الرئيسية / إبداعات / صديقنا الإمبراطور – محمد ضرفاوي

صديقنا الإمبراطور – محمد ضرفاوي

صديقنا الإمبراطور

محمد ضرفاوي*

 

 

بونواقس إمبراطور الحديد والنحاس بلا منازع، يجلس متربعًا فوق جبل من القطع الحديدية، وذلك بمعقله المفتوح على الهواء الطلق بقلب “الجوطية” الكبرى بمدينة مكناس، وكان بذلك عرشه على الحديد. يصول ويجول بقبعته المكسيكية بجناحيها العريضين، يتوسطها كأس مرتفعة قليلاً تميل إلى الانبساط أكثر تسمح بإلقاء كمية كافية من الظل. هذه القبعة لا تفارقه إلا لمامًا، إذ أصبحت مثل علامة تجارية لصيقة به: حيث لا يمكنك تخيل بونواقس بدونها، كما لا يمكنك تخيل الثائر الأرجنتيني الراحل “تشي غيفارا” بدون قبعته الشهيرة، أو الزعيم الكوبي الراحل “فيديل كاسترو” بدون بدلته العسكرية. يستعمل تلك القبعة لتقيه لفح شمس مكناس الحار، يضعها على رأسه مزهوًا مثل طاووس، كأنه يوليوس قيصر إمبراطور روما، وبين شفتيه ما تبقى من سيجارة من النوع الرخيص انطفأت منذ ساعات دون أن ينتبه إليها لتغدو قطعة منه مثل الغليون الفارغ الذي كان يستعمله الرئيس المصري الراحل “محمد أنور السادات”.

يوجد عنده ما لا يُعد ولا يُحصى من القطع الحديدية التي لا تخطر على بال أحد، من كل الأمكنة في العالم، ومن جميع العصور.

وعلى سبيل المثال، فقد بلغني من مصادر متواترة خبرٌ مفاده أنه يحتفظ سرًا بقطعة صغيرة من مكوك الفضاء الأمريكي الشهير “تشالنجر” الذي انفجر بعد إطلاقه بحوالي 73 ثانية فقط، قاطعًا 13 كيلومترًا، وذلك في يوم 28 يناير 1986 مما تسبب في مصرع سبعة من رواد الفضاء الذين كانوا على متنه. وقد كان من المفترض—بعد إنجاز مهمته المتعلقة بجمع المعلومات عن “مذنب هالي”—أن يهبط في القاعدة الجوية العسكرية “بن جرير” غرب المغرب، لكنه تحطم إلى قطع صغيرة متناثرة في مساحة واسعة، وقد علق أحد الظرفاء ساخرًا: “لعل عينًا شريرة مغربية كبيرة أصابت هذا المكوك”. ولم يُعرف حتى حدود الساعة الكيفية التي وصلت بها هذه القطعة الثمينة من المكوك الفضائي إلى يد صديقنا الإمبراطور قاطعةً آلاف الأميال.

وقد رصدت الإدارة الأمريكية آنذاك في عهد الرئيس الأمريكي الراحل “رونالد ريغان” جائزة مالية كبيرة لكل من يعثر على قطعة من المكوك، أو يدلي بمعلومات تساعد على التحقيق المبذول لإماطة اللثام عن الأسباب الحقيقية للانفجار، لكن بونواقس بقي متكتمًا بخصوص القطعة النادرة التي بحوزته، ولا يعرف هذا السر إلا القليل من خلصائه.

كان كل صباح يجلب العشرات من رؤوس وأعناق الدجاج من سوق الدواجن “باب اجديد” القريب من مملكته السعيدة ليطعم شعبه الوفي المكون من عدد كبير من قططه الأثيرة التي يعتبرها بمثابة أبنائه المحروم من إنجابهم، وهي بدورها تبادله نفس الشعور! هذه القطط لا علاقة لها بقطط الداعية الراقص التركي “عدنان أوكتار” الملقب بهارون يحيى.

في يوم من أيام رمضان المبارك، وقبيل موعد إعلان ساعة الإفطار بقليل، أتاه—على عجل—رجلٌ في هيئة تاجر بكيس مملوء بالنحاس؛ معدن بونواقس المفضل الذي يكاد من عشقه له أن يفضله على الذهب الخالص، فقام بإطلالة خفيفة على الكيس فوجده بالفعل نحاسًا حقيقيًا بل ومن النوع الرفيع بحكم خبرته الطويلة. وبما أن وقت الإفطار قد أوشك، فقد بادر باقتناء الكيس بشكل سريع، وبسعر ظنه صفقة مربحة للغاية، خاصة وأن التاجر المزعوم بارع جدا في الكلام لا يضاهيه في ذلك سوى الداهية الماكر “أبو الفتح الإسكندري” بطل مقامات بديع الزمان الهمذاني. لكن بونواقس التعيس حينما عاد في الصباح ليتفقد غنيمة الأمس، وجد أن النحاس يوجد فقط بالمكان العلوي للكيس، أما الباقي فهو عبارة عن أحجار ثقيلة—غير كريمة بطبيعة الحال—مثبتة بإحكام وبطريقة احترافية! وما مجيء ذلك المحتال في ذلك الوقت إلا حيلة منه ليوقع بونواقس في الفخ، فوقع مع الأسف.

ونتيجة لهذا “المقلب” أمسى بونواقس طريح الفراش لما يربو على الأسبوع، فأُصيب باكتئاب شديد، وبقي على هذا الحال لا يكلم إنسيًا، صائمًا عن الطعام والشراب وعن بني البشر. وما هي إلا أيام قلائل حتى عاد صديقنا الإمبراطور إلى سابق عهده بقبعته المكسيكية، وبين شفتيه ما تبقى من سيجارة من النوع الرخيص انطفأت منذ ساعات دون أن ينتبه إليها، يصول ويجول داخل مملكته المحروسة بعناية الرحمن، محملاً كعادته كل صباح بكومة معتبرة من رؤوس وأعناق الدجاج لإطعام قططه المحبوبة.

وهكذا بقي وفيًا لعادته، قنوعًا بما وهبه الله من رزق، زاهداً في ملذات الدنيا، سعيدًا مع قططه، مرابطًا بمعقله الحصين بقلب “الجوطية” التي هي بمثابة روما بونواقس الإمبراطور.

 

قاص من المغرب مقيم بإسبانيا

 

عن madarate

شاهد أيضاً

حميد بناني المخرج السينمائي الذي هـجر الوظيفة العمومية من أجل التفرغ للإبداع – محمد بشار

محمد بشار* أو المبدع المكناسي الذي وضع حجر الأساس لسينما مغربية ناضجة ومدركة لهويتها ورسالتها …

اترك تعليقاً