الرئيسية / الأعداد / المؤسسات الشعرية بالمغرب وخبثها المستمر – مولاي علي الخاميري

المؤسسات الشعرية بالمغرب وخبثها المستمر – مولاي علي الخاميري

شهــــــادات

المؤسسات الشعرية بالمغرب وخبثها المستمر

مولاي علي الخاميري*

 

 

هزني ما قرأت في كتاب أهداني إياه مؤخرًا شاعر الرسول – صلى الله عليه وسلم – إسماعيل زويرق، بعنوان (عن الشعر أتحدث)، وهو عبارة عن سرد مفصل لتجربته الشعرية الجميلة، وضِمْنَه حَكَى مرارته مع (بيت الشعر) المغربي في شأن العضوية، ومع وزارة الثقافة، واتحاد كتاب المغرب، ومع المعرض الدولي للكتاب.

ما اطلعت عليه أكد لي ما أعرفه عن المؤسسات والمنتديات والجمعيات التي تتأسس بدوافع نبيلة في المظهر والشكل؛ فتصريحات التأسيس تكون دوماً عبارة عن ورود وأفعال تهدف إلى جمع المبدعين، وتنشيط الساحة الثقافية الوطنية في مختلف الفضاءات والمناسبات، ولكن في حقيقة الأمر فعل التأسيس لا يكون إلا لأسباب متوارية ومصطبغة في عمومها بالوصولية والعجرفة والخبث، على رأسها جني الأموال، والفوز بإكراميات تنظيم اللقاءات، والأسفار على حساب المال العام بلا فائدة تذكر، والأدهى هو خدمة مشاريع للأسياد، أهل الظل، وأولي النعم والتحكم والسخرة، وفي السنوات الأخيرة تحول الأمر إلى ما يشبه تفكير العصابات الإجرامية، نظراً لظهور مجموعة من المؤشرات النافذة كالأيديولوجيات الوقحة المسيطرة، والعنتريات الشخصية المتدنية التي استفحلت بشكل فظيع. وكل هذا يتناقض مع الإبداع في جوهره وحقيقته الرافضة لقيود التسلط والتحكم، وما وُجِد الإبداع إلا لتقديس الحرية، وإحساس الإنسان بإنسانيته، والتنفيس عنه من الآفات، وتوسيع المشاركة الإيجابية إلى أبعد الحدود بغض النظر عن الميول والانتماءات، والقيد الوحيد المعترف به في مملكة الإبداع يجمع كل ما ينسجم مع القواعد والضوابط المتعارف عليها بلا زيادة ولا نقصان.

من أوجه هذا الاعوجاج تأسيس مؤسسات إبداعية تحت أهداف تبغي السيطرة، أو الإعلاء من قيمة اتجاهات فكرية أو أيديولوجية معينة، وقد انضافت إليها مجموعات أخرى تدعي تشجيع الإبداع، هكذا بصيغة مطلقة وبلا معايير معلومة، أدناها عرض المنجزات على منصات القراءة والنقد والتحليل. ومن الأمثلة القديمة الجديدة ادعاء بيت الشعر في تبريره لإقصاء شاعرنا من عضويته أنه بيت خاص بالحداثيين فقط، وكأن الشعر لم يُخلق إلا في عهدهم، ولم يُقل إلا في عصرهم.

الغريب المنصف هنا هو أن كل تلك المؤسسات أصابها البوار، وتفتت، وجف شريانها، وانمحت من الوجود، بينما استمر الشاعر زويرق في الصدح والغناء إلى يومنا، ولا زال يبتكر وتجود قريحته.

هذا الموقف ذكرني بما قرأته منذ سنوات في كتاب صلاح بوسريف (المغايرة والاختلاف في الشعر المغربي المعاصر)؛ دُهِشْتُ لجرأته، وأحكامه العارية عن أي دليل، الفاقدة لكل دواعي الوجود، والبعيدة عما يقتضيه وصف الإبداع من اتزان واعتراف، وسجلت عليه ملاحظات عديدة نشرتها مرارًا في مقالات كثيرة، وأعيد التذكير بشيء منها: مما أراه مشابهاً لجناية (بيت الشعر) بالمغرب تلك الأخطاء الفادحة في مجال نقد الشعر المعاصر عموماً؛ فقد توشحت بالجهل والتسرع، وفقدان البوصلة الإبداعية تماماً كما فُعِل بالشاعر إسماعيل زويرق في زمن الغلو والتبخيس والإقصاء المتجذر في بعض نفوس (النقاد) الأيديولوجيين.

سأنقل للقراء هنا الفقرة التالية من تعقيبي على بوسريف: (…والطامة الكبرى هي أن الناقد بوسريف يتحدث عن شعر الثمانينيات بصيغ التبجيل المبالغ فيها التي تخرجه من جميع مسارات الشعر العربي والمغربي، فكما يقول: “فنحن إذن في حضرة نص يحفر مجرى مغايراً، ويؤثث بيته بغير أثاث غيره، نقصد القوانين، أو البنيات المشتركة، بنية السقوط والانتظار، أو التأسيس والمواجهة، أو بنية الشهادة والاستشهاد بكل ما تمثله هذه البنيات من قوانين على مستوى آليات اشتغال النص عروضياً ونحوياً ودلالياً…” كتاب المغايرة والاختلاف في الشعر المغربي المعاصر، الصفحة: 29).

كل ما قاله بوسريف عبارة عن هرطقة وأيديولوجية متنفذة ومتحكمة في الوسط الإبداعي المغربي آنذاك، فهم لا يعرفون لا عروضاً ولا نحواً ولا دلالة، والكثير من شعراء الثمانينيات المبجلين المذكورين صمتوا، وخابوا، واختفوا من خريطة الشعر المغربي المعاصر نتيجة ضعفهم وقصور موهبتهم عن قول الشعر بمعناه الإبداعي الأصيل، وعجزهم عن مسايرة الإيقاع المتغير باستمرار، وحتى (النقاد) المزمجرون في السابق سكتوا ولم يرجعوا إلى الموضوع، وعلى رأسهم بوسريف.

أرجع بالقارئ إلى ما كتبه الشاعر إسماعيل زويرق، وأستل منه الفقرات التالية:

“لا أخفيك أن ما أشعر به تجاه بعض المؤسسات الوصية يجعلني أمقت نفسي، وقد أرميها بالعجز وعدم القدرة على المسايرة. بيت الشعر هو بيت لكل الشعراء وليكتبوا باللغة التي شاؤوا، وليس هذا البيت حكراً على من يكتب قصيدة النثر وحدها.

طلبت عضوية هذا البيت (بيت الشعر) وقوبلت بالرفض من أولئك الذين يدعون شعراء وأنهم ربابنة هذا البيت بما أوتوه من قوة، وأنا أعرف أن بعضهم لا يحسن تقطيع بيت…

قلت لأحدهم في جلسة لمتني معه: أما آن لهذا البيت أن يغفر زلتي التي ارتكبتها في كتابة الشعر العمودي، وأن يفتح الباب لنا؟ فقد أوذينا بهذا الظل يظللنا من حمارة القيظ.

فقال لي: أنت تعرف أننا حداثيون نتعامل مع قصيدة النثر.

فقلت له: عجباً! وهل الزجل محسوب على قصيدة النثر حتى يتولى زجال أمر رئاسة بيت الشعر؟

فسكت صاحبي المسؤول…

قال لي أحدهم: نحن وضعنا قانوناً ألا نضيف أحداً حتى يموت أحد الشعراء، فلنرفع أكفنا لكي يموت أحد منهم، لعل مقعده يحتوي أحداً من هذا الطابور الذي يقف في العراء…

في بداية أنشطة هذا البيت اتصل بي أحدهم، وطلب مني أن أحرص على تنظيم اللقاء الشعري في المؤسسات التعليمية تنظيماً يليق بمستوى هذا الصرح الثقافي الكبير… وفي السنة الموالية لم أتوانَ في خلق جو شعري في احتفالات نظمتها كل المؤسسات التعليمية التابعة لنفوذ المصلحة التربوية، فكان نجاحاً وراء نجاح. والتقيت بأحد أعضاء هذا البيت، فقال لي: ينبغي أن تشمر هذه السنة ليمر في أحسن ما يكون اليوم العالمي للشعر، فهو واجب علينا جميعاً. فقلت له: أنا لست عضواً في بيت الشعر. فأجابني بكل عنجهية: ليست المشكلة في العضوية ولكنها في أمر آخر! فأجبته بما أراحني من سين وجيم: لماذا أنت عضو في هذا البيت وأنا مرفوض من الدخول إليه؟ لعل في الأمر سبباً آخر غير الشعر، فلا تخاطبني في شأن هذا البيت وما يأتي منه بعد الآن…” (كتاب عن الشعر أتحدث، الصفحات: 30 / 31 / 32).

وكما قلت، مثل هذا أو أكثر حكاه عن وزارة الثقافة، واتحاد كتاب المغرب، والمعرض الدولي للكتاب؛ مما يزكي أقوالنا وأحكامنا السابقة المختلفة من أن أساليب هذه المؤسسات تشبه ما تفعله العصابات المنحرفة، وما يتقمصه دعاة الإبداع والنقد الشعريين بالمغرب ومُورِس من طرفهم بعجرفة واحتيال وخبث، وهم الفارغون الأعجز في الشعر وفي الإبداع وفي الإنسانية بصفة عامة. ولينظر كل شاكٍ متردد إلى ما آلت إليه تلك المؤسسات، وما هي أعمالها وخدماتها الثقافية المستوعبة لتنوع الروافد الإبداعية المغربية أو العربية؟!

أكرر حمدي على ما أتاحته وسائل التواصل من فرص للمبدعين في وقتنا قصد المشاركة والتباري بحرية ومعرفة، والصحيح الحائز على مواصفات الإبداع بعد التسليم بمعايير العلم هو الذي سيبقى ويدوم، ولنتجرأ على الوقوف في وجه عصابات الإبداع وما أكثرها في زمننا، وما أشد بأسها وتلاوينها القائمة على التكتلات البغيضة باسم الإبداع المتسم بالنظرة الخاوية المتعجرفة، والادعاء العنتري الفاقد لأي سند، والعجز المعرفي المتفاقم زاداً وفهماً وعطاءً، وبالتالي إقصاء الآخر المخالف للأيديولوجيات المتحكمة آنذاك.

واليوم .

ناقد من المغرب

 

عن madarate

شاهد أيضاً

حميد بناني المخرج السينمائي الذي هـجر الوظيفة العمومية من أجل التفرغ للإبداع – محمد بشار

محمد بشار* أو المبدع المكناسي الذي وضع حجر الأساس لسينما مغربية ناضجة ومدركة لهويتها ورسالتها …

اترك تعليقاً