مفهوم تصنيف في تراثنا الفلسفي (المقاربة الإبستمولوجية للتعارف والعلوم لذا أبا نصر الفرابي نموذجا) (الجزء الثاني)

عبد الله الطني *
لكن ما هي هذه العلوم “المشهورة” التي طالها إحصاء وتصنيف الفارابي؟ يجيب الفارابي بأن الأمر يتعلق بخمسة أصناف أو دوائر من العلوم، خصص لكل منها فصلا وهي: ـ علم اللسان وأجزاؤه، علوم المنطق وأجزاؤه، علوم التعاليم، العلم الطبيعي، والعلم الإلهي وأجزاؤهما، والعلم المدني وأجزاؤه، وعلم الفقه، وعلم الكلام.
فكيف حدد كل مجموعة من هذه المجموعات العلمية؟ وكيف صنّفَ داخلها كل علم من العلوم المنضوية تحتها؟ ولماذا هذه العلوم بالذات؟ وما المنطق الذي يحكم ترتيبها على النحو الذي رتبت به في “إحصائه” هذا؟
ونشير إلى أن تتبعنا لعناصر معجم العلوم لدى الفارابي من خلال كتاب “الإحصاء” لن يمنعنا من الانفتاح، من حين إلى آخر، على مؤلفاته الأخرى التي تقدم تعريفا لهذا العلم أو ذاك، كمرجعية لنسقه الابستمولوجي العام.

في علم اللسان:
عندما نتحدث عن علم اللسان وعلم المنطق لدى الفارابي، فإن الأمر يتعلق بنسق من العلوم المترابطة في بنية كل منها، وبنيتهما معا، باعتبارهما علمين مترابطين متكاملين من حيث وظيفتهما الابستمولوجية في نسق المعارف والعلوم العربية الإسلامية ككل. ومن هذا المنطلق سنتابع تحديدات أبى نصر لدلالات كل منها ودلالات ما يتفرع عنهما من علوم ومباحث ويعتبر علم اللسان بكل فروعه وعلم المنطق بكل مراتبه علمان تسديديان في نظر الفارابي، فالأول منهما يسدد عمليات التعبير، والثاني يسدد عمليات التفكير. ومن المؤكد أن سداد التعبير والتفكير لدى الإنسان يؤدي إلى سداد التواصل، ووضوح المعرفة التي ينتجها، بمختلف أصنافها ومستوياتها. ويعتبر تعريف أبي نصر بهذين العلمين أول تعريف شامل ومتكامل ومنظم في تاريخ الفلسفة، يكشف فيه عن أوجه الترابط بينهما أو بالأصح بين هاتين المجموعتين العلميتين؟ وفيما يلي بيان تعريفه بهما العلمين:
يتدرج تعريف الفارابي بعلوم اللسان عبر ثلاثة مراحل، وذلك من العام إلى الخاص، فالأخص. فعلوم اللسان بشكل عام أو “بالجملة” على حد تعبيره، تنقسم إلى ضربين:
أولهما يسميه علم حفظ أو توثيق الألفاظ الدالة عند أية أمة من الأمم.
وثانيهما يسميه علم قوانين تلك الألفاظ. والمقصود بالقوانين هاهنا “الأقاويل الكلية” الجامعة لكل ما تشتمل عليه هذه الصناعة أو تلك، بهدف تسهيل حفظ ما تحتوي عليه تلك الصناعة، وصيانة متعلميها من الخلط والخطأ، ومن ثمة فهي عبارة عن حدود ومقاييس. ومن طبيعة هذه القوانين أنها تكثيف واختزال لحقائق وتفاصيل كثيرة العدد، في صياغات قليلة العدد[1]، ودقيقة المعنى، دقة كل قانون علمي، ومختزلة اختزالا يراعي الضرورة التعليمية، وذلك بهدف تسهيل تعلمها وتذكرها.
وفي مرحلة ثانية ينتقل الفارابي ليقدم تعريفات بكل علم من هذه العلوم يصبح بمقتضاها منقسما إلى تسعة أقسام علمية، أو تخصصات يركز كل منها على دراسة مستوى من مستويات الظاهرة اللغوية. وهذه العلوم اللسانية حسب تخصصاتها هي: ـ علم الألفاظ المفردة الدالة، ـ علم الألفاظ المركبة، ـ علم قوانين الألفاظ المفردة، ـ علم قوانين الألفاظ المركبة، ـ علم النحو، ـ علم قوانين ترتيب وتركيب الألفاظ المركبة، ـ علم قوانين الكتابة، ـ علم قوانين تصحيح القراءة، ـ علم الأشعار،
لكنه عندما ينتقل إلى تشريح هذه العلوم والتدقيق في التعريف بها علماً علماً، فإنه سيزيد في تفريع بعضها، كأَنْ يجعل علم قوانين الألفاظ المركبة ينقسم إلى علمين هما: علم النحو، وعلم قوانين ترتيب وتركيب تلك الألفاظ. وعلم الأشعار ينقسم بدوره إلى ثلاثة علوم فرعية هي: علم الأوزان، وعلم القوافي، وعلم لغة الشعر، ليصل العدد الإجمالي للعلوم اللسانية إلى اثني عشر علما، فكيف عرف الفارابي إذن بكل علم من هذه العلوم؟
في علم المنطق
في هذا الإطار يمكن القول إذا كان المعلم الأول (أرسطو) قد أسس علم المنطق بمختلف فروعه، ومباحثه فإنه قد تركه بدون تعريف، الشيء الذي حتم على المعلم الثاني (الفارابي) أن يَطّلع بهذه المهمة، أولا بصفته قارئا ومُرَكّبًا لما ورثه من تراث فلسفي، وثانيا لِيُثْبت للمنطق هوية محددة في سط ثقافي مُشَكّك في فائدته وأهميته في تسديد العقل الإنساني، ويُنْظّمَ أوْجُهَ اشتغاله. وتطبيقاته على مستوى بناء المعارف والعلوم.
أما عن تعريفه بهذا العلم فإنه يتم لديه على عدة مستويات، نذكر منها أربعا أساسية، هي: ـ مستوى تحديد مفهومه لغويا واصطلاحيا، مستوى تحديد موضوعه، مستوى تحديد هدفه، مستوى إبراز أجزائه ومباحثه. فاسم المنطق مشتق بالنسبة للفارابي من “النطق”. ولفظة “النطق” هذه تدل على ثلاث معان: فهو يُطلَق أولا بمعنى القوة التي يعقل بها الإنسان المعقولات، وهي التي تحاز العلوم والصناعات بها، وبها يميز بين الجميل والقبيح من الأفعال، وبها تكون الروية وبها يتم التمييز الخاص بالإنسان دون ما سواه من الحيوان”[2]. والنطق يطلق ثانيا دالا على المعقولات الحاصلة في نفس الإنسان بالفهم، ويسمونها “النطق الداخل”[3]، أو بتعبير آخر، إنه ” القول المركوز في النفس”[4]. ويقصد “بالنطق” ثالثا “العبارة باللسان عما في الضمير، وهو الذي يسمى النطق الخارج”[5]، أو بعبارة أخرى: “القول الذي تكون به عبارة اللسان عما في الضمير”[6]. وخلاصة القول من كل هذه التحديدات الثلاث إن اسم “المنطق” يفيد العقل والمعقول والعبارة عنهما. و يشير الفارابي إلى أن ربط دلالة اسم المنطق ب “النظم أو العبارة باللسان: هو المعنى السائد المشهور لدى عامة الجمهور[7]، أما ربط دلالته بالعقل و المعقول فهو المعنى الذي كان سائدا لدى الفلاسفة، و استخدامه بالمعنيين هو السائد عند أهل المنطق، إذ أن الإنسان بالنسبة للفارابي يصدق عليه أنه ناطق بالمعنيين جميعا، أعني أنه يعبر، و أن له الشيء الذي به يدرك” [8]؛ و لذلك فصناعة المنطق هذه سميت كذلك لكونها “تعطي قوانين في النطق الداخل الذي هو المعقولات، و قوانين مشتركة لجميع الألسنة في النطق الخارج الذي هو الألفاظ، و تسدد بها القوة الناطقة في الأمرين جميعا نحو الصواب وتحرزهما من الغلط فيهما جميعا”[9]، و من ثمة فهي صناعة “تفيد كمال النطق” [10].
وإذا كان هذا هو معنى المنطق على مستوى دلالته اللغوية والاصطلاحية، فما هو معناه على مستوى دلالته الموضوعاتيه، أي على مستوى طبيعة موضوعاته التي تشكل مجال اشتغاله؟
أما موضوع المنطق بالنسبة للفارابي وانطلاقا من تحديداته السابقة، هو “المعقولات من حيث تدل على الألفاظ، والألفاظ من حيث هي دالة على المعقولات”[11]. و من ثمة يبدو أن موضوعه الأساسي هو تأسيس قواعد الدلالة، و تصحيح الرأي المُوَظِّفْ لها، سواء كان الرأي رأينا أو رأي غيرنا، و هذا التصحيح يتم بأحد وجهين: إما بأن “نفكر و نروي و نقيم في أنفسنا أمورا و معقولات شأنها أن تصحح ذلك الرأي”[12]، أو بأن “نصحّحَهُ عند غيرنا بأن نخاطبه بأقاويل نُفَهِّمَهُ بها الأمورَ و المعقولات التي شأنها أن تصحح ذلك الرأي”[13]، و هي بطبيعة الحال معقولات محددة من حيث العدد و التركيب و الترتيب، و محددة أيضا من حيث معجمها التقني (معجم الألفاظ الدالة عليها)، و من ثمة يبدو أن موضوع المنطق هو تأسيس الرأي و نقد أو تقييم طرق تأسيسه، انطلاقا من قواعد و قوانين تحرسنا من الغلط سواء في تلك المعقولات ذاتها، أو في العبارة عنها بالألفاظ و الأقاويل المناسبة لها، و في هذا الإطار يفتح الفارابي قوسا ليقارن داخله بين قوانين الألفاظ من جهة نظر المنطق، و قوانينها من جهة نظر النحو أو العروض. وفي هذا تقريب تداولي ملموس للمنطق في الثقافة العربية، وينتهي من هذا التقريب إلى القول بوجود نسبة وتناظر مَّا بين المنطق والنحو والعروض، بغض النظر عن الخصوصيات المعرفية لكل صناعة من هذه الصناعات. ويوضح ما بين المنطق والعروض من نسبة بقوله: “إن نسبة علم المنطق إلى المعقولات كنسبة العروض إلى أوزان الشعر، وكل ما يعطينا علم العروض من القوانين من أوزان الشعر، فإن علم المنطق يعطينا نظائرها في المعقولات”[14].
أما بالنسبة لما بين المنطق و علم النحو من اشتراك و تمايز، فإنه يتجلى حسب أبي نصر في كون كل منهما يهتم بصناعة قوانين الألفاظ، غير أن علم النحو يتميز بأنه “يعطي قوانين تخص ألفاظا أمة ما”[15]، في حين يعطي المنطق “قوانين مشتركة تعم ألفاظ الأمم كلها”[16]، أو بعبارة أدق “إن صناعة النحو تفيد العلم بصواب ما يلفظ به، والقوة على الصواب منه، بحسب عادة أهل لسان ما، وصناعة المنطق تفيد العلم بصواب ما يعقل و القدرة على اقتناء الصواب فيما يعقل”[17]بشكل عام، و الفارابي هنا يصدر عن أطروحة لسانية معجمية في نفس الوقت مضمونها “أن في الألفاظ أحوالا تشترك فيها جميع الأمم […] و أحوالا أخرى تخص لساناً دون لسان”[18]، و أن المعرفة بهذه الأحوال الأخيرة تعتبر ضرورية من بعض الوجوه لمعرفة الأولى، إذ أن المعرفة بالخاص خطوة أساسية لتأسيس المعرفية بالعام، لذلك قال: “وجب أن تكون صناعة النحو لها غنى ما في الوقوف و التنبيه على أوائل هذه الصناعة (أي صناعة المنطق)[…] أو نتولى تعديد أصناف الألفاظ التي من عادة أهل اللسان الذي به يدل على ما تشتمل عليه هذه الصناعة، إذا اتفق ان لم يكن لأهل ذلك اللسان صناعة تعدد فيها أصناف الألفاظ التي هي في لغتهم”[19]. و هو يشير هنا بطبيعة الحال إلى حالة اللسان العربي الذي لم يعش تجربة التعبير عن المفاهيم المنطقية من قبل، و أصبح مضطرا للتعبير عنها مع حلول صناعة المنطق في حقل الثقافة العربية، و قد يكون هذا هو السبب الذي دفع أبا نصر، و هو المعني بتعريب المنطق و تقريبه و توطيده في اللسان العربي، إلى تأليف مؤلفات توطيئية أو تقريبية مثل “الفصول” و“إيساغوجي” أو ” المدخل إلى المنطق”، و “الألفاظ المستعملة في المنطق، و التوطئة”، حيث قام بالمقارنة والربط الدلاليين بين ألفاظ النحو العربي و الألفاظ المستعملة في المنطق، و هذا ما نبه إليه في “تنبيهه” حين قال إن من قام بعمل تقريبي كهذا فقد “استعمل الواجب فيما يسهل به التعليم، و من سلك غير هذا المسلك فقد أغفل و أهمل الترتيب الصناعي”[20].
ولتوسيع تعريفه بالمنطق، يحدد المعلم الثاني أهداف هذه الصناعة واغراضها، وهي أهداف وأغراض متنوعة يذكر منها أربعة أهداف أساسية:
الهدف الأول: تربوي تعليمي، يتجلى في تمكين متعلم هذه الصناعة من مبادئ تعلمها وتعليمها، لذلك قال بأنه من أغراض هذه الصناعة ” تسديد الجزء الناطق من النفس نحو النافع من أنحاء التعليم والتعلم”[21].
الهدف الثاني: قيمي أخلاقي يتجلى في تمكين الإنسان من إدراك الحق والدفاع عنه، ومعرفة الباطل من اجل مناهضته، لذلك أكد على أن من مهام هذه الصناعة أن ” تسدد الإنسان نحو طريق الصواب ونحو الحق، وأن تجنبه الوقوع في الزلل والخطأ في المعقولات”[22]، ومن ثمة فهي صناعة ترسخ لدينا ثقافة أو تربية الانضباط المنطقي، كي لا تظل أذهاننا “مهملة تسبح في أشياء غير محدودة […] فتوهمها فيما ليس بحق أنه حق فلا نشعر به”[23].
الهدف الثالث: نقدي تصحيحي، يتجلى في كون هذه الصناعة تطلع بإقدارنا على امتلاك آلة نقدية لتصحيح آراء الذات والغير على حد سواء. وذلك حتى إن نحن عرفنا الخطأ تجنبناه عن وعي، وإن نحن عرفنا الصواب ركنَّا إليه عن بينة.
الهدف الرابع، فهو هدف معياري علمي، أو بلغة اليوم ابستمولوجي، تطلع صناعة المنطق بمقتضاه بتحديد المعايير التي تمكننا من التمييز بين أنواع المخاطبات، حتى نستطيع تصنيف قولنا أو قول غيرنا، والحكم من أية رتبة هو: هل هو خطاب برهاني أو جدلي أو سفسطائي أو خطابي أو شعري. ولذلك فقد خصص المنطق لكل صنف من أصناف القول هذه، وقبل ذلك لكل مكون من مكوناتها الجزئية، مبحثا خاصا به، شكل كل منها جزءاً ضروريا من أجزاء المنطق، وأصبحت داخلة في تعريفه باعتبارها محاوره أو مباحثه الأساسية، فما هي هذه المباحث إذن؟ وما هو ترتيبها؟ ولماذا ذلك الترتيب بالذات؟
إن صناعة المنطق، من هذه الناحية تشكل منظومة من المباحث والمراقي التي تتدرج صاعدة من المُكَوّن الأُولي البسيط، إلى النهائي المركب، ثم نازلة من المعرفة الأكثر يقينا إلى المعرفة الأقل يقينا. وقد خصص لكل منها كتابا، ليصل عدد هذه المباحث المكونة لنسق صناعة المنطق إلى ثمانية، كل منها يطلع بإرساء قوانين منطقية محددة وخاصة برتبته التعليمية. وهي مباحث تبتدئ تصاعديا من مبحث “المقولات” إلى مبحث “البرهان”، مرورا بمبحثي “العبارة” و “القياس”، وتنحدر تنازليا من مبحث “البرهان” الى مبحث الشعر، مرورا بمباحث “الجدل” و”السفسطة” و “الخطابة” و”الشعر”. وهو تدرج تحكمه ضرورات التعليم المنطقي نفسه، فالبرهان نهاية التعاليم المرحلية السابقة، ومعياراً لأصناف القول الآتية بعده، باعتباره أرقاها وأشرفها من حيث الرتبة المعرفية والتأسيس الاستدلالي.
وهكذا فالمبحث الأول يهتم بفحص “أقل الأجزاء التي منها تلتئم القياسات والأقاويل التي منها تكون المخاطبة”[24]. وهذه الأجزاء تشمل “المعقولات المفردة المدلول عليها بالألفاظ المفردة، والألفاظ المفردة الدالة على المعقولات”[25]. وينتهي هذا الفحص بصناعة قوانينها، ويسمى هذا المبحث “مبحث المقولات”.
أما المبحث الثاني، فيهتم بصناعة “قوانين الأقاويل البسيطة التي هي المقولات المركبة من معقولين مفردين والألفاظ الدالة عليها المركبة من لفظين”[26]. وتسمى مبحث العبارة، أو باليونانية “باري أرمنياس”.
في حين يهتم المبحث الثالث ب “الأشياء التي ترُكَب عن المقدمات المذكورة في “كتاب العبارة”[27]. وهي طبعا “الأقاويل التي تسير بها القياسات المشتركة للصنائع الخمس” [28]. وهذا هو المبحث المسمى مبحث القياس أو “أنا لوطيقا الأولى” باليونانية.
أما المبحث الرابع، فيهتم بصناعة “القوانين التي تمتحن بها الأقاويل البرهانية وقوانين الأمور التي تلتئم بها الفلسفة، وكل ما تصير به أفعالُها أَتَمّ وأفضل وأكمل”[29]. والمقصود بالفلسفة “علم التعاليم” و “العلم الطبيعي” و “العلم الإلهي”، و “العلم المدني”، كما أشرنا إلى ذلك من قبل. وهذا هو المبحث الذي يصُوغ قوانين هذه العلوم والمسمى مبحث البرهان أو “أنالوطيقا الثانية” باليونانية.
وقد خصص المنطق المبحث الخامس وهو مبحث الجدل، (دياليكتيكا) للاهتمام بصياغة “القوانين التي تمتحن بها الأقاويل الجدلية وكيفية السؤال الجدلي والجواب الجدلي، وبالجملة قوانين الأمور التي تلتئم بها صناعة الجدل وتصير بها أفعالها أكمل وأفضل وأنفذ”[30].
أما المبحث السادس والذي يسمى مبحث السفسطة (سوفسطيقا باليونانية ومعناه الحكمة المموهة)، فيهتم بإبراز “قوانين الأشياء التي شأنها أن تُغَلَّطَ عن الحق وتُلَبِّسَ وتُحَيِّرَ، وإحصاء جميع الأمور التي يستعملها مَنْ قَصَدَ التمويه والمخرقة في العلوم والأقاويل المُغَلِّطة التي يستعملها المُشَنِّع والمُمَوِّه، وكيف تُفْسَخ وبأي الأشياء تُدْفَعُ، وكيف يَتَحَرَّز الإنسان أن يغلط في مطلوباته أويُغَالَط”[31].
والمبحث السابع الذي هو مبحث الخطابة (ريطوريقا) فتحدد مهمته في الاهتمام ب: “القوانين الخطبية التي تمتحن وتسير بها الأقاويل الخطبية […] ويحصى فيها الأمور التي تلتئم بها صناعة الخطابة”[32].
في حين يهتم المبحث الثامن المسمى مبحث الشعر (بويطيقا) “القوانين التي تسير بها الأشعار، وأصناف الأقاويل الشعرية […] ويحصى جميع الأمور التي تلتئم بها صناعة الشعر”[33].
في علم التعاليم:
في تعريفه لعلم التعاليم، يتحدث الفارابي عنه تارة بالجمع، فيقدمه على أنه “علوم التعاليم”، وتارة يتحدث عنه كعلم مفرد، فيقدمه على أنه “علم التعاليم”، ولعل السبب في ذلك هو أن هذا العلم علم كلي يشمل عدة علوم فرعية، يصل عددها إلى سبعة علوم، وهي علم العدد، وعلم الهندسة، وعلم المناظر، وعلم النجوم التعاليمي، وعلم الموسيقى، وعلم الأثقال، وعلم الحيل. وتحت كل علم من هذه العلوم توجد أيضا علوم أخرى فرعية، لتصبح اجماليا ستة عشر علما. ويصنف أبو نصر الفارابي علم التعاليم بمختلف فروعه وفروع فروعه، كما يلي:
علم العدد: يعرف الفارابي علم العدد بشكل عام بأنه ذلك العلم الذي “يفحص عن الأعداد”[34]، وهو علم يحتوي على علمين فرعيين أحدهما يسميه “علم العدد العملي” [35] والآخر “علم العدد النظري”[36]. ويفرق بين مهمة كل منهما كما يلي: علم العدد العملي: وهو العلم الذي “يفحص عن الأعداد من حيث هي معدودات تحتاج إلى أن يضبط عددها من الأجسام وغيرها”.[37] والمقصود بذلك الأعداد المجسدة في أشياء، والأعداد التي “يتعاطاها الجمهور في المعاملات السوقية والمعاملات المدنية”.[38] ولذلك سُمّي العلم المهتم بهذا النوع من الأعداد” علم العدد العملي”. أما علم العدد النظري: تتحدد ماهية علم العدد النظري في كونه “يفحص عن الأعداد بإطلاق”[39]. ويقصد الفارابي بالإطلاق هنا معنيين:
- يتجلى المعنى الأول منهما في أن هذا العلم يَنْظُر إلى الأعداد مُجَرّدَة في الذهن
عن أية قوالب تجسيدية مادية أو حسية. وهذا في نظر الفارابي ما يعطيه طابعه العلمي الصرف[40].
- ويتجلى المعنى الثاني في كونه يفحص عن هذه الأعداد في أي شكل كان
من أشكالها: مفردة كانت أو في علاقتها ببعضها، أو فيما يلحقها من خصائص عبر كل علاقة من تلك العلاقات[41].
أما بالنسبة لعلم الهندسة: يتلخص تعريف أبي نصر الفارابي لعلم الهندسة في أنه العلم الذي ينظر في خطوط وسطوح الأجسام. وينقسم بدوره الى علمين: أحدهما يسمى “الهندسة العملية” وثانيهما “الهندسة النظرية“، والفرق بينهما يكمن فيما يلي.
وعلم الهندسة العملية: هو العلم الذي ينظر في خطوط أجسام محددة كالخشب بالنسبة للنجار، والحديد بالنسبة للحداد، والحائط بالنسبة للبناء، والأراضي والمَزارع بالنسبة للمَسّاح، وهذا يعني أن تحت هذه العلوم علوما فرعية متعددة منها علم النجارة، وعلم الحدادة، والهندسة المعمارية، والطوبغرافيا وغيرها من العلوم التي تدخل تحت الهندسة العملية، بحسب القطاعات التي يرتبط بها. أما علم الهندسة النظرية: فهو العلم المختص في النظر في خطوط سطوح الأجسام بعموم وإطلاق، بغض النظر عن علاقتها بِمُجَسّماتها المذكورة في الهندسة العملية. كما يبحث في كل ما يتعلق بتقاطعاتها من نقط وزوايا وغير ذلك “ببراهين تعطينا العلم اليقين الذي لا يمكن أن يقع فيه الشك”[42]. ومن ثمة فإن هذا “العلم هو الذي يدخل في جملة العلوم”[43]. فالفارابي، كما رأينا، يكرر باستمرار بأن معيار العلمية في العلوم هي التجرد والتجريد. ويسجل في نهاية تعريفه بعلمي العدد والهندسة ملاحظتين أساسيتين: إحداهما ابستمولوجية وثانيهما منهجية. ويمكن تحديد مضمون كل منهما كما يلي:
ـ يتلخص مضمون الملاحظة الأولى في أن لكل عِلْم من هذين العملين أركانا وأصولا ومشتقات نشأت عنها. والفرق بين تلك الأصول وهذه المشتقات يكمن في أن الأولى محدودة، أما الثانية فغير محدودة[44]، وفي هذا المستوى يعبر الفارابي عن فكرة هامة في تاريخ الرياضيات وهي أنه بقدر ما توجد فيها مبادئ ثابتة، يتفرع عنها ما لا نهاية له من المشتقات. وهذا ما يعطي الرياضيات طابع الانفتاح بشكل مستمر على مختلف المقتضيات التحليلية الجديدة والمتجددة.
ـ أما مضمون الملاحظة الثانية، فيشير إلى أن منهج النظر في هذين العلمين يتم بمقتضى طريقتين هما “طريقة التحليل وطريقة التركيب[45]، وهذا منهج سار عليه القدماء، يقول الفارابي، باستثناء “اقليدس” الذي سلك طريق التركيب وحده في كتابه حول أصول الهندسة والعدد[46].
بعد ذلك ينتقل الفارابي إلى التعريف بعلم تعاليمي ثالث هو “علم المناظر”، فما هو موضوع ومنهج هذا العلم كما جاء في ذلك التعريف؟
في بداية تعريفه بعلم المناظر، يسجل الفارابي ملاحظة ابستمولوجية أخرى، تتمثل في وجود تداخل بينه وبين علم الهندسة على مستوى الموضوع، حيث يقول: إن “علم المناظر يفحص عما يفحص عنه علم الهندسة من الأشكال، والأعظام والترتيب والتساوي وغير ذلك”[47]. ولكن مع ذلك يبقى علم الهندسة أعم وأشمل، بحكم عمومية نظرته إلى تلك المواضيع. غير أن نظرة علم المناظر إليها تبقى أدق وأخص، لاسيما وهي “مواضيع يتعذر أن يُدْرَك كثير منها بالبصر على حقيقته الموضوعية. وهكذا فقد تظهر لنا الأشكال المربعة مثلا، إذ نحن نظرنا إليها عن بعد، مستديرة وقد يظهر بعضها متأخرا أو متقدما، أعلى أو أخفض من البعض الآخر، رغم تواجدها موضوعة في سطح واحد، أو خط واحد، وأشباه هذه الحالات كثيرة”[48]، يقول الفارابي. ومن ثمة فمهمة علم المناظر هذا تمكننا من التمييز “بين ما يظهر بالبصر بخلاف ما هو عليه بالحقيقة، وبين ما يظهر على ما هو بالحقيقة، ويعطي أسباب هذا كله[…] ببراهن يقينية، ويعرف من كل ما يمكن أن يغلط فيه البصر، ووجوه الحيل في ألا يغلط فيه، بل يصادف الحقيقة فيما ينظر إليه من الشيء، ومقداره، وشكله، ووضعه، وترتيبه، وسائر ما يمكن أن يغلط فيه البصر”[49]. و يسجل الفارابي في تعريفه بهذا العلم أن أهميته لا تنحصر فقط في المستوى العلمي المعرفي المحض، بل يتعدى ذلك إلى الأهمية العملية التي قد تفيد الإنسان في تحديد موقعه من الأشياء المحيطة به، و موقع هذه الأخيرة منه، و من بعضها البعض، رغم بعدها عنه “مثل ارتفاعات الأشجار الطوال، والحيطان، و عروض الأودية و الأنهار، بل و ارتفاعات الجبال و أعماق الأودية و الأنهار ، بعد أن يقع البصر على نهايتها، ثم ابعاد الغيوم و غيرها من المكان الذي نحن فيه، وأجزاء أي مكان في الأرض، ثم أبعاد الأجسام السماوية و مقاديرها أيما يمكن أن ينظر إليها، عن انحراف مناظرها”[50].
ومن المؤكد أن معرفة كهذه، بالإمكان أن تستثمر في تطور العديد من جوانب حياة الإنسان العملية. وهذا النوع من المعرفة ما لا يمكن أن يتحقق إلا باستعمال آلات “تعمل لتسديد البصر حتى لا يغلط”[51]؛ و فيها ما لا يحتاج إلى استعمال تلك الأدوات؛ وذلك حسب بعد أو قرب، صغر أو كبر المرئيات منا، و انطلاقا من حقيقة بصرية صاغها أو نصر في القاعدة التالية: ” كل ما ينظر إليه و يرى، فإنما يرى بشعاع ينفذ في الهواء أو في جسم مشف يماس ما بين بصائرنا إلى أن يقع على الشيء المنظور إليه”[52]؛ بحيث يميز بين أربعة أنواع من الشعاعات، منها ما هو مستقيم و منها ما هو منعطف، و منها ما هو منعكس أو منكسر، من خلال تعريفات دقيقة لكل نوع من هذه الأنواع[53].
[1] _ الفارابي، كتاب ” إحصاء العلوم” مصدر سبق ذكره، ص:45.
[2] _ الفارابي ” إحصاء العلوم” مصدر سبق ذكره، ص: 78
[3] _ الفارابي ” إحصاء العلوم” نفسه، ص: 59
[4] _ الفارابي ” إحصاء العلوم” نفسه، ص: 78
[5] _ الفارابي كتاب ” إحصاء نفسه، ص: 59
[6] _ الفارابي ” إحصاء العلوم” نفسه، ص: 78
[7] _ الفارابي فلسفة ارسطوطاليس… مصدر سبق ذكره، ص: 79
[8] _ الفارابي فلسفة ارسطوطاليس، نفسهه، ص: 79
[9] _ الفارابي التوطئة، مصدر سبق ذكره، ص: 59-60 وإحصاء العلوم ص:79، وتفسير المدخل، تحقيق وتقديم د عمار منشور ضمن نصوص فلسفية. الهيئة المصرية العامة للكتاب 1976، ص 93 وفلسفة ارسطوطاليس، نفسه ، ص: 71
[10] _ الفارابي فلسفة ارسطوطاليس، نفسه، ص: 79
[11] _ الفارابي كتاب ” إحصاء العلوم” مصدر سبق ذكره، ص: 74.
[12] _ الفارابي، نفسه، ص: 75.
[13] _ الفارابي، نفسه، ص: 67.
[14] _ الفارابي، نفسه ص: 67.
[15] _ الفارابي، نفسه، ص: 67.
[16] _ الفارابي، نفسه، ص: 76.
[17] _ الفارابي: التنبيه على سبيل السعادة، مصدر سبق ذكره، ص:80.
[18] _ الفارابي كتاب ” إحصاء العلوم” نفسه، ص: 76.
[19] _ الفارابي: التنبيه على سبيل السعادة، نفسه، ص:83.
[20] _ الفارابي: نفسه، ص:83.
[21] _ الفارابي التوطئة، مصدر سبق ذكره، ص: 75.
[22] _ الفارابي كتاب ” إحصاء العلوم” مصدر سبق ذكره ، ص: 67.
[23] _ الفارابي كتاب ” إحصاء العلوم” نفسه، ص: 69.
[24] _ الفارابي، التوطئة، مصدر سبق ذكره، ص: 58.
[25] _ الفارابي، التوطئة، نفسه، ص: 57.
[26] _ الفارابي، كتاب ” إحصاء العلوم” مصدر سبق ذكره ، ص: 56.
[27] _ الفارابي، التوطئة، نفسه، ص: 58.
[28] _ الفارابي، كتاب ” إحصاء العلوم” نفسه ، ص: 86.
[29] _ الفارابي، نفسه ، ص: 86.
[30] _ الفارابي، كتاب ” إحصاء العلوم” مرجع سبق ذكره، ص: 87.
[31] _ الفارابي، كتاب ” إحصاء العلوم” نفسه، ص: 87 والتوطئة: ص:58.
[32] _ الفارابي، كتاب ” إحصاء العلوم” نفسه، ص: 87.
[33] _ لفارابي، كتاب ” إحصاء العلوم” نفسه، ص: 87.
[34] _ الفارابي، كتاب ” إحصاء العلوم” مصدر سبق ذكره ، ص: 93
[35] _ الفارابي، كتاب ” إحصاء العلوم” نفسه، ص: 93.
[36] _ الفارابي، كتاب ” إحصاء العلوم” نفسه، ص: 93.
[37] _ الفارابي، كتاب ” إحصاء العلوم” مصدر سبق ذكره، ص: 93.
[38] _ الفارابي، كتاب ” إحصاء العلوم” نفسه ، ص: 93
[39] _ الفارابي، كتاب ” إحصاء العلوم” نفسه، ص: 93.
[40] _ الفارابي، كتاب ” إحصاء العلوم” نفسه، ص: 94.
[41] _ الفارابي، كتاب ” إحصاء العلوم” نفسه، ص: 94_95
[42] _ الفارابي، كتاب ” إحصاء العلوم” مصدر سبق ذكره ، ص: 96
[43] _ الفارابي، نفسه، ص: 96
[44] _ الفارابي، نفسه، ص:97
[45] _ الفارابي، نفسه ، ص:97
[46] _ الفارابي، نفسه ، ص:98_97
[47] _ الفارابي، كتاب ” إحصاء العلوم” مصدر سبق ذكره ، ص:98
[48] _ الفارابي، كتاب ” إحصاء العلوم” نفسه ، ص:98
[49] _ الفارابي، كتاب ” إحصاء العلوم” نفسه ، ص:97
[50] _ الفارابي، كتاب ” إحصاء العلوم” مصدر سبق ذكره ، ص:99
[51] _ الفارابي، كتاب ” إحصاء العلوم” نفسه ، ص:99
[52] _ الفارابي، كتاب ” إحصاء العلوم” نفسه ، ص:99
[53] _ الفارابي، كتاب ” إحصاء العلوم” نفسه، ص: 100-101-102
ناقد من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي