قصيدتان: تكوينٌ في غفلةِ الزمان/حافيةٌ على جسدِ الريح

لهيب عبدالخالق *
تكوينٌ في غفلةِ الزمان
يَحدثُ..
أن يَنْشطِرَ الطينُ في جوفي
نصفانِ:
نصفٌ يلهثُ خلفَ ملاحمِ سومرَ
والنصفُ الآخرُ..
يُراقبُ غبارَ الحروبِ وهو يغطي عينيَّ.
أنا..
لا أقفُ في مركزِ الوقتِ،
أنا التي أُديرُ تروسَ الساعةِ بأصابعَ مُبلّلةٍ بدمِ الأنهارِ التي جَفّتْ.
ليسَ لي اسمٌ في سجلاتِ التاريخِ،
لأنَّ التاريخَ..لا يَعرفُ كيفَ يكتبُ امرأةً،
تُشبهُ في طينِها غضبَ الزلازلِ،
وفي صمتِها.. حكمةَ النجومِ المنسيةِ في قبوِ السماء.
أُحرّرُ الذاكرةَ من عبءِ الندوبِ،
لا لأنسى..
بل لأجعلَ الجرحَ نافذةً،
أطلُّ منها على العالمِ حينَ يشتعلُ،
حينَ يتفتتُ في قبضةِ القدرْ..
أنا..
لستُ صدىً يترددُ في غرفِ الموتى،
أنا الصرخةُ التي أوجدتْ للألمِ أبجديةً جديدةً.
هنا..
تتعرى الحقيقةُ من ثيابِ الأسطورةِ،
لا عشتارُ ستنزلُ لِتلملمَ أشلاءَ الحربِ،
ولا جلجامشُ سيجلبُ عشبةَ الخلودِ،
الآلهةُ ماتوا في غبارِ القذائفِ،
وبقيتُ أنا..
ببساطةِ الجسدِ الذي يعرفُ
كيفَ يُحوّلُ الفناءَ إلى خلودٍ بكلمةٍ،
تخرجُ من رحمِ العزلةِ
لِتُعيدَ ترتيبَ فوضى الكونِ..
حافيةٌ على جسدِ الريح
أنا امرأةٌ..
حين يضيقُ الليلُ، أفتحُ في جسدي نافذةً للنهرِ..
لا أحدٌ يعرفُ كم مرّةً حملتُ المدنَ القديمةَ في جرّةِ صوتي،
ثمّ سكبتُها فوق رملِ الكلام.
في دمي شيءٌ من الطينِ، يوقظُ أسماءً بعيدةً.
كلّما لمستُ الماء،
تصحو مدنٌ من نومها الحجريّ،
ويمشي النخلُ نحوي..
كأنّ جذورَهُ تتذكّرُ قدميَّ…
أنا ابنةُ ماءٍ،
علّمتهُ الريحُ أن يكتُبَ ظلَّهُ على الطميِ..
حين أغنّي، يتغيّر شكلُ الفجر،
وتخرجُ من كَتِفي طيورٌ صغيرةٌ
كانت تختبئُ في صمتِ الألواح.
لا أقولُ اسمي..
الاسمُ بابٌ قديمٌ،
والريحُ تعرفني أكثر.
أمشي
فتنهضُ الطرقاتُ من غبارها،
وتتبعني خطواتُ نساءٍ
نسينَ أصواتَهُنَّ على حافّةِ الحروب..
كلُّ واحدةٍ منهنَّ،
تضعُ في يدي قنديلَ انتظارٍ
وتعودُ إلى الليلِ..
أنا لا أحملُ البلادَ..
لكنّ البلادَ تمشي في ظلي.
كلّما رفعتُ رأسي
يتساقطُ من كتفي غبارُ الأزمنةِ،
ويظهرُ نهرٌ
كان يختبئُ في المعنى.
وأحيانًا
حين أضحكُ وحدي،
تتكسّرُ في الهواء مرايا كثيرةٌ،
ويركضُ التاريخُ خلفي مثل طفلٍ
يتعلّمُ كيف ينادي أمَّه.
أنا امرأةٌ..
لكنّ صوتي ليس غرفةً في اللغة.
صوتي.. ممرٌّ طويل،
تعبرُ فيه العصورُ حافيةً،
وتتركُ على الجدار رسومًا
لا يقرأها..
إلا الطين.
هاليفاكس فبراير 2026
شاعرة عراقية مقيمة في كندا
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي