الرئيسية / إبداعات / هشاشة اليقين – نورالدين بنعيش

هشاشة اليقين – نورالدين بنعيش

هشاشة اليقين 

نورالدين بنعيش *

 

جميعُ طقوسِ الشَّعوذة كانت تُسبّب لإدريس إزعاجًا نفسيًّا كبيرًا في طفولته. فقد كان يرفض بشدّة مسحَ جسده بترابِ قبرِ الوليّ “سيدي يحيى” تبرّكًا به، وكم مرّة مزّق خيوطَ التمائم التي كانت تُعلَّق في عنقه بقصد دفع البلاء عنه. وحتى وهو مريض، كان يُصرّ على عدم الاتكاء على جذع تلك الشجرة طلبًا للشفاء من آلام الظهر، فجذعها المنحني عاجزٌ عن دفع بلاء الريح عن نفسه.

كلُّ ذلك كان يراه مجرّدَ عبثٍ لا يضيفُ إلى الإنسان شيئًا، ولعلّ مجالسته، وهو صغير، لبعضِ أولادِ الحومةِ الكبار قربَ دكّان “سي أحمد” في الليالي الصيفية وهم يناقشون قضايا فلسفية، تكون قد ساهمت بشكل وازن في بلورةِ فكره النقديّ تجاه المجتمع؛ تلك الأفكار تبلورت لديه عبر مساره التعليمي وبشكل جليّ حين أنهى تعليمه الجامعي.

في مساءِ سبتٍ ربيعيّ، كان الحيُّ خاليًا على غير العادة؛ لأنّ غالبية السكان، في نهاية كل أسبوع، يتركون منازلهم التماسًا للهدوء، وهربًا من ضوضاء المدينة نحو البراري والغابات وشواطئ البحر. وبينما كان إدريس يجتثّ الأعشاب الطفيلية من حديقته المحيطة بمنزله، سمع صوتًا يناديه.

كان إدريس يعرف الرجلَ مسبقًا. فقد كان يبدو له غريبَ الأطوار؛ لا يكثر من الكلام، اللهم أدعيةٌ يتمتم بها مع محاوريه ممّن سنحت لهم فرصةُ الحصول على قطعة حلوى منه. كلَّ مساء، كان يمرّ راجلًا، ممسكًا مقود درّاجته بيد، مطأطئ الرأس دائمًا، لا يلتفت يمينًا ولا شمالًا. لا يخلع جلبابه المائل إلى السواد، ولا يستغني عن قبعةٍ لا تفارق رأسه طيلة فصول السنة.

ومع ذلك، لم يكن يثير نفور أحد؛ بل وضع نفسه داخل إطارٍ من الاحترام التام، فلا تراه يتقزّز أو يغضب، خاصّة من الأطفال الصغار الذين يتحلّقون حوله. وما إن يروه حتى يُخرج من جيبه قطعًا صغيرةً من الحلوى يوزّعها عليهم، ثم يتبعها بتمتماتٍ غير مفهومة، قبل أن يواصل سيره نحو منزله الكائن بإحدى الضيعات الفلاحية. وقد بدت على وجهه إشراقة تشبه تلك التي تخترق كبد السماء في صباحات كانون الأول.

هكذا كان يظهر لإدريس، وهكذا اكتشفه عن قرب حين شاءت الظروف أن يحظى هو الآخر بنصيبه من هدايا الرجل.

اقترب من إدريس، فبادره هذا بالسلام، لكنّه لم يردّ التحية، بل ناداه بلهجةٍ محلية ذات نبرة آمرة:

— «أرْواحْ لْياه.»

ثم أخرج من جيبه قطعتَي حلوى صغيرتين وقال:

— «هذو للوالدة… بركة.»

لم يتردّد إدريس في أخذهما منه. شكر الرجل، ثم عاد إلى سقي الورود التي أينعت بفضل كثرة أمطار هذه السنة.

غير أنّ كتلةً من الأسئلة بدأت تتقاطر على ذهنه كرذاذ ثلجٍ بارد: هل فعل ذلك فقط من أجل روح والدته الغائبة الحاضرة في تفاصيل حياته؟ أم أنّه لم يشأ ردَّ قطعتي الحلوى، لأنّ الهدية ـ مهما كان نوعها أو حجمها ـ لا تُردّ حسب أعراف المجتمع؟ أم أنّ التقدّم في العمر بدأ يجرّده, شيئًا فشيئًا، من يقيناته القديمة، ويدفعه، في لحظات الهشاشة، إلى الاحتماء بما كان يسخر منه ذات يوم؟

كانت تلك الأسئلة تقلق إدريس. وطيلة فترة السقي، ظلّت عبارة الرجل، وسط هذا الكمّ الهائل من الاستفهامات، ترنّ في أعماقه بإلحاحٍ موجع:

— «هذو للوالدة… بركة.»

كأنّ والدته المتوفّاة أصبحت فجأةً في حاجة إلى “بركة” رجلٍ غارقٍ في التفكير الغيبي. وجد إدريس نفسه عند مفترق طرق: صدى الموروث يجرّه إلى الخلف، ومنطق العقل يدفعه إلى الأمام.

وقبل أن يخلد إلى النوم، ظلّ يحدّق في قطعتي الحلوى متسائلًا: هل الاحتفاظ بهما وفاءٌ لروح والدته، لعلّ الحسنات تتضاعف لها؟ أم أنّ رميهما خيانةٌ عاطفيةٌ لذاكرة الأم؟

قضى إدريس ساعات ليله الطويل في مخاضٍ فكريّ موجع، ينتظر ولادة يقينٍ جديد يخرجه من هذا الالتباس، ويفكّ الأسئلة المعلّقة في سماء روحه.

وفي الصباح، وقف عند باب الدار ممسكًا بقطعتي الحلوى. وما إن لمح طفلين في طريقهما إلى المدرسة، حتى ناداهما بالنبرة نفسها، لكن بصيغة الجمع:

— «أرواحوا لْياه… هذو بركة ديال الوالدة.»

غير أنّ الطفلين واصلا سيرهما نحو المدرسة دون أن يلتفتا إليه.

القاص من المغرب

 

عن madarate

شاهد أيضاً

 رحلة الضوء في مسيرة الفنان مهند الشاوي

box type=”shadow” align=”aligncenter” class=”” width=””] رحلة الضوء في مسيرة الفنان مهند الشاوي[/box]  رحلة الضوء في …

اترك تعليقاً