حدود التشبيه في الهايكو

محمد بنفارس*
صوتُ وابلِ البرد
أنا كما كنتُ سابقًا
كتلك البلوطةِ الهرمة
ماتسوؤو باشو
كثيرا ما يستدعى هذا النص، وخاصة في الساحة العربية، لتبرير استعمال التشبيه في الهايكو على نحو مطلق، ارتكازا على المكانة الرمزية لباشو داخل تاريخ هذا الفن. غير أن التحجج باسم وازن لا يكفي بأية حال من الأحوال لتحويل اختيار أسلوبي محدود إلى قاعدة عامة.
وسنقف، في هذه الورقة المقتضبة، عند أربعة نقاط:
- مقارنة الترجمة العربية للنص مع ترجمات للغات أخرى،
- محاولة قراءة النص بشكل متحرر من هاجس التشبيه واسم الكاتب،
- حدود التشبيه،
- مخاطر التشبيه الممركز
الترجمة لا تعني الأصل
يبدو أن النسخة العربية المتداولة تحمل كثافة لغوية واضحة:
صوتُ وابلِ البرد
أنا كما كنتُ سابقًا
كتلك البلوطةِ الهرمة
هذه الصياغة تصبغ على النص نبرة تأملية وتصريحية أقوى مما نجده في الترجمات الأجنبية الأقرب إلى الاقتصاد الياباني.
ففي الإنجليزية، جاءت إحدى الصيغ على النحو الآتي:
hail listen!
this self as-for before’s
old oak
وفي صيغة أخرى أكثر سلاسة:
listening to the hail-
still the same self
old oak
أما الفرنسية فترد أقرب إلى النفس المختزل:
écoutant la grêle…
toujours le même moi :
vieux chêne
أما في الإسبانية فنجد صيغة تكاد تكون هي نفسها في الفرنسية:
oyendo el granizo…
sigo siendo el mismo,
viejo roble
ومما لا شك فيه، يبدو الفارق جليا بين هذه الصيغ والترجمة العربية المتداولة. فالعربية تنفرد بإصباغ حضور تعبيري ملموس وميل إلى التسمية:
- صوتُ وابلِ البرد
- أنا كما كنتُ سابقًا
- كتلك البلوطةِ الهرمة
بالمقابل، تميل الترجمات باللغات الأخرى إلى التقشف والتلميح الياباني. ما يجعلنا نتحفظ على التعامل مع الصياغة العربية باعتبارها مرآة عاكسة للنص الأصل.
- طبيعة التشبيه عند باشو
حتى لو سلمنا بالصيغة العربية الحالية، يلاحظ أن التشبيه لا يعمل وفق الآلية البلاغية المتضخمة الشائعة في كثير من القصائد العربية. فأشياء النص لا تتحول إلى رموز مغلقة، ولا تفقد حضورها الحسي: فالبلوط يبقى شجرة، والذات تبقى كيانا بشريا يواجه مرور الزمن وتساقط البرد.
ويبدو أن العلاقة بين العنصرين تنشأ من إحساس بالقدم والثبات. ما يجعلنا نميل إلى فهم التشبيه هنا كامتداد للتجربة المناخية، واستبعاد مركزيته باستعراض الصورة.
- حدود التشبيه
يستهل نص باشو بمثير سمعي: “صوتُ وابلِ البرد”. فالمشهد الطبيعي حاضر إذن قبل ظهور الذات. ثم تأتي البلوطة داخل المناخ نفسه، لا مادةً غريبة حشرت لتوليد المجاز. ما يجعلنا نميل للقول بأن النص لا يهدم المشهد أو يستبدله بصورة بلاغية متخيلة.
ومع ذلك، ووفق شعرية المناخات المشهدية، لا يمكن الجزم بأن النص قد بلغ حياد المشهد الصافي. فحضور «أنا» المتكلم يوجه القراءة ويضيق المشهد، والعلاقة مع الشجرة تتخذ منحى معلن صريح. ما جعل بعضا من الأثر يُقال (باللغة المباشرة) بدل أن يُترك ليتشكل تدريجيًا في وجدان القارئ.
ويبدو أن حدود التشبيه تظهر عند باشو نفسه، أو هكذا يبدو الأمر على الأقل في الترجمة المتداولة لنصه.
- التشبيه الممركز
في هذا المنحى تصبح المسألة أوضح وأخطر في نصوص يلعب فيها التشبيه مركز الكتابة:
فوق البحيرة
القمر قطعة فضة
ترتجف
في هذا النوع من النصوص غير الهايكوية، لا يعود القمر قمرا، ولا الفضة فضة حقا. فالمشهد بني على مرتكز صناعة الصورة، بحيث يصعق القارئ بالبلاغة الموجهة بدل منحه إمكانية اختبار التجربة الحسية بنفسه.
“الفضة” هنا عنصر دخيل على مناخ النص، ما جعل العلاقة الطبيعية بين الأشياء تغيب تماما لصالح العلاقات المبنية على أولوية صنعة اللغة.
في الهايكو، كفن بأدوات خاصة ومنها اللغة البسيطة، ينبغي الاختيار بين إراءة العالم وخدمة البلاغة.
فكلما احتل التشبيه بؤرة النص، توارى حضور العالم وارتفع حضور اللغة. فتتحول الطبيعة عندئذ إلى علبة صور جاهزة، كما يمكن أن نلاحظ في نصوص كثيرة على النت من مثل:
- الغيم كالخراف،
- المطر كالدموع،
- الشمس كنار حارقة،
- الليل كموج من الهموم،
- الأوراق تطير كالعمر…
في مثل هكذا كتابة، يبتعد النص كليا عن المشهد، ويشتغل كتعليق بلاغي عليه.
أما في نص باشو، فشجرة البلوط تظل عنصرا طبيعيا في سياق المناخ العام للنص، ما جعل المقارنة تحظى بقدر من العفوية التأملية رغم منطوقها المباشر.
على سبيل الختم
لا يقود النص المستشهد به هنا إلى تبرير إطلاق التشبيه في فن كتابة الهايكو، كما أنه ليس مبررا رفضه من منطلق الرفض الدغمائي. وما يمكن أن نستخلصه من هذه الورقة، بعيدا عن أي تبريرية، هو ضرورة التمييز بين درجات الاشتغال البلاغي داخل الهايكو فيما يختص بالتشبيه:
فالتشبيه يظل مقبولا ومستساغا عندما:
- يوسّع المناخ،
- يحافظ على استقلال وطبيعة الأشياء،
- يظل داخل التجربة الحسية.
ولكن التشبيه يتحول إلى أداة بلاغية عندما:
- يوجه القارئ إلى معنى معين،
- يفرض الصورة المتخيلة على المشهد،
- يقلب العالم من طبيعته إلى مادة للزخرفة.
في كلمة، يبدو أنه لا ضير حين يفسح التشبيه الخفيف المجال للعالم بأن يرى ويعاش، ولكنه حين يوظف كصيغة مسيطرة وأسلوب تعبير، فإن البلاغة تكون قد طارت بالمشهد أو احتلت مكانه.
وبناء على ما سبق، لن يكون من المجدي، كتابة وتنظيرا وترجمة وقراءة، الدفاع على التشبيه في الهايكو، على نحو مطلق، باعتماد حالات نادرة وردت عند رموز مؤسسي الهايكو، وخاصة من منطلق ترجمة لم يتسن التحقق من مصدرها، وأيضا من منطلق التسرع وعدم مساءلة المشهد وحدود التشبيه الوارد فيه.
هايكيست ومترجم من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي