المُوسْم وجِبِلَّةُ العابر من الطقس الاحتفالي إلى الذهنية الموسمية

الحسن أقديم*
” هكذا نحن، شغفنا بالأمور عابر، تجندنا للقضايا عابر، اهتمامنا، وتعاطفنا، واستنكارنا، وتتبعنا للأمور ظرفي جدا. والمآلات دوما سيئة وحزينة. كالأطفال سرعان ما ننفض أيدينا من شيء، وننصرف إلى شيء آخر ..” [1]
يعد المُوسْم من أعرق الطقوس الاجتماعية بالمغرب، وتتعدد أنماطه وأشكاله، فهناك المواسم الدينية والاقتصادية والفلاحية والاجتماعية والفرجوية، وقد تحضر هذه الأبعاد كلها داخل النمط الواحد، وقد استطاعت الكثير من المواسم المغربية القديمة ضمان تكيفها واستمرارها في العصر الراهن رغم تغير الظروف والسياقات التأسيسية المؤطرة لها، بل استجدت مواسم تقليدية بتيمات جديدة، وانضافت إليها المواسم الثقافية والمهرجانات المناطقية حديثا، وفي كل مرة يعاد إنتاج المُوسْم بلَبوس جديد يستجيب لشروط العصر الراهن، وذلك راجع إلى التأثير الرمزي العميق لبنية الموسم في الذهنية المغربية الجمعية. إن المُوسم بمثابة رأس مال رمزي، ومكون بنيوي في النسق الاجتماعي والروحي والذهني للمغاربة، لذلك يتم التشبث دوما بشروط وجوده وسياقات إعادة إنتاجه بشكل فعلي ورمزي، فهو سليل بنية سيكولوجية لا واعية، موشوم بالرموز والعلامات التراثية الدينية والتاريخية والثقافية والاجتماعية والأسطورية …إلخ.
بغض النظر عن المظهر السطحي الاحتفالي والاقتصادي والديني والاجتماعي للمُوسم، فالأجيال التي عايشت المواسم قديما وظلت متشبثة بها، تدرك العمق الرمزي والروحي والهوياتي لهذه الملتقيات السنوية الدورية، فهي التي تربطهم بسرديات القبيلة والجْماعة والأجداد وتضعهم في حضن الأرض والأصل والتراث والذاكرة والقيم المشتركة، وتغذي أرواحهم وتعيد شحنها بشكل دوري بالحنين الوجودي لحياة البادية القديمة قبل زحف المدنية، وتشدهم المواسم إلى الماضي الذي يسكن وجدانهم، وتقوي الروابط الاجتماعية بين الناس، وتحررهم من مشاعر الاغتراب والعزلة والضياع واليأس والقلق الوجودي الذي يكتنف الحياة المدنية المعاصرة، وتنفس عنهم، ولو ظرفيا، ضغوطات حياة معاصرة سريعة ومتقلبة وفاقدة للمعنى.
ـ المُوسْم واللاشعور الجمعي
إذا كان سيغموند فرويد قد تحدث عن اللاشعور الفردي باعتباره قارة مشكَّلة من الدوافع والرغبات المكبوتة، لكنها تنفلت في سياقات محددة من رقابة الأنا الأعلى، فإن كارل يونغ لا يُدخل عامل الكبت في عمل اللاشعور، وإنما يراه دالا على مجمل الأشياء التي تعرفها جماعة وتكتسبها لكنها تدخل في دائرة النسيان، فلا تفكر فيها. إن اللاشعور الجمعي مستودع من الذكريات القديمة والخبرات والتاريخ والعواطف وما ترسب في اللاوعي من عناصر ثقافية وسياسية ودينية، يشترك فيها أفراد جماعة بشرية، وتتحرك عند الحاجة بحرية وبشكل جماعي، ومن هنا نبعت فكرة استقلالية وتلقائية اللاوعي التي تميز مفاهيم كارل يونغ عن مفاهيم فرويد بشكل جذري [2].
إن ما ينفلت من اللاوعي أو اللاشعور عبر نافذة الأحلام لا يرتبط بالضرورة بما هو شخصي ذاتي، كما يرى فرويد، بل قد يكون مضمونا جماعيا موروثا، ومن هنا الحديث عن اللاشعور الجمعي. لذلك يعتبر كارل غوستاف يونغ أن ” اللاوعي لا يحتفظ بمواد شخصية فقط، وإنما بعوامل لا شخصية أيضا، هي عوامل جماعية على شكل مجموعات موروثة ونماذج بدئية. لقد أطلقتُ إذا فرضية أن اللاوعي يحتوي، في طبقاته العميقة، مواد جماعية حية وفاعلة نسبيا، وهكذا كنت مقادا إلى التحدث عن لاوعي جماعي.”[3] وفي نظرنا يعتبر المُوسم مكونا داخل قارة اللاشعور الجمعي المغربي.
لقد اهتم إريك فروم بظاهرة التغير الاجتماعي وتأثيرها على نفسية المجتمعات، كما حدث عندما تحول الإقطاع إلى الرأسمالية، وتحول الحرف الفردية إلى المصانع، مما أدى إلى ” اضطراب في الطبائع الاجتماعية للناس، ولا يصبح التكوين القديم للطباع مناسبا للمجتمع الجديد مما يزيد من شعور الإنسان بالاغتراب واليأس. وأثناء هذه الفترات الانتقالية يصبح ضحية لجميع أنواع المزاعم والادعاءات التي تهيء له ملاذا من الشعور بالوحدة “[4]. وفي ظل التغير الاجتماعي المتسارع للمجتمع المغربي يصبح الارتماء في حضن التقاليد الاجتماعية من بين آليات المقاومة النفسية للمتغيرات المتسارعة في عصرنا الراهن. فرغم المظهر الحداثي، إلا أن البنية العميقة المتحكمة والمهيمنة هي بنية المحافظة والتقليدانية على صعيد الفكر والسلوك والاختيارات.
إن الماضي بمختلف مكوناته مسيطر على أذهان مجتمعاتنا، وعيها ولا وعيها، رغم ما يظهر من تحديث في البنيات المادية. فالنظم الرمزية التقليدية عامة، والمُوسم واحد منها، تعشش في المخيال الاجتماعي الذي يعد العنصر المشكل للبنية اللاشعورية للمجتمع، على شاكلة تصورات ورموز ومعايير يتم فيها وبها تأويل المجتمع للأشياء والظواهر، وتحديد طرق التعامل معها، إنه مخيالنا الاجتماعي الشعبي والروحي الذي تسكنه الكثير من رموز الماضي كالأولياء والصلحاء والسلاطين والكرامات والبركة والأجداد والقبيلة.. إلخ. لقد تحول المُوسْم من واقعة مادية إلى فكرة رمزية، تحكم تعامل المغربي مع الزمن والفعل، وهذا هو موضوع دراستنا في هذا المقال.
ـ المُوسم من الواقعة التاريخية إلى الفكرة الرمزية
إن مقاربة المُوسْم باعتباره نسقا ذهنيا يُبَنْيِن التفكير الفردي والجماعي للمغاربة، ويطبع فهمهم للعمل والزمن بصبغة خاصة، يتطلب الحفر في الطبقات العميقة لطقوس المواسم في المغرب، بخلفية أنتروبولوجية وسوسيولوجية وتاريخية، ثم البحث في تمظهرات المُوسْم الرمزية النفسية والذهنية والاجتماعية، على صعيد طريقة التفكير والفعل والتفاعل مع الزمن والأحداث، ومجمل ما يشكل رؤيا المغربي للعالم، لاستنباط خاصية الاهتمام الظرفي العابر بالأحداث الذي يطبع اللاوعي الجمعي المغربي، وجاء الفضاء الرقمي ليكرس هذه البنية الظرفية في التفاعل مع المستجدات مهما كانت درجة أهميتها.
لقد حظيت الطقوس والتقاليد الاجتماعية المغربية باهتمام العديد من الباحثين في حقلي السوسيولوجيا والأنتروبولوجيا، ويعد الموسم أحد أبرز هذه البنيات التقليدية التي أثارت اهتمام الباحثين الأجانب كـ : جاك بيرك، وكليفورد كيرتز، وإدموند دوتي، والباحثين المغاربة كـ : محمد جسوس وعبد الله حمودي وحسن رشيق وعبد الكبير الخطيبي وبول باسكون ..إلخ، واستطاع التراكم البحثي الذي أنجز حول المواسم رفع الغطاء الفولكلوري السطحي عنه، والنفاذ إلى العلامات والدلالات الرمزية للموسْم كفضاء تقاطع المقدس والسلطة والذاكرة والهوية. إن المُوسْم نص ثقافي ونسق اجتماعي ومسرح مفتوح مكثف العلامات، ففيه اللغة واللباس والحركة والجسد والموسيقى وطقوس الذبح والاجتماع والتواصل والإطعام ..إلخ، وقد اهتم الباحث عبد الكبير الخطيبي بدلالة هذه العلامات، واضعا الموسم تحت مجهر السيميائيات.
تعد المواسم الاجتماعية التي يكون مركزها ضريح ولي صالح أو زاوية صوفية من أعرق الطقوس الموسمية بالمغرب، وقد عنيت باهتمام السوسيولوجيا الكولونيالية والمغربية، لمكانتها الرمزية في المجتمع المغربي، ولما كان يتبوأه الأولياء والصلحاء من مكانة اعتبارية شبه مقدسة، وما اقترن بأيديهم من بركة، وكرامات، تمظهرت في طقوس الاستسقاء والاستشفاء وحل النزاعات، فكانت أضرحتهم ملاذات للأمان الروحي في زمن الجفاف والأوبئة والمجاعات. لعل هذا البعد الروحي هو العامل المسهم في ترسيخ البنية الموسمية في الذهنية المغربية، فكل فكرة يراد لها الديمومة والبقاء يُقذف بها في أحضان المقدس. دون أن ننسى الوظائف الاجتماعية والاقتصادية والترفيهية التي كانت تضطلع بها المواسم.
لقد كانت الأيام متشابهة في مجتمع فلاحي تقليدي، لكن اللحظة المتميزة التي تشرئب إليها الأعناق وتُنتظر بحرارة وشوق، هي لحظة الموسْم، فهي التي تلبي جميع الحاجات المادية والمعنوية، ففيها التعبد والتفكه والتواصل والاجتماع والتجارة والبركة والترويح والاحتفال والرقص والشعر والغناء والأخبار. إن المُوسم زمن مكثف استثنائي يقع بين زمنين ممتدين وعاديين، وهو زمن فريد ولحظة تتوسط الدورة الزراعية، ففي لحظة الموسم يعلق الزمن اليومي العادي، ويعود إليه الناس بعد إغلاق قوس الموسْم.
لكل موسم بداية ونهاية، أيام معدودات تبدأ بحرارة اللقاء والبيع والشراء والزيارة والتبرك والاجتماع، وتسريج الخيول وإطلاق البارود، وتكسير القلل، ورفع الزغاريد والصيحات والمواويل، وتهييج الأوتار والدفوف والكمانات، ويصل إيقاع الموسم أقصاه، وبشكل تدريجي تخبو السربات والأصوات، وتهدأ الحركة والجلبة تدريجيا، إلى أن ترفع أكف الدعاء والرجاء في لقاء قريب في موسم جديد، والكل يجب أن يضع نقطة نهاية لزمن الموسْم، بعد إشباع حاجاته الروحية والنفسية والمادية، ويستأنف حياته من جديد، مغلقا قوسا احتفاليا عابرا، فتُفَكُّ أوتاد الخيام وتطوى، وتُشد رحال العودة إلى الزمن الدائم والمستمر، بعد لحظة الموسم العابرة.
لقد بصمت طقوس المُوسم وزمنيته ودورته السنوية البنية الذهنية المغربية، وترسب منطقه في اللاوعي الجمعي للمغاربة، وهكذا يحدث أن تطرأ وقائع في حياة الناس في الحي أو الدوار أو الوطن كافة، فيأخذهم حماس البدايات وتستثار عواطفهم وتستيقظ في دواخلهم حمية وحرارة الموسم الدفينة، فيصل الهياج والاحتفال والاهتمام والانخراط مداه، لكن فجأة يخبو الحماس، ويدب الملل في النفوس، فيصرف الناس وجوههم عن المسألة التي شغلتهم للتو، وينصرفون إلى رتابتهم اليومية، وكأن شيئا لم يقع، وبذلك فقد استعار المغاربة تصوريا ومعرفيا طقس الموسم، وصاروا يفهمون به دورية الزمن والعمل، على شاكلة الاستعارات التصورية التي بها نفكر ونحيا [5].
إن ما يؤكد تجذر هذه النزعة الظرفية الموسمية في السلوك المغربي الجمعي هو الاضطراد الظاهر في تفاعل المغاربة فرادى وجماعات في التعامل مع الكثير من الأحداث والقضايا، فقد يحدث أن يستنهض الناس هممتهم للترافع حول قضية أو حق أو مشروع أو قيمة أو مؤسسة أو شخص أو فكرة، ويصل إيقاع الترافع والعمل والتعبئة والاهتمام إلى عتبته، ثم يخمد الوهج فتنطفئ الشعلة دون أن يصل العمل لمنتهاه. لقد استعارت ذهنية المجتمع بشكل لاواعي الازدواجية الزمنية بين لحظة الموسم الاستثنائية والزمن العادي، فلحظة الموسم مكثفة بالأنشطة، وموسومة بالتوهج والنشاط، تكسر خطية الزمن ورتابته، ولكنها لحظة عابرة غير مستمرة في الزمن، وما عداه زمن عادي وممتد، وهو الأصل.
ـ وقائع موسمية : التدين والسلوك التضامني والبيئي
التدين سلوك يحكمه منطق الارتباط الوجداني والروحي بالطقس الديني الموسمي، ويتمظهر ذلك مثلا في شهر رمضان، فهو زمن التدين الاستثنائي المكثف، حيث يرتفع منسوب الورع والإقبال على المساجد، وبمجرد ما ينتهي هذا الشهر يغلق الناس قوس تنشيط الكثير من مظاهر التدين والأخلاق وينحسر منسوب الورع والتقوى، ليعودوا إلى دورة حياتهم الرتيبة، وتدينهم الحقيقي في الزمن العادي، بعد انقضاء الزمن المقدس، فالجهد الذي يبذل في موسم رمضان غير قابل للتعميم والاستمرار على شاكلة منهج وانضباط مستمر والتزام دائم.
تجدر الإشارة إلى أن الممارسات التعبدية الرمضانية تصاحبها طقوس موازية كالفرجة والتغدية والترويح، الأمر شبيه بالاحتفالات التي تنظم بمناسبة عودة الحجاج من أداء مناسكهم الدينية إبان موسم الحج، والتي تقربهم من مشهد الحساب، مع ذلك لابد من التنفيس بشكل من أشكال الفرجة والاحتفال، إنه ذلك المزيج السحري بين الورع والفرجة في المواسم الدينية المغربية، إن الإنسان المغربي الشعبي مجبول على الموازنة بين الدين والدنيا، بين الجد والهزل.
لقد عاش المجتمع المغربي في الآونة الأخيرة أحداثا جليلة لكنها صارت في طي النسيان، مثال ذلك كارثة زلزال الحوز وما تلاه من تضامن شعبي مبهر، حتى فاضت المواد الغذائية والملابس والأغطية عن الحاجة، فكُدست في جنبات الطرقات في أعالي جبال الأطلس الكبير، إنه موسم العطاء الانفجاري اللامحدود، حدث شارك فيه الجميع بعفوية وكثافة وسخاء، وسينسحبون منه بسلاسة، بعد خفوت الدافعية وتفريغ الشحنة العاطفية التضامنية الموسمية في لحظة مكثفة وعابرة. من يتذكر سكان الجبال في فترات قساوة الطقس والمجال، إلا من بعض المبادرات المحدودة التي لا تندرج بدورها ضمن نسق تضامني منتظم في الزمان والمكان، أو سياسة اجتماعية تكافلية خارج منطق الإحسان. إن الهَبَّة التضامنية الشعبية لها بداية وذروة ونهاية. إن ثقافة المُوسم أسهمت في تجذير فكرة الحدث العابر، والجهد المكثف، واللحظة الاستثنائية، في ذهنية المجتمع المغربي، مهما كانت درجة أهمية هذا الحدث.
واقعة تتكرر عندنا كثيرا، وهي أنه يحدث أن يتعبأ الناس فجأة لتنظيف حيهم وتهيئة البيئة المحيطة بهم، بغرس نباتات ووضع حاويات أزبال، وصباغة الجدران، وتزيينها بجداريات، وفي ذلك اليوم المشهود تحضر الجرافات والشاحنات، وتعد الوجبات ويعم النشاط والحيوية، وبعد أيام معدودات يخرج الناس من موسم العناية بالمجال البيئي والجمالي للحي، وكأنهم غرباء عن ذلك السلوك المدني الذي أقدموا عليه ذات يوم، فتُرمى الأزبال في كل مكان بشكل عادي وأمام مرأى الجميع، وتذبل النباتات، وتعود حليمة إلى عادتها القديمة، لأن الطبع يغلب التطبع، والسلوك الطارئ ليس معيارا بل نشازا.
ـ الموسم السياسي والمؤسساتي
” … فهو (المخزن) من زرع جبلة العابر فينا، وعبر قرون من حملات التطويع والإلهاء والمواسم وبناء ما ينبغي أن يتذكر وأن ينسى، لذا فهو وكلما استنفر الناس وألبوا ضد شيء، يدس رأسه في الرمل، ويرقب بضحكة ساخرة المرور الأكيد للعاصفة “[6]
في المجال السياسي تتضح الموسمية بشكل جلي، باعتبارها نزعة نفسية واجتماعية وذهنية، ألسنا نتحدث في المغرب بالاصطلاح اللغوي عن موسم الانتخابات، حيث يختزل الوعي الجمعي السياسة في الحملة الانتخابية والسلوك الانتخابي، وينتهي الموسم الانتخابي/السياسي فور إعلان النتائج، فالبرامج والتعاقدات والمخرجات السياسية لا تهم الناس بقدر ما ينشغلون بالمعارك والصراعات الأهلية والمناطقية التي تؤججها الكيانات الحزبية زمن الانتخابات، فيكون التعامل مع العملية الانتخابية كمباراة رياضية لها بداية وعتبة ونهاية، وفيها منتصر ومنهزم، ليكون بذلك التصور العام للسياسة مطبوعا بهذا المنطق الموسمي، كلحظة استثنائية للتعبئة والانخراط والعمل الميداني والخطابي المكثف، على شاكلة التجمعات والاجتماعات والملصقات والشعارات، مدتها أقل من شهر، ثم بعده يجب على الطقوس السياسية / الانتخابية الانصرام، فلكل مقال موعد لن يخلفه، وبعده يصبح الكلام خارج اللحظة السياسية الموسمية محظورا أو غير ذي موضوع.
إن الأنشطة التي تسم موسم الانتخابات شبيهة إلى حد بعيد بأنشطة المُوسْم، ففيهما البيع والشراء، والإطعام والتقرب، والفرجة والعرض، والاحتفال والتعبئة، والاستقطاب والتجمع ورواج الخطاب ..إلخ، أما الفاعل السياسي فهو يدرك هذه المسألة، ويظهر بين الفينة والأخرى في المناسبات والاحتفالات، ويعرف أن الناس يعشقون فيه جدلية الحضور والغياب، الظهور والأفول، كالبدر الذي يُفتقد في الليالي الظلماء. لذلك يتحَيّن فرصة المُوسْم ليعيش مع الناس اللحظة المكثفة في هالة ولي صالح، يتكفل بثمن الذبيحة، وينثر بركته على الأهالي، ويجزل العطاء، ويعرف أن لحظة المُوسْم استثنائية وخاطفة، لكنها تترسخ في أذهان الناس، وتكون موضوع كلامهم طيلة العام، وبالمنطق ذاته يحضر السياسي في موسم الانتخابات، معززا صورة الكائن الذي يظهر ويختفي.
قد يخبرك أحدهم قبل لحظة الموسم الانتخابي بأنه لن يشارك في الحملات ولا في عميلة التصويت، وسيعتزل المشاركة في اللحظة الانتخابية برمتها، ولكن يحدث أن تجد هذا الشخص وسط السعار والهياج الانتخابي، منخرطا في التسويق لمنتوج سياسي ما، كما يصرخ الباعة في المواسم التقليدية، فكيف سيتحرر هذا الشخص من ضغط سيكولوجية الجماهير حين تندفع من كل فج للمشاركة في الفرجة التنافسية، والمبارزة السياسية الموسمية، التي تحضر فيها كل الطقوس الموسمية القديمة، إلا السياسة في مدلولها الحقيقي. إن العملية السياسية لا تختزل في لحظة انتخابية موسمية دورية، بقدر ماهي نظام وممارسة يومية وسيرورة تعاقدية ممتدة في الزمن، تقتضي المتابعة والمراقبة والتقييم والتقويم والمحاسبة.
لعل أخطر تجل للذهنية الموسمية هو العمل المؤسساتي، المرتبط بالإدارة والسياسات العمومية وتدبير الشأن العام كحدث لا كنظام وسيرورة، فلا يعقل أن تشتغل المؤسسات بمنطق موسمي، يُكَثَّف فيه الجهد والتعبئة في فترات وجيزة، ثم تدخل المؤسسة في حالة ركود وجمود، فالاهتمام بالشأن التربوي مثلا، على الصعيدين الاجتماعي والمؤسساتي، يكون مكثفا في مرحلة الدخول المدرسي وفي فترة الامتحانات الإشهادية، كما يتم تداول مفهوم ” الحملة ” في إدارات عديدة، على شاكلة بنية “الحْرْكَة” قديما، وذلك بالظهور القوي في لحظة فارقة، ثم الانسحاب من المشهد بعد إنجاز المهمة المطلوبة.
الاقتصاد بدوره موسمي، وليس سيرورة ممتدة، ويُتعامل معه بهذا المنطق، منطق الدورة الزراعية الموسمية الذي ترسخ في الأذهان لقرون طويلة، والمحكوم ببنية ذهنية دائرية لا خطية، خذ مثلا قطاع السياحة والتجارة، حتى تعاملنا مع المشاكل المستجدة يحكمه منطق انتظار اللحظة المناسبة والفرصة السانحة ومجيء الحل السحري الجاهز، بدل أخذ المبادرة وصناعة الفرص، والتخطيط والاستشراف والعمل التراكمي العقلاني المنتظم. إن منطق انتظار اللحظة المناسبة بنية معرفية مرتبطة كذلك بالنزعة القَدَرية، وقدرة عوامل ميتافيزيقية على تغيير الأوضاع والتفوق على منطق سيرورة الزمن والعمل، تماما مثل بركة الولي التي تُحدث المعجزات، تبرئ الأعمى وتشفي المرضى وتنفخ الحياة في رحم عاقر.
ـ الخوارزميات تكريس لمنطق المُوسْم
لقد صارت الأحداث والقضايا تعاش اليوم في منصات التواصل الاجتماعي بالمنطق الظرفي ذاته الذي تعاش به في الواقع، حيث يشتد التفاعل حول قضية أو حدث أو فكرة طارئة، وتصبح الموضوع المهيمن في المنصات الاجتماعية، والشغل الشاغل لـ ” صناع المحتوى ” ومتابعيهم، وهنا تتدخل الخوارزميات لترشح هذا المحتوى ليشاهده الجميع، وتعزز حضوره وصعوده على سطح الصفحات والحسابات الشخصية، ليصل التفاعل ذروته على شاكلة : “هاشتاغ، تراندTrend “. وفي لحظة فارقة ومفاجئة تطوى صفحة هذا الملف، ليعود كل واحد إلى منشوراته واهتماماته الخاصة، دون بناء موقف والتزام دائم في هذا الفضاء العام الجديد. بهذا الشكل تلعب الخوارزميات الرقمية دورا كبيرا في تعميق ثقافة التفاعل الموسمي عندنا، وما يزيد المسألة خطورة هو الدور الذي تضطلع به المنصات، وخلفها الخوارزميات، في تسطيح الوعي، وتشظية الانتباه، وتفتيت المعنى، والتعتيم، وإثارة الانفعالات الفورية، وردود الفعل السريعة، والتلاعب بالرأي العام، بدل النقد والتفكير والتراكم والتأمل العميق، والنتيجة تحويل المواطن إلى متفرج منفعل ومفعول به، في عصر مجتمع الفرجة وصناعة التفاهة وذاكرة السمكة.
خاتمة
إن البنية الموسمية التي تطبع تفكيرنا وسلوكاتنا وتعاملنا مع العمل والزمن، لا تساعد على تحقيق النهضة والبناء الحضاري الذي يقتضي التخطيط المستمر، والنفس الطويل، والالتزام والتدرج والتراكم واستمرارية العمل المثمر، واستثمار عامل الزمن بعقلانية، وليس بتَحَيُّن اللحظة الحاسمة وانتظار الصدف المفاجئة والحلول السحرية، والمراهنة على حرارة الحماس اللحظي والنشاط الظرفي المكثف. إن التنمية أو النهضة شبيهة بسباق المسافات الطويلة، الماراطون الممتد في الزمن، يتطلب التخطيط المستمر، وتدبير الجهد، وليست مسافة قصيرة بخاصية الاندفاع الانفجاري المفاجئ والسرعة النهائية وإفراغ الجهد في لحظة زمنية خاطفة. لعل الشيء الوحيد الذي يحسب للذهنية الموسمية هو قدرتها على تقوية الروابط الاجتماعية وإيقاظ الحماس الشعبي عبر تحفيز الذاكرة الجماعية والسيكولوجيا الجماهيرية، لإعطاء الانطلاقة المتوهجة لمشروع أو فكرة، ولذلك يتم استثمار هذه البنية الرمزية في كثير من المحطات إيجابا أو سلبا.
في الختام لابد من تنسيب هذه المسألة، لأن البنيات الرمزية المترسخة في اللاوعي الجمعي، يمكن أن تترسب وتضمحل، في غياب التذكير والتحفيز والتهييج ، لذلك تنتصب عوامل متنوعة : سياسية وثقافية وتربوية واجتماعية وتاريخية، في تعزيز التفاعل مع البنية الموسمية لصناعة أنماط من التعامل المجتمعي مع الزمن والعمل، ومما لاشك فيه أن ثقافة الموسم لا تخدم طموح بناء مجتمع مدني عقلاني فاعل، فبدون هذا الأخير لا يمكن بناء مشروع نهضوي، لأن النهضة الحضارية عملية قاعدية تتأسس على تغيير بنى الوعي والسلوك، وتجفيف ينابيع البنى الرمزية السلبية اللاواعية، بهدف إنتاج عقل فردي وجماعي فعال ومتحرر من عوامل التكلس والنكوص، وقادر على خلق عقل نسقي يراكم الخبرات، ويعتمد التخطيط الاستراتيجي، ويقدر قيمة الزمن والالتزام والاستمرارية في العمل المنتج.
ناقد من المغرب
[1] ـ عبد الكريم الجويطي، المغاربة، المركز الثقافي العربي، الدر البيضاء، 2016، ص : 132.
[2] ـ كارل غوستاف يونغ، جدلية الأنا واللاوعي، ترجمة نبيل محسن، دار الحوار للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، سوريا، 1997، ص : 5.
[3] ـ كارل غوستاف يونغ، جدلية الأنا واللاوعي، المرجع السابق، ص : 28
[4] ـ إريك فروم، الإنسان بين الجوهر والمظهر، ترجمة سعد زهران، سلسلة عالم المعرفة، غشت 1989، ص :9.
[5] ـ لايكوف جورج، ومارك جونس، الاستعارات التي نحيا بها، ترجمة: عبد المجيد جحفة، دار توبقال للنشر، 1996، ط 1.
[6] ـ شذرات الجندي في باب المغاربة، رواية المغاربة، عبد الكريم الجويطي، ص : 132.
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي