الرئيسية / الأعداد / للقلوب عهود لا تنسى، ومشاعر لا تمحى – حسام الدين أبو صالحة

للقلوب عهود لا تنسى، ومشاعر لا تمحى – حسام الدين أبو صالحة

 للقلوب عهود لا تنسى، ومشاعر لا تمحى. 

حسام الدين أبو صالحة*

ما أبهى الوفاء، وما أندى رنينه حين يترنم صداه وقعاً بالآذان، ويهفو منتشياً طرباً بالوجدان؛ فيجيء خالصاً من شوائب النفس، نقياً كقطرة ماء على خد وردة في فجر وليد ليوم مشرق سعيد، إنه العطر الذي يخلفه القلب النبيل، والظل الذي يفيء على أرواح أنهكها قيظ الأيام، وزمهرير الأنام؟!

الوفاء في أبهى حلله، كالنور إذا تجلى، يبدد دياجي النفس، فلا يصدر إلا طاهراً من أدران الهوى، مهراقاً على من يستحقه، فيغدو كالجوهر المكنون، لا يصدر إلا من كريم معدن، لعظيم قدر.

الوفاء شعور بالإخلاص صافي، وإحساس بالنبل وافي، كنجم لا يأفل، وعطر لا يذبل، إذا صدر عن قلب طاهر، كان برداً وسلاماً، وأنساً، ووئاماً؛ فهو قبس من جنان يضيء عتمة الأنفس بالحنان.

الوفاء لا يموت بالرحيل، كالندى الرقيق على الورد الجميل، وكالنهر يسير، وإن غاب المطر الأصيل، فما أنبل ألا يجحد جميل، ولا ينكر معروف، ولو كان كلمة، أو مجرد بسمة، فالكلمة الطيبة تزهر بساتين في القلب، والبسمة تيسر الصعب.

فما أجمل الوفاء حين يساق لأهله ولو بعد وفاته؟! وما أنبل ألا يجحد الفضل، وإن أهدى لرفاته؟! وما أعدل الوزن باستحضار المآثر حين الاختلاف، وتذكر المعروف وقت الخلاف؟!

يا لروعة الوفاء إذا صدر من نبعه، وفار من روعه، ممن لا يوزن بمثل، ولا يقارن بنظير، ولا يوازى في سمت، ولا يعدل في خلق؛ لأنه رسول الله صلى الله عليه وسلم! واشدد بروعة إذا أهدي الوفاء لخير نساء العالمين السيدة خديجة ـ رضي الله عنها ـ.

لقد كان صوت السيدة هالة بنت خويلد قريب الشبه بصوت أختها أم المؤمنين السيدة خديجة ـ رضي الله عنهما ـ ، لدرجة أن السيدة هالة – رضي الله عنها –استأذنت على رسول الله ـ ﷺ ـ في الدخول عليه، فعرف ـ ﷺ ـ صفة استئذان خديجة- رضي الله عنها ـــ ؛ لشبه صوتها بصوت أختها، فعندما نادت بصوتها، كأن النبي ــ ﷺ ــ قد استعاد ذكريات جميلة مضت، وأيام ود قد خلت، لكن بقي أثرها الطيب ينبض بقلبه، ويتردد صداه في أذنه، فكان النداء بصوت السيدة هالة، ورجع صداه بنبرة صوت السيدة خديجة ـ رضي الله عنهما ـ ، وما بين الصوت ، ورجع صداه بآذان المصطفى ــ ﷺ ــ حنين، وشوق لود ما زال يشتعل ما انطفأ، وحب عامر، وإحساس غامر قد كفى، ووفى.

ففي صمت وادع يظلل دار النبوة، والذكر بالتسبيح، والحمد، والتهليل، والتكبير يعبق في الأرجاء، سمع نداء بصوت ذي شجون يخترق الباب إلى الألباب، بيسر بلا إلحاح، يشبه نقر الطير على زجاج الإصباح؛ حتى رفع رسول الله ﷺ رأسه، وتغيرت ملامحه لشيء قد حرك بالنفس وجداناً، وخط في القلب عنواناً، وبعث بالروح حنيناً لماض ما زال ينبض بالحياة، وذكريات قد استفاقت بوقع صوت فتحركت من سبات ، وإن وارت صاحبتها الثرى بالممات؛ لأنه صوت مألوف، لا يخطئه السمع، ولا تنكره الذاكرة، صوت فيه نبرة حنان ، ومشاعر تغمر القلب بالأمان؛ لدرجة أن قال النبي ـ ﷺ ـ، وقد اهتزت نبرته بالدعاء: “اللهم اجعلها هالة!”

لقد كان ذاك الصوت هو صوت السيدة هالة بنت خويلد – رضي الله عنها –تستأذن عليه ـ ﷺ ـ، كما كانت تفعل السيدة خديجة- رضي الله عنها –؛ فانتعش الحبيب ـ ﷺ ـ سعادة من زلزلة الحنين بود باغته فجأة، دون سابق إنذار، أو تنبيه بإخطار؛ فكان الوقع به، كوقع نسمات هواء بارد على خد الزمان في يوم حر قائظ، فحين نادت، كأن الأيام لم تمض، والرحيل لم يقع، فالصوت هو الصوت، ويكأن السيدة خديجة – رضي الله عنها ـ ، قد عادت للحظة، واستولت على الفؤاد لبرهة .

ما كان من السيدة عائشة – رضي الله عنها ـ ـ، وقد رأت ما رأته من تغير وجهه، ونبض قلبه ـ ﷺ ـ، إلا أن غارت، قائلة: «ما تذكر من عجوز من عجائز قريش، حمراء الشدقين؟! قد ماتت منذ زمن؛ فأبدلك الله خيراً منها!» ، فنظر إليها النبي ـ ﷺ ـ، نظرة وفاء لا تخطئ معناها القلوب مجيباً لها بغير ما انتظرت، وعلى عكس ما توقعت: «ما أبدلني الله عز وجل خيراً منها»، معللاً مسوغاتها النادرة، ومآثرها المبهرة، بقوله ﷺــ : «لقد آمنت بي إذ كفر بي الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله منها الولد إذ حرمني أولاد النساء»

سكتت السيدة عائشة ــ رضي الله عنها ـ ، وقد علمت أن للقلوب عهوداً لا تنسى، ومشاعر لا تمحى، وأن الحب الحق لا يموت بموت صاحبه، بل يسكن في أعماق القلب، ويحفظ في الغور الدفين من الروح، وينبض كلما مر النسيم من درب الذكرى.

كاتب من مصر

عن madarate

شاهد أيضاً

العدد الواحد السبعون السنة السابعة مارس 2026

   

اترك تعليقاً