أشعار تلامس الجرح والأمل قراءة في عتبات ديوان “أسفافا” للشاعر الأمازيغي المغربي حسن أبراهيم

لحسن ملواني*
تقديم عام
إن الشعر الأمازيغي كغيره ديوان أهله، ينقل تفاصيل حياتهم ويحفظ تاريخهم راسما رؤيتهم للعالم…يحمل القيم، ويصير جسرا لها نحو الناشئة، وبذلك يعد من الوسائط التربوية الناجعة، وعلاوة على إمتاعه لكونه فنا جميلا، فإنه ذو دور فعال في حماية الهوية، وفي التعبير عن الأمور السياسية والاجتماعية، فهو منبر للنقد والانتقاد والتحبيذ والإطراء والهجاء، والتحميس، والتنفير مما لا يساير طبيعة العادات السائدة التي تصنف من قبيل المعروف لا المنكر. وبذلك يمتلك قوة التأثير السياسي والاجتماعي والخلقي. علاوة على ما سبق، فهو يحافظ على صفاء اللغة وعمقها بطرق جمالية تضمن له سمة الإمتاع والإعجاب.
وقد كان الشعر الأمازيغي لردح من الزمن شفويا مرتبطا بالمناسبات والحياة اليومية للأمازيغ حيث كان الشعر ملازما لهم طيلة ايام السنة، لارتباطه بأعمالهم ومناسباتهم المتوزعة على شهور ومناسبات كل عام. و” يقصد بالشعر الشفوي ذلك الشعر الذي يعتمد على الحفظ الذهني والارتجال العفوي وسرعة البديهة واستخدام الرواية في نقل الشعر من جيل إلى آخر دون الاعتماد على الكتابة والتدوين. ويستند أيضا إلى الذاكرة الفردية والجماعية في نقل الموروث لذلك غالبا ما يأتي هذا الشعر تعبيرا عن لا شعور جمعي ووعي جماعي مشترك. وقد تكون الشفوية ميسما للثقافة الشعبية أو الثقافة العامية بينما الكتابة تكون أسا على التحضر والرقي والازدهار الفكري والفني مثل تلك الإشكالية الفلسفية: العقل “الحضارة والكتابة” والطبيعة ” البدائية والشفوية”. وقد سببت هذه الشفوية في ضياع كثير من الإنتاجات الإبداعية والثقافية. وهذه الخاصية الشفوية ليست عيبا يلتصق بالأدب الأمازيغي فقط، بل عرفت عند الحضارات السابقة التي وصلت قمة في العطاء والإنتاج الفكري والفني والعلمي كالحضارة اليونانية والفرعونية والحضارة العربية التي ضاع منها في الجاهلية كثير من الأشعار والإبداعات النثرية والعقلية. كما أن الشفوية مرحلة أساسية لابد أن تمر بها أية أمة أو حضارة على غرار مراحل خلق الإنسان حتى يستوي عودها عن طريق الكتابة والتدوين.
وعندما نتحدث عن الشعر الأمازيغي فمن أهم ما يقال عنه أنه شفوي بسبب الإهمال والاضطهاد والتهميش والإقصاء والأمية وعدم معرفة الكتابة التي كانت حكرا على المثقفين والطبقات الاجتماعية الراقية وأصحاب السلطة والنفوذ. وقد ترتب عن هذا ضياع كثير من التراث الثقافي والإبداعي ناهيك عن عدم توظيف اللغة الأم في التسجيل والتدوين كما وقع للإرث الأمازيغي الشعبي والعامي. ولا يعني هذا أنه لم يكن هناك أشعار أمازيغية مدونة، بل وصلت لنا نصوص كتبت إما باللغة اللاتينية وإما باللغة العربية ولاسيما في العصور الوسطى “1. وفي عصرنا الحديث ومع التقدم التكنلوجي ووسائل الاتصال، والتمدرس بدأ الشعر الامازيغي يتخذ منحى آخر، يتعلق بالتدوين والتوثيق والكتابة للشعر على شكل قصائد شخصية أو دواوين شعرية كما الحال في شتى البلدان.
وقد ظهر في شتى أنحاء المغرب شعراء حملوا مشعل المحافظة على الشعر معتبرين إياه أداة لا يستهان بها في التربية والتأثير الإيجابي في القضايا الاجتماعية والتربوية وغيرها، وبين الفينة وأخرى يصدر ديوان لهذا الشاعر أو ذاك، وفي مقالنا حديث مقتضب حول ديوان شاعر أعطى الكثير للأدب الامازيغي إبداعا وكتابة ومشاركة في ندوات ومحاضرات، وهو الشاعر حسن أبراهي من الذي تستهويه الكتابة منذ حداثة سنه، وهو في هذا الديوان، يحاول الإسهام في التراكم الأدبي الشعري الأمازيغي.

قراءة في عتبات الديوان
1 ـ الغلاف:
لعتبة الغلاف أهمية خاصة باعتبارها أولى العتبات التي يواجهها القارئ وهو مقبل على قراءة أي كتاب، وتندرج في الموجهات والمحفزات إزاء المضمون المنتظر في العمل الأدبي أو الفكري أو غيره، إنها ملمحة وموحية بهوية النص وافتراض مضمونه وثيماته…كل هذه السمات تجعل من الغلاف محطة جاذبة للقارئ كي يتفاعل مع معطيات أي كتاب.
وصدْرُ غلاف ديوان مقالنا غلاف جاذب بلا شك، فهو بخلفية بيضاء صافية يعلوها اسم الكاتب “حسن أبراهيم” وتحته عنوان الكتاب”أسفافا”=asfafa. وتحت العنوان رسم موسوم بالتشظي، ذلك أن لكمة وسطها حرف أمازيغي تخترق ما يشبه سدا طبيعيا بحجارته وتربته، وكأنها تحاول الخروج من الضيق إلى السعة ومن الانحباس إلى الانطلاق، ومما يحيل عليه محاولة العودة إلى التراث الأمازيغي المهمل والمنحصر انحصارا يؤدي إلى تجاوزه.
تحت الرسم نجد تحديدا لنوعية وهوية النص المتضمن في الكتاب” مجموعة قصائد”.
أما الواجهة الخلفية للغلاف فتحمل جزءا من مقدمة عمر درويش، وتحتها نبذة مختصرة للشاعر حسن أبراهيم مرفوقة بصورته الشخصية.
2 ـ العنوان:
تعتبر عتبة العنوان المفتاح الموحي بالفحوى العام الذي سيؤطر معطيات العمل الأدبي أو الفكري، فهو قادر على إبراز لب العمل الأدبي قبل الوقوف على تفاصيل معطياته وأجوائه.
العنوان واجهة تؤسس عليها دلالات النص مشكلا رمزية ملمحة للموضوع العام للعمل الإبداعي مشوقة إلى تلقيه مع اختبار فرضيات ما قبل الولوج إليه.
3 ـ عناوين القصائد:
جاء الديوان في ثمانية وثلاثين قصيدة، بعناوين متنوعة هي :
الاخوة، الحرية، رائحة الربيع، الثورة، القبس، افركلا(واحة)، حياة دنيئة، الشيخوخة ، الاحلام، جبل بادو، الباطل، الاشعار، تهميش، الحفاء، ذوو الظلمات، الوردة، نبا(صاغرو) ، المخادع، الاسد ، المقاوم، العبء، اليتيم ، منذ الصغر، دعونا ، العاطل ، الزمن، الثرثار ،المسكين ، الخداع، قيمة الشجاعة، ساكن الجبل، الحب ، الحموضة، الارملة ،الغار ،الأمل، العقل الناقص، اليقظة .
وهي عناوين تحيل على قصائد متنوعة الثيمات ، ويمكن توزيعها حسب المحاور التالية ـ محور اجتماعي ـ محو الشكوى ـ محور الانتقاد.
محاور تفرض نفسها في الديوان متعالقة مع عنوانها الذي يمثل بؤرة الديوان باعتباره المحيل على معطيات الديوان بصفة عامة.
4 ـ المؤلف:
وتعتبر عتبة المؤلف العتبة التي تساهم في تشكيل عنصر الجذب لدى المتلقي انطلاقا من معرفته بجوانب تخص المبدع صاحب العمل الإبداعي المستهدف بالقراءة أو بالقراءة والتحليل معا.
ومؤلف الديون هو الأستاذ والشاعر حسن أبراهيم من مواليد 1988 بقصر الخربات، تنجداد، إقليم الراشيدية، الابتدائي كاتب ومهتم بالشعر والسرد الأمازيغيين ، وله مساهمات كثيرة في هذين المجالين، فاعل جمعاوي بارز في الجنوب الشرقي وفي منطقة قلعة مكونة ونواحيها بالخصوص، يحاضر، ويؤطر ورشات في شتى المؤسسات الثقافية والتعليمية، وهو علاوة على ذلك رئيس جمعية” أنازور للإبداع” التي لها وزنها في النسيج الجمعوي بالمنطقة.
5 ـ التقديم للديوان:
قدم للديوان الاستاذ عمر درويش: وحتى أكون موضوعيا في ترجمة تقديمه، فهذا ما فهمته ، من هذا التقديم:
هناك أعمال قليلة صغيرة لا نشعر حتى تصير عظيمة وازنة، قال الأولون قطرة فقطرة يفيض النهر، لبنة لبنة تبنى المنازل والقصور، وشيئا فشيئا نؤسس كتاباتنا وأدبنا الجديد الذي يخطو رويدا رويدا رغم تهميشنا للقصيدة فإنها كانت تحثنا كي نستفيق من لإغفالنا لها.
في هذا الإطار، يندرج ديوان الشاعر والأستاذ حسن أبراهيم، ونرجو أن يصل المتلقين، في زمن يتطلب منا بذل الجهد قصد تجاوز تعثراتنا وإنتاجنا الأدبي الضئيل. ونتمنى من الجمعيات والمدارس وكل المؤسسات الثقافية أن تفتح أبوابها أمام الناشئة للوقوف على مثل هذه الاعمال الأدبية تنويرا لهم وفسحا للطريق أمامهم للتزود الثقافي والإبداعي.
وعلينا أن نقول ونؤكد على أن الأمازيغية تحتاج إلى جهودنا ، ولا يمكن أن تكتفي بذاتها في تحديد وجودها والنهوض به بمعزل عن هذا الوجود كما يعتقد البعض.
تحدث شاعرنا عن الحب والورد وبلدته والجبل والحرية والأمل ولم ينس الحديث عن الحزن ومنغصات الحياة والثورة والمقاوم المبدع محاند أمزيان سيدي علي الذي قضى نحبه وهو صغير.
ويعتبر الشاعر حسن ابراهيم من الجيل الذي فطن إلى العقبات التي يواجهها إخوانه وأخواته في سبيل الامازيغية، مجسدا بأشعاره ما يراه كفيلا بمراعاة ما تحتاجه الثقافة الامازيغية من أمور. وبقصائده يوقظ في القلوب التمني والآمل في مستقبل زاهر.
من قصائد الديوان:
سأكتفي بمحاولة ترجمة إحدى قصائد الديوان، وقد اخترت قصيدة “القبس”، يقول الشاعر:
أخذناك يا قبس
فأنت المزيل الكاسح للظلام
عرضت أمامك أدخنة كثيفة
فأنقذني من هذه العتمة
سنوات وأنا أُقبَرُ
لم أعش يوما أبيض
الخداع صلب كالحديد
ولم يعد أي شيء خافيا
جعلوا الأعرج يمشي
والميت حيا
والأعمى مبصرا
والأصم سامعا
والتافه متكلما
يستأثر بالكلام وسط الجموع
…
أيها القبس اغسل هذا الحلك
وابعث بكتابة منورة
تزيح ما يكدر مياه الساقية.
هامش:
ـ1 “الأنطولوجيا ” ـ جميل حمداوي، بتاريخ 31 يناير 2019م.
كاتب من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي