا يواظبن فيه على الصلاة والذكر وتحسنت فيه أحوالهن الروحية والسلوكية ليستحقن شهادة حسن السلوك والعفو وإطلاق سراحهن. لربما استبشر القاضي خيرا بعد ذلك بقدومها وقراره في حقها ولربما شكرها واعتذر لها فنبهته في حكمة عرفانية إلى حكم الله يتصرف في خلقه وإلى مشيئته يفعل ما يشاء في عباده،  ولربما سعى من أجلها لاسترداد حقها فاصطدم بتعنت أحد رموز قوات الاحتلال”. هنا يتضح أن ما من شيء يستطيع الشخصيات إخفاءه على السارد، إنه عالم بأبعاد العملية الحكائية ملم بالمشاعر المنثورة عبر النص الكامنة في داخلها عارفا ببواطن الأمور وخلفيات الأحداث التي تقع فيها وتمهر تفاعلاتها.

ج- الرؤية من الخارج (La vision de dehors) :

هنا تغيب عن السارد غالبية المظاهر الحسية للشخصيات، تاركة البناء السردي يتخذ شكله الرؤيوي اتكالا على علمها، واستنادا إلى ما تقدمه هذه الشخصيات من واقعهم وأجزاء من حياتهم معبرين عن رؤاهم ومواقفهم من الواقع ومن الحياة، وكأن كل شخصية موكولة لها سرد حكايتها دون تدخل السارد[22]، غير أن مثل هذه الرؤية في النص قليلة وعلى قلتها فهي ضرورية جدا لأنها تضفي على العمل السردي تنوعا في التقنيات المستعملة من طرف الكاتب، وذلك لدواع فنية وأخرى خطابية، وأخرى  ترتبط بالشرط البلاغي الذي يسمح بتأدية الوظائف اللغوية المطلوبة، نقرأ في الصفحة 137: “لم يسمع الشيخ لحسن الأقدار حديث المثانة والبول والهلوسات، فقد استسلم بعد أن أدركه التعب المنفي وسكت عن الكلام المضي.” هاهنا تتعدى الرؤية مفعولا واحدا منفصلا عن شخصية السارد، لكن مع خضوعها لإرادته وموقفه الاجتماعي ومنظوره الثقافي للأشياء، يعضد ذلك استعماله المفرط لضمير الغائب، ونمثل لذلك بقوله في الصفحة 201: “- كثيرة هي نجوم الثانوية الجديدة (إعدادية أحمد المنصور الذهبي)، ومثل السيد سبيرو كان أستاذ اللغة الفرنسية السي ( Monsieur Salim) في هدوئه واتزانه وجده وتفانيه في أداء رسالته التربوية والتعليمية وفي صفاء سريرته التي لا تقبل مثقال ذرة حقد.” ويترجم هذا النمط رؤية برانية تمنح الشخصيات درجات متفاوتة من الوعي والإدراك وتخلق فسحة للتأويل وقراءة النص السردي وفق بنية استقبال خاصة بالتلقي، تحتفي باللغة وتذيب الحواجز الزمنية إلى أن يصير المتلقي أكثر التصاقا بالشخصيات.

خاتمة

إن السرد لا يعدو أن يكون عملا فنيا لكنه وفي الآن نفسه لا ينفصل عن الوعي، وإذا كان الوعي يمثل  الإدراك الشامل لحقيقة الأشياء في الواقع فإن تناول هذا الأخير لا يكون إلا بقدر يتم تناوله في سياقه المعرفي الدال، وهكذا فإن الكاتب يطل علينا من خلال تجاوز الجوانب النفسية التي تطغى عادة على الذات الساردة، بعيدا عن الانفعالات مما يجعل النص المسرود يتشكل من مادة حية عميقة من حيث المضمون، استنادا إلى قدرته على الربط بين مختلف التفاعلات المشبعة بوعيها الخاص وضمن منطق داخلي منسجم، يتخذ من اللغة بوصفها دالا اجتماعيا تتولد عنه مكونات جمالية ووظيفية، ضمن اشتراطات خاصة بالبنية السردية، ومن ثم فإن وعي السارد بشخوصه هو في حد ذاته أداة تمكنه من الغوص في أعماقها والتعبير عنها واتخاذها مجالا ونموذجا لما يريده قوله، وهذا يجرنا إلى طبيعة الرسالة السردية حيث تكون مبطنة في ثنايا الشخصيات وفي سلوكها الذي يقرأ فيما بين سطور الأحداث، مشكلة مادة فريدة للحكي تجذب إليها المتلقي جذبا، وتنقله من مجرد وضعيات مقروءة إلى أفق إيهامي جديد، فيتسرب في وعيه ما يرومه المؤلف، حينها يحصل تفاعل أخاذ  بين وعي المتلقي والسارد لتتحول القراءة من مجرد عملية تلق تقف عند مستويات أولية تتمثل في الاستمتاع بالحكاية وأحداثها إلى المتعة والتلقي الثقافي والفكري، والتحاور مع الحكاية نفسها، ونقدها، وتشريحها [23]، واستدعاء مختلف الأصوات القابعة في مناطق الظل، وتعيد صياغة حواراتها لاستنطاق الذاكرة والغوص في المتن السردي في اشتباكه بأسئلة  وجودية ذات الارتباط الوثيق بقضايا التأريخ والثقافة والتراث في جوانبه المحلية.

ولا شك إذن أن الإبداع السردي المنبني على قاعدة الوعي يشكل مكانة فكرية سامية في المجتمع الأدبي ، كما يخول التعامل معه تعزيز قيمة التلقي الناقد، لاسيما مع ما يزخر به هذا العمل السردي من كثير من الإحالات على الواقع وبرؤية خاصة للكاتب تتناول مختلف المواقف بشكل رؤيوي يعيد إمكانيات التأويل انطلاقا من البنية التركيبية للنصوص داخل العمل السردي.

ناقد من المغرب

الإحالات:

[1] – عبد المجيد البغدادي. فن السيرة الذاتية وأنواعها في الأدب العربي، مجلة القسم العربي، جامعة بنجاب، لاهور- باكستان. العدد الثالث والعشرون، 2016م، ص: 199.

[2] – فيليب لوجون، السيرة الذاتية الميثاق والتاريخ الأدبي، ترجمة وتقديم عمر حلي، المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى 1994، ص:34-35.

[3] – مداني أحمد،  المصطلح السردي بين المنظور البنيوي واختيارات “جيرار جينيت”  دراسة مقارنة في المفاهيم والمكونات والوظائف، مجلة الكلم، المجلد 06/العدد 02(2021)، ص: 514.

[4] – والاس مارتن، نظريات السرد الحديثة، ترجمة حياة جاسم محمد، المجلس الأعلى للثقافة،1998، ص: 50.

[5] – نفسه، ص: 96-97.

[6] – ويسمى عند العرب قديما: أسمار الليالي للعرب مما يتضمن الفكاهة ويورث الطرب، انظر : التعليم والمعرفة، المشاءة خرساء بألم فصيح، مركز الاتحاد للأخبار، على الرابط : https://2u.pw/LJIfb منشور يوم: 11 مايو 2017 13:22 (شوهد يوم: 09 يناير 2026. 16:58).

[7] – إلياس الخوري، الذاكرة المفقودة دراسات نقدية، دار الآداب،1990، ص:277.

[8] – ميخائيل نعيمة، دروب، مؤسسة نوفل، بيروت، 1975، ص: 52.

[9] – عمر عيلان، في مناهج تحليل الخطاب السردي، منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق، سلسلة الدراسات (2) 2008، ص: 94.

[10] – جيرالد برينس، قاموس السرديات، ترجمة السيد إمام، ميريت للنشر والمعلومات، القاهرة، الطبعة الأولى، 2003، ص: 34.

[11] – إساء حسين جابر، أسلوب السرد في الخطاب الروائي العراقي الحديث – روايات سعد محمد رحيم أنموذجا، Route Educational & Social Science Journal Volume 6(2) ; January 2019، ص: 230.

[12] – جميل حمداوي، اللغة في الخطاب الروائي العربي، دنيا الوطن، على الرابط : https://2u.pw/zB3E4 ، منشور يوم: (27/11/2006)، شوهد يوم: (24 يناير 2026، 19:08).

[13] – نفسه.

[14] – تم التصرف في النص تصرفا خفيفا يظهر أفقه الشعري.

[15] – أدونيس، الشعرية العربية : المفاهيم والأنواع والأنماط، دار الآداب، بيروت- لبنان، الطبعة الأولى 1985، ص:78.

[16] – بتصرف.

[17] – أدونيس، الشعرية العربية: المفاهيم والأنواع والأنماط، مرجع سابق، ص:66.

[18] – حسن ناظم، مفاهيم الشعرية دراسة مقارنة في الأصول والمنهج والمفاهيم، المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى،1994، ص: 10.

[19] – المرجع نفسه، ص: 13.

[20] –  والاس مارتن، نظريات السرد الحديثة، ترجمة حياة جاسم محمد، مرجع سابق، ص: 218 – 219.

[21] – سعيداني بلقاسم، النحو والشعرية : الانحراف وتشكل الدلالة وأثر ذلك على العبارة، مجلة تمثلات، العدد الأول (01)، جانفي 2015، ص:52.

[22] – محمد بشير المطيري، تقنية الرؤية السردية في روايات خالد اليوسف، مجلة أمارات في اللغة والأدب والنقد، المجلد07، العدد 02، السنة 2024، ص:21.

[23] – مصطفى عطية جمعة، الوعي والسرد نقد، دار النسيم للنشر والتوزيع، الطلعة الأولى:2016، ص: 11-12.

عن madarate

شاهد أيضاً

العدد الواحد السبعون السنة السابعة مارس 2026

   

اترك تعليقاً