الهوية آفاق التجريب

يطلّ العدد الثاني والسبعون من مجلة مدارات الثقافية ليكون مرآة عاكسة لحيويّة الفكر العربي المعاصر، ومختبراً تتلاقح فيه الأسئلة الوجودية بالجماليات البصرية، يتصدره غلافٌ يزدان بلمسات الفنان التشكيلي المغربي محمد السوسي، الذي تمنح لوحته للعدد هوية بصرية متميزة تعانق المحتوى الفكري العميق. تنطلق صفحاتنا من ركن اهتزازات الذي يستنطق سحر المكان في “شفشاون مدينة الزرقة الفاتنة”، قبل أن تعبر بنا إلى ملف الدراسات الذي يُعدّ متناً نقدياً غنياً؛ فقد تضافرت فيه القراءات لتشمل القلق الوجودي، وبنيات المقامة العربية، والنزعة الطقوسية في المسرح المغربي، وسيميائية العتبات، وصولاً إلى تحليل رسائل الروح، والتأويل الفلسفي للأدب، وجدليات الموت والهوية والذاكرة في الرواية العربية، مع انفتاح جريء على إشكاليات التقديس، وتحولات التجريب المسرحي في زمن الذكاء الاصطناعي، وسرديات الحرب والذاكرة، والحفر التاريخي في آداب الهجرة.
وفي غمرة هذا التدفق المعرفي، تفتح المجلة نافذة فعل الكتابة عبر حوار عميق مع المبدعة العراقية لهيب عبد الخالق، ليتكامل الحوار مع فيض الإبداعات التي ضمت نصوصاً وقصائد لشعراء وقصاصين رصدوا بتجاربهم وجع الزحام، وأثر الفيروز، وقُبَل الساحات، وأمنيات الذات المنكسرة، ليعقبها عمود عطر الكلام وعبق الكتابة وركن الزجليات الذي حاور صوت الأنثى في الزجل المغربي. ولم تغفل المدارات عن جذورها الأصيلة، فخصصت ملفاً لـ الأمازيغيات يبحث في قيم التويزا وترجمة الأغنية، معززةً ذلك بعمود مفاهيم وأسماء الذي قدم لقطات أنثروبو-روائية، وركن خير جليس الذي تعمق في ديوان: لا أريد شيئا.
ويفرد هذا العدد مساحة استثنائية لملف الهايكو، حيث يتقاطع فيه الحوار بالدراسة النقدية حول خصائص البنية والمصداقية وتماس الحذف والإرادة، في محاولة لتأصيل هذا الجنس الأدبي المشهدي. وبذات الشغف، ينفتح ملف الفوتوغرافيا على حوارات الضوء والتقليلية وعدسة الموصل، ليتعانق مع قسم فنون الذي حلل آليات التعبير غير اللفظي والورشات العلاجية وتجارب التشكيليين المغاربة.
كما يستمر العدد في ملاحقة السرد عبر فصل من رواية، والنبش في التاريخ المحلي عبر علم من مدينتي، مع وقفة تأملية في سيكوباثولوجيا الجماهير ضمن ركن على مسؤوليتي، وتشريح للنقد في مختبر النص، وتكريم للوجوه الإبداعية في قسم بورتريه ووجوه وأسماء.
ويُختتم هذا الإصدار بمتابعات ثقافية شاملة، رصدت حركية الأمسيات الشعرية واللقاءات الأدبية في تارودانت، وأكادير، ومكناس، وأولاد تايمة، مع إطلالة على الرف وما جاد به المطبع من إصدارات روائية ونقدية جديدة، ولقاء يودع أبريل الذي لا ينتهي، ليكون هذا العدد، بكل ملفاته وأعمدته، رحلةً معرفيةً متكاملة تليق بالقارئ العربي الباحث عن الجدة والعمق.
بين أيديكم إذن، عددٌ يجمع بين حفر التاريخ وبناء الحكاية، نرجو أن يكون إضافة نوعية لمكتبتكم العربية، وحافزًا لمزيد من التأمل في مداراتنا الثقافية التي لا تنتهي
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي