نقطة ضــــــوء
الإبداع اليمني

أعد الملف: نجيب التركي*
تفتح مجلة مدارات الثقافية عبر هذه النافذة مساحةً للاحتفاء بالإبداع في أبهى تجلياته، متتبعةً الإشراقات الأدبية والفكرية التي تزخر بها جغرافيتنا العربية. إن “نقطة ضوء” زاوية نخصصها في كل عدد لبلد، أو مدينة، أو مجال إبداعي خاص؛ لنُسلّط الضوء على تجاربه المتميزة، ونستقرئ تحولاته الفنية، ونقرأ أصواته التي تعكس حيوية الثقافة والتجدد المستمر في ذائقته. ونفتتح العدد الأول من نقطة ضوء بملف خُصِّص للإبداع اليمني، أعدّه الروائي والناقد نجيب التركي مشكورًا، محاولين من خلاله تقديم صورة عن غنى هذا المشهد وتنوع أصواته. نسعى من خلال هذه المساحة إلى مدّ جسور التواصل بين الكتاب والقراء عبر أقطار الوطن العربي، وإتاحة المجال للتعرف عن قرب على النتاجات الأدبية والدراسات النقدية والرؤى الإبداعية التي تشكّل المشهد الثقافي المعاصر، إيماناً منا بأن الثقافة هي الفضاء الأرحب للقاء والإغناء المتبادل.
مقدمة
بين حين وآخر، يطلّ الأدب اليمني على المشهد العربي بما يؤكد أن في هذا البلد العريق حياةً ثقافية لا تنقطع، ومشهدًا أدبيًا يواصل حضوره وتجددَه؛ فثمّة إصدارات جديدة، وفعاليات ومؤتمرات، ومشاركات عربية ودولية، وجوائز مرموقة يحصدها الأدباء اليمنيون، في مشهد لا ينفصل عن تاريخ اليمن الحضاري الضارب في أعماق الزمن، ولا عن إرث ثقافي تناقلته الأجيال منذ أن كانت هذه الأرض مهدًا للحضارة والمدنية.
ومن هذا الحضور المتجدد، جاء هذا الملف الذي نخصصه للإبداع اليمني في بعض تجلياته، محاولين أن نفتح نافذة على مشهد أدبي غني ومتعدد الأصوات، يتوزع بين الدراسة النقدية، والنصوص، والقصة، وغيرها من المواد التي نرجو أن تمنح القارئ صورة عن حيوية الأدب اليمني وتنوعه. وليس ما يرد في هذا الملف إلا نماذج مختارة، إذ يستحيل على ملف واحد أن يحيط بأسماء الأدباء في بلد كامل، أو أن يستوعب اتساع تجربته الأدبية وتعدد أصواتها.
وأردنا من خلال هذه الصفحات، أن نمدّ جسور الحنين والتواصل بين البلدان العربية، وأن نجعل من الثقافة، بمختلف تجلياتها، فضاءً للقاء بين الكتاب والقراء، وتبادل التجارب، واكتشاف ما تزخر به الجغرافيا العربية من مواهب وإبداعات. ونأمل أن يكون هذا الملف تحيةً إلى الأدباء اليمنيين الذين يواصلون الكتابة، ويجتهدون في تطوير تجاربهم، ويسعون إلى أن تكون منجزاتهم الأدبية أكثر ثراءً وحضورًا وقدرةً على المنافسة في المشهد العربي.
ولعل فوز الدكتورة “نادية الكوكباني” بجائزة “نجيب محفوظ” عن روايتها (هذه ليست حكاية عبده سعيد) ليس إلا مثالًا واحدًا على ما يزخر به الأدب اليمني من تجارب جديرة بالاحتفاء، وعلى أن الإبداع، حين يجد طريقه إلى القارئ، يتجاوز الحدود والجغرافيا، ويجد مكانه الطبيعي في الذاكرة العربية.
دراســـــــــــــــــات
عتبات النص وثيمة “الخيانة المزدوجة”: قراءة ثقافية في رواية “الخائن رقم 1000” لـ “عبد السلام الشريحي”

مها محمد شجاع الدين
العنوان: عتبة الترقيم وتنميط الأدلجة
يمثل العنوان “الخائن رقم 1000” عتبة نصية رئيسة واستهلالًا دلاليًا مشحونًا بالتوتر؛ فإدخال الرقم (1000) على صفة “الخائن” ينزع عن المفهوم طابعه الإنساني الفردي ليحوله إلى رقم داخل خط الإنتاج الصناعي للحروب والأيديولوجيات. إنه يعكس ظاهرة تسليع الإنسان وتنميطه في سياقات الصراع، حيث يفقد الفرد ملامحه الخاصة ليصبح مجرد رقم في سجلات الاتهام المتبادل.
يحيل العنوان المتلقي مباشرة إلى ثقافة التخوين المهيمنة في الخطابات الشعبية والسياسية المأزومة، ليعلن النص منذ لحظته الأولى أنه بصدد تفكيك هذه المسلمات وكشف آليات نزع الإنسانية عن الآخر.
الغلاف: سيميائية الأسلاك الشائكة وحصار المعنى
يتشابك الغلاف بصريًا مع العنوان عبر تكوين مفعم بالدلالات السيميائية؛ إذ تحضر الأسلاك الشائكة كرمز مركزي للسلطة، والقمع، والتمزق المجتمعي. وتتداخل الخطوط المكتوبة مع جسد اللوحة لتوحي بأن النص الأدبي نفسه محاصر، وأن اللغة نبتت من قلب المعاناة والتشظي. يعكس هذا التشكيل البصري اغتراب الذات داخل فضاء مكاني محاصر بالحروب والقيود، مما يمهد لخطاب نقدي يربط بين شكل الغلاف ومضمون الرواية المتمثل في محاصرة الحريات والعواطف الإنسانية.
بنيات السرد: الحدث، الحبكة، والشخصيات
الحدث والحبكة: عبثية الحرب وتدوير المآسي
تتحرك الحبكة الروائية في “الخائن رقم 1000” وفق خطوط متوازية ومتقاطعة تعكس عبثية الواقع اليمني وتأثير الحرب المباشر على البنى النفسية والاجتماعية. لا تقوم الحبكة على تصاعد تقليدي يهدف إلى حل عقدة درامية، بل تنفتح على دوائر من الفقد المتواصل وتحول المصائر مثل تحولات فؤاد ومروان وعلاء.
إن الأحداث – بدءً من حوادث السير العابرة مرورًا باللقاءات العاطفية المهددة، وصولًا إلى فاجعة الموت المجاني على الجبهات – تشكل “ميتاسرد” للحياة اليومية تحت وطأة الصراع.
يظهر النقد الثقافي هنا كيف تتحول الحرب إلى “صناعة” تبتلع التفاصيل الحميمة للأفراد، وتفرض خيارات قسرية تعيد صياغة الأخلاق والانتماءات تحت ضغط الحاجة والفقر.
الشخصيات: تمثيل الهشاشة والتحولات الأيديولوجية
تشتغل الشخصيات في الرواية كأطياف ثقافية تمثل انكسارات المجتمع وتناقضاته:
فؤاد: نموذج للرواية البراغماتية المتأقلمة، حيث ينتقل من العمل في المنظمات الدولية إلى الانخراط في شبكة السلطة الجديدة بحثًا عن البقاء والأمان الاقتصادي، ضحيًّا بالحب والذاكرة.
مروان: يجسد صراع المثقف المهمش، الفقير ماديًا والغني بالوعي والقراءة، الذي يصطدم بجدار الواقع العنيف ويجد نفسه مجبرًا على مواجهة أقدار الفقد مثل رحيل ابن خاله مؤيد.
هدى وسهام: تمثلان صوت الأنثى المحاصرة بين قيود الموروث الاجتماعي الشكلي وتقلبات الظروف، حيث تصبح العواطف مساحة مقاومة مؤقتة لكنها مهزومة أمام حتمية الموت والشتات.
الزمان والمكان: استراتيجيات المكان المهيمن ورمزية الزمن المأزوم
المكان (صنعاء والذاكرة المكانية):
تحضر صنعاء في النص لا كفضاء جغرافي محايد، بل كبطل تراجيدي يرزح تحت وطأة التغير الدلالي. تتحول شوارع المدينة وساحاتها مثل شارع السبعين، جولة الرويشان، والمقاهي إلى أمكنة موسومة بالخوف والذاكرة المجروحة. يرصد السرد كيف أعيدت تسمية الشوارع وفقًا للوجع والذكرى العاطفية أو أثر الحرب مثل شارع القبلة الغادرة، وشارع الأحضان، مما يعكس عملية “أسرلة” المكان وتحويله من فضاء للعيش إلى مقبرة للذكريات.
الزمان (زمن الحرب والانتظار)
يتحدد الزمن الروائي في أتون مرحلة مفصلية ومفتوحة على الجرح ما بعد 2014 وما تلاها.
إنه زمن بطيء وثقيل على المستويين النفسي والوجودي، حيث تتداخل لحظات العشق السريعة مع سنوات طويلة من المرض والترقب والانكسار. الزمن هنا ليس مقياسًا للساعات والأيام، بل لمدى اتساع الفجوة بين الوعد والواقع، وبين الحياة المأمولة والموت المنجز.
التناص وتوظيف الأغاني التراثية والشعبية في رواية “الخائن رقم 1000”
ويمثل التناص مع الموروث الشعبي والأغاني التراثية في رواية “الخائن رقم 1000” لعبد السلام الشريحي تقنية جمالية ومعرفية متقدمة؛ إذ لا يعمل التراث هنا بوصفه مجرد عنصر زناخة أو زينة فولكلورية تزين السرد، بل يتحول إلى “ببليوتغرافيا وجدانية” تعبر عن عمق المأساة اليمنية وتاريخيتها.
أولاً: الأغنية الشعبية كمعادل موضوعي للفجيعة
تتسلل الأغاني التراثية والألحان المحلية إلى مفاصل السرد لتشكل خلفية نغمية توازي الصخب الخارجي للحرب. عندما تتردد الكلمات المألوفة للأغاني الصنعانية أو الريفية على ألسنة الشخصيات أو في خلفية المشاهد، فإنها تفعل فعل المرآة التي تعكس تآكل الواقع واصطدام الحلم البسيط بجدار الموت. تصبح الأغنية معيارًا للمقارنة الساخرة والموجعة بين ما كانت تعنيه الكلمات في زمن السلم والفرح، وبين حمولتها الجديدة المفزعة في زمن الموت المجاني.
إنه تناص مفارقة يكشف كيف استطاعت الحرب أن تعيد كتابة دلالات الفرح وتحولها إلى مراثٍ مستمرة.
ثانياً: استدعاء الذاكرة الجمعية في مواجهة محو الهوية
في خضم التشظي الذي تفرضه الصراعات المسلحة وأدلجة الفضاء العام، يبرز التناص التراثي كحبل نجاة للذات الفردية والجماعية. إن استدعاء الموروث الغنائي والشعبي يمثل شكلاً من أشكال المقاومة الثقافية الهادئة؛ فهو يعيد ربط الإنسان اليمني بجذوره العميقة التي تسعى آلة الحرب إلى اقتلاعها.
الشخصيات المهمشة والمحاصرة تجد في تلك الإيقاعات القديمة لغة مشتركة تعبر عما تعجز عنه التقارير الإخبارية والخطابات الأيديولوجية الجافة.
ثالثاً: انسجام البناء السردي مع الإيقاع الشعبي
يتجلى التناص أيضًا على مستوى الإيقاع الداخلي للنص؛ حيث تكتسب الجملة الروائية نبرة أشبه بالنواح الجماعي أو الموال الشعبي المرتحل بين المدن والقرى.
هذا التلاحم بين بنية الرواية وروح التراث يمنح النص شحنة عاطفية عالية، تجعل القارئ لا يتلقى الحدث باعتباره خبراً عابراً، بل باعتباره لحناً تراجيدياً متواصلاً ينتمي إلى تاريخ طويل من الصبر والمعاناة.
بهذه التقنية، تحول الرواية التراث من مخزون ميت إلى كائن حي ينبض في قلب الصراع المعاصر، مؤكدة أن الذاكرة الفنية والشعبية هي الحصن الأخير الذي يقاوم النسيان ويفضح عبثية الحرب.
ختامًا
تنجح رواية “الخائن رقم 1000” للكاتب عبد السلام الشريحي في تقديم شهادة أدبية وثقافية رفيعة المستوى عن الإنسان اليمني وهو يعيد اكتشاف ذاته وسط أنقاض الحرب والتحولات الكبرى. إنها لا تكتب عن السياسة مباشرتها، بل عن أثر السياسة في تفاصيل الروح الإنسانية، وعن هشاشة العواطف حين تصطدم بآلة العنف والفقر. بلغة رصينة ووعي نقدي متجذر، تحفر الرواية عميقًا في أسئلة الانتماء، والخيانة، والحب، لتؤكد أن الأدب يظل النافذة الأخيرة التي يطل منها الضحايا لتوثيق حضورهم ضد محو الذاكرة.
نادي القصة (إل مقه) ذاكرة السرد اليمني وملاذ الإبداع

سكينة شجاع الدين
لم تكن الكلمة يوماً عابرة، بل نقشاً محفوراً على مساند التاريخ، وحكاية تتناقلها الأجيال في مجالس السمر وتحت ظلال شجرة البن. ومن عبق هذا التاريخ الممتد، والتراث السردي، انبثق نادي القصة (إل مقه) لا ليكون مجرد كيان ثقافي أو قاعة تتجمع فيها الأجساد، بل ليكون محراباً دافئاً للسرد، وحاضنة رؤوم للإبداع. لقد استلهم مؤسسو النادي من الإله اليماني القديم (إل مقه) رمزية النماء والحماية، لتسبغ على نصوص غضة ومواهب يافعة كانت تبحث عن أرض خصبة لتتجذر فيها وتورق.
من خلاله، أدركوا أن القصة ليست محض ترف فكري أو تلاعب باللغة، بل هي نبض المجتمع المتسارع، ومرآته العاكسة لأفراحه وأتراحه، وتشابكات واقعه المعقد. فشرعوا أبوابهم أمام المواهب الشابة، وتلقفوا الأقلام الواعدة بحنوّ الأب وعناية الخبير. في أروقته المعبأة بشغف المعرفة، تلاقت الأجيال، وتشابكت الرؤى، حيث يمرر الكبار شعلة السرد إلى الشباب في طقس إبداعي مهيب لا يعرف الانقطاع. لقد كان نادي القصة (إل مقه) الخيمة التي استظل بها الكُتّاب من هجير التهميش، والمنبر الذي صدحت منه أصوات خافتة كادت أن تضيع في زحام الصمت الموحش.
لم تكن مسيرة النادي مفروشة بورد الكلمات السهلة، بل كانت رحلة محفوفة بتحديات واقع مثقل بالتحولات والانعطافات الحادة وأوضاع الحرب المتعبة، غير أن إرادة الحياة الكامنة في روح المبدع اليمني جعلت من (إل مقه) قلعة عصية على الانكسار. طوال فترات مضت، استمر النادي في ضخ دماء جديدة في شرايين المشهد الثقافي اليمني والعربي، منظماً الندوات، وقارئاً للنصوص، ودارساً للروايات، ومُشرّحاً للرؤى والأفكار بنقد حصيف ومسؤولية أدبية عالية، مقيماً للورشات. إن تاريخ النادي هو في جوهره تاريخ لتطور القصة والرواية وشتى صنوف الأدب، ساعياً من أجل التطور والنماء، بكل ما يحمله من تيارات متقاطعة، وما شهده من تجديد وانعتاق من القوالب السردية الجامدة نحو فضاءات التجريب والابتكار.
فالقصة فيه، مثلاً، تتجاوز حدود الحكاية العابرة؛ إنها قصص وثيقة إنسانية حية، ورصد دقيق لتموجات الوجدان للمبدع المدهش هنا. نُسجت حكايات القرية المنسية وتناقضات المدينة المكتظة، هنا بُعثت الأساطير من مرقدها، وهنا تُرجمت الهواجس والأحلام إلى لغة نابضة بالحياة تتنفس وجع الإنسان وأمله. بفضل هذا الصرح الأدبي، خُلقت حالة من التراكم المعرفي والجمالي، جعلت من أدباء اليمن اسماً حاضراً بقوة في السرد العربي، ومصدّراً لأسماء أدبية لامعة حفرت حروفها من نور في سجل الخلود الأدبي.
ونحن نتأمل هذا العطاء الباذخ، ندرك يقيناً أن نادي القصة (إل مقه) ليس مجرد مكان لكتاب الثقافة اليمنية، بل هو المتن والهامش، هو المداد والورق. سيبقى هذا الكيان العظيم منارة تهتدي بها سفن المبدعين وسط أمواج الحياة العاتية، وحارساً نبيلاً يذود عن قيم الجمال والحق، ليثبت للعالم أجمع أن اليمن، كما كان مهداً للحضارات الأولى، سيظل إلى الأبد مصنعاً للدهشة، وقيثارة لا تمل من عزف أبجدية الإبداع والابتكار.
ولا يسعنا في نهاية المطاف إلا الشكر والامتنان لكل القائمين على هذا الصرح الأدبي العظيم، وعلى رأسهم الأب الروحي للأدب وربان سفينتنا، الروائي الكبير الأستاذ محمد الغربي عمران.
صدور كتابي حوليات نادي القصة اليمني (إل مقه) لسنتي 2024 و2025

خطوة أولى نحو الاستمرارية الثقافية
بعد انتظارٍ طال، أعلن نادي القصة اليمني (إل مقه) عن صدور كتابي «حوليات نادي القصة» لسنتي 2024 و2025، في محطة ثقافية تُتوّج مجهودًا جماعيًا وتجربة إبداعية آمنت بالفعل الثقافي بوصفه مسارًا متواصلًا، ورافدًا يثري المكتبة اليمنية بما تحتاجه من منجزات سردية وفكرية.
جاء هذا الإصدار ثمرةً لتكاتف الجهود الصادقة لأعضاء النادي، وسعيهم إلى إرساء تقليد ثقافي يقوم على التراكم، ويجعل من الكتاب معلمًا لبداية طريق نحو الاستمرارية، وحلمًا تحوّل إلى حقيقة بفضل الإيمان بالفكرة، والصبر عليها، والعمل المشترك.
الكتابان حصيلة لقاءات منتظمة ومشاورات فكرية وإبداعية جمعت بين أعضاء دوائر النادي المختلفة، وهي: دائرة اللقاء عن بُعد، دائرة النص الحر، دائرة القصة، دائرة الرواية، دائرة النقاش، ودائرة الإبداع المتجدد، حيث أسهمت هذه الدوائر، كلٌّ من موقعه، في بلورة مضامين الكتابين وصياغة ملامحهما العامة.
جرت هذه اللقاءات والمداولات بتنسيق مباشر مع رئيس النادي، الغربي عمران، الذي بذل جهودًا مضاعفة على المستويين التنظيمي والثقافي، حرصًا على أن يصدرا الكتابان في صورة تليق بتجربة النادي، وتعكس طموحه في ترسيخ فعل ثقافي جاد ومستمر.
الكتابان صدرا تحت إشراف نجيب التركي، في إطار رؤية تحريرية هدفت إلى تحقيق الانسجام بين النصوص، والحفاظ على هوية النادي وخياراته الثقافية والفكرية.
وعلى المستوى الفني، حظي الإصدار بعناية خاصة، حيث تزيّن الغلافان بلوحتين تشكيليتين تكرّمت الفنانة عهد الحضرمي بإهدائهما للكتابين، فيما تولّى المصمم خلدون الدالي إخراج الغلافين بأسلوب بصري أنيق ينسجم مع روح المشروع ومضمونه.
مثّل صدور (حوليات نادي القصة) لسنتي 2024 و2025 خطوةً تأسيسية في مسار النادي، وبداية مرحلة جديدة يُعوَّل عليها لتعزيز الحضور الثقافي، وفتح آفاق أوسع أمام التجارب السردية، تأكيدًا على أن الاستمرارية تظلّ الرهان الحقيقي لأي فعل ثقافي جاد.
الهوية النصية في رواية (خضرا) لـ “حورية الإرياني”
عبد الوهاب سنين
الرواية صادرة عن دار (عناوين بوكس) القاهرة، 2021م، وتقع في 176 صفحة.
لكل رواية، بل أيضاً لكل كتاب، مفتاح يلج من خلاله القارئ إلى النص المسرود، والعمل الذي بين أيدينا لهذا المساء رواية وسمتها الكاتبة بـ(خضرا).

الغلاف
أتت أرضية الغلاف باللون الرمادي الباهت، دلالة على الضبابية في معترك الحياة، وتتوسط الأرضية صورة فتاة بوجه لها عين واحدة تترقب تلك الحياة الباهتة من منظور واحد، ورغم السنبلة التي أتت في الشق الثاني من الوجه، الصاعدة من اسم خضرا، التي تدل على النماء وجمال الحياة، لكن اسم خضرا، رغم لونه الجميل، لكنه في الحقيقة سراب، لا نماء فيه، يصارع حياة متضرمة تجثم عليها الذكورية، وبعينين خضراوين تسعى خضرا من خلالهما لسد رمق العيش، ومن الخلف تظهر البيئة المكانية التي اختارها مصمم الغلاف، كان بمفرده أو برؤية من الكاتبة، وهي تبرز البناء الصنعاني القديم، وأمامه منارة أحد مساجدها، التي تغوص بين الأحياء القديمة.
العنوان
أحد الركائز التي يعتمد عليها قارئ التجريب، وهو المفتاح الذي يستطيع القارئ من خلاله الولوج إلى جسد النص، إذ العنوان علامة دلالية من خلالها نستشف أبعاد النص، فخضرا عنوان أتى بخط بارز، وبلون الأرض المزروعة، ولكن تلك الأرض يعلوها الجدب والقتامة، في حياة واقعية اعترتها الآلام والأحزان ردحاً من الزمن. أما خضرا، فهي في الأصل هكذا: خضرا، فلما أراد العرب مد الكلمة زادوا ألفاً قبل ألف التأنيث المقصورة، لذا قالوا: خضراا.
البناء السردي
الكاتبة انطلقت في بناء الرواية بفكرة ارتدت هذه الفكرة الموضوع، وهو الأهم في هذا المسار السردي، كل ذلك نُسج في الصراع الذي عاشته الشخصية المحورية والشخصيات الأخرى، وفي هذه البوتقة السردية نجد حياة خضرا الأم، التي أوهمت نور بنموها في أحشائها رغم عذريتها، وشربت نور تلك الأكذوبة، التي كشفت عن حقيقتها الطبيبة مها، صديقة نور.
ومن خلال معترك حياة لفتاة وسط مجتمع ذكوري متسلط، يرى العيب من جهة والاستباحة من جهة أخرى، ورغم ذلك استطاعت نور أن تسمو وترتقي إلى مراتب انتشلتها من حياة الشارع، بدايةً بفرارها من بيت والدتها خضرا المضرجة في دمائها، ومن ثَمَّ استخدامها لاسم خضرا التي لا تعرف غيره لسنوات، وبعد أن علمت هويتها واسمها نور، كانت قد وجدت من يحتضنها كراعٍ لها، العم ناجي، وتربيتها في منزله بين أولاده، وكانت كخادمة مخلصة لتلك الأسرة، في حياة لا شك مليئة بالقسوة، والنظر للمرأة بالدونية التي ليس لها سوى حيطان كئيبة تحتويها، وإلا كانت سلعة مباحة.
الزمن
هنا المفارقة الزمنية واضحة من خلال تقنية سردية فيها الاسترجاع والتنبؤ في الزمن، وما يهمنا هنا هو الاسترجاع، وقد يأتي فلاش باك داخلي أو خارجي، أما الخارجي، مع أنه لا يعنينا في تحليل هذه الرواية، إلا التمييز بين الاسترجاعين؛ فالخارجي هو ما كان نسيجه السردي كله قد أتى من خارج الحكي الأصلي، كأن أذكر حكاية ليست من بنية الزمن المسرود، لكن في رواية خضرا نرى فيها الاسترجاع الداخلي، وهو ما لم ينتبه له البعض بأن ذلك له صلة عضوية بالحكي الأصلي، وهذا الاسترجاع ينفي عن الكاتبة الاستغراب من طفلة في الخامسة تتحدث بمثل هذه اللغة والوعي، ولكن الاسترجاع كان حاضراً، وينفي عدم الحشو في الاسترجاع، وأذكر مقطعاً قصيراً داخل الفلاش باك تقول فيه بطلة الرواية: «فما زلت أتذكر شعوري ببرودة الهواء الداخل من النافذة»، وتواصل تأكيد الاسترجاع بقولها: «وأذكر أيضاً رائحة القضبان الحديدية الصدئة العالقة على أناملي» ص7.
ومثلما وجدنا تقنية الفلاش باك، نجد أيضاً تقنية الاستباق، وفيه يرى قارئ التجريب طموح وتنبؤ الشخصية المحورية نور، بأن تسمو بها رغبتها في الإلحاح على التعليم، والترقي إلى مستوى علمي مرموق، وهو ما وجدناه من خلال تلك البوتقة السردية.
الحبكة
مرت العقدة أو البلوت عبر أكثر من حدث ومنعطف في حياة الشخصيات، تحبيكاً وتخطيباً، وما يظهر بجلاء هو التبئير على الشخصية المحورية نور، من خلال التركيز على أبعاد الحياة التي اقتحمتها طفلة في الخامسة من عمرها، وتركت لمعترك الحياة الزمام في تكوين شخصيتها، حتى أصبحت دكتورة يشار لها بالبنان، بدافع من معلمتها التي حُرمت من مواصلة الجامعة، نبيلة التي عوضت ممارسة التعليم بتعليم نور، وكانت الركيزة الأساسية في مسار نور التعليمي.
الساردة نجحت نجاحاً لافتاً في بناء شخصية نور، والشخصية الثانية خضرا، تلك المرأة البائسة الفارة من قريتها بطفلة ادعت بنوتها، وكانت تحمل في تكوينها اضطراباً نفسياً. ربما وجد القارئ انزلاقها في بيع جسدها، ولكن يكتشف المتلقي أنها لا زالت عذراء، بين مجتمع ذكوري يلتهم كل من رضخت لرغبات بعضهم، ومع ذلك استطاعت الكاتبة أن تباغت القارئ بأن هذه المرأة البائسة تمثل ضحية لا بائعة للهوى، واكتشاف نور لعذريتها بعد مماتها عن طريق صديقتها الطبيبة مها، فيه شفرة أن المرأة تستطيع أن تصمد وتقارع تلك النفوس الضحلة التي لا تنظر للمرأة إلا متعة خاصة سهلة المنال.
واستطاعت الكاتبة أن تجعل نور، الشخصية المحورية، تلتحم مع الأحداث التي واجهتها، وكانت بقية الشخصيات البارزة تبعاً للشخصية المحورية، كالعم ناجي وسماح وخالد والأم زهر. كل تلك الشخصيات استطاعت الكاتبة أن تحيطها بدور، من خلاله اكتمل بناء الشخصيات، وإن كان هناك من قصور طفيف، فكان في عدم إبراز العامل النفسي لنور، وما لاقته من صراع لا يحتمله رجل.
كانت الحبكة من حيث النوع ميلودرامية، وهذا النوع من الحبكات يُعد عقدة نازلة، إذ كانت النهاية التي أودت بنور قتيلة على أيدي جلاوزة لا يعرفون جمال الحياة ولا يشعرون بقيمة الإنسانية، لا يستنشقون سوى البارود ويقتاتون من الدماء.
الخطاب
هناك عدة خطابات في الرواية، منها خطاب موجه لنبذ الشعوبية، وهذا في حد ذاته رسالة عبر خطاب مسرود، في صراع اثنين من المرضى في المستشفى، والسخرية من لهجة الآخر، وانتهى بالتحام جسدي، وهذا الخطاب لم يأتِ اعتباطاً، وإنما رسالة ذات مدلول، وهناك خطاب آخر للفئة المتشددة، ونراه في زيد ابن العمة زهر، وتصرفه مع نور، لاعتقاده بقول شيخه في المسجد إن النساء حرام، وكذلك هذا الخطاب له مدلول في البيئة المجتمعية، وهناك خطابات عدة، لا يمكن لأي خطاب حكائي، كيفما كان نوعه، أن يستقل عن غيره من الخطابات.
أخيراً: الهوية النصية
الهوية النصية أو الأدبية أو الفنية، كل ذلك يعني الهوية الإنسانية، بمعنى أن القارئ، أياً كان وطنه، من العرب أو الغرب، حين يتناول رواية فيها معاناة الإنسان وآلامه، فنجد ذلك القارئ يتأثر بما يقرأ. لماذا؟ لأن ما هو مشترك، ما هو إنساني، هو ما نسميه بالهوية الإنسانية، وهذا ما يسعى إليه الأدب ويفصح عنه الكاتب، لإبراز الصراع الإنساني.
ونجد ذلك التأثير المؤلم في نهاية الرواية، حيث جلت الكاتبة تلك الأحداث، والتي من خلالها استطعنا أن نربط الزمن الروائي، إذ كانت الأحداث المروعة في المستشفى، الذي ذهب إليه العديد من الأجناس اليمنية والأجنبية، عام 2013م، وكانت كارثة حلت على مستشفى العرضي، وذهب ضحايا عدة على أيدي جلاوزة لا ترى سوى القتل والإبادة، إبادة من لا يرحم، ولا تعني لها الهوية الإنسانية شيئاً.
ومن تلك النهاية ارتبط الزمن، بدايةً بثمانينيات القرن المنصرم، حين كان عمر بطلة الرواية خمس سنوات، وانتهاءً بكارثة 2013م، وإن لم تفصح الكاتبة عن تحديد الزمن، بل تركت تلك الخاتمة لدى قارئ التجريب، ليكتشف الزمن الروائي ويربطهما داخل البناء السردي.
(ثلاثون حرباً… وحُب) نصوص تتطلب استحضار كامل الحواس لـ “صفاء الهبل”
نجيب التركي
ابتعدتُ عن الشعر، واتجهتُ نحو كتب الفكر والرواية، وإلى مراجعة ما تيسّر لي من الكتب. وعلى حين غفلة، ناداني كتابٌ بعنوان (ثلاثون حربًا.. وحب)
رفضتُ النداء بادئ الأمر، مُتحججًا بأن لدينا من الحروب ما يكفينا، وأنني لستُ بحاجة إلى ثلاثين حربًا أخرى أضيفها إلى ما أعيشه وأقرأه. لكنّ ما جاء بعد الحروب كان كلمةً واحدة: الحب.
كانت الكلمة كشفيعٌ للجزء الأول من العنوان؛ فتشبثتُ بها، وبدأتُ قراءة الكتاب، متسلحًا بشيءٍ من الحب، وحفنة فستق، وقهوة أمي.

الغلاف
تكوّن الغلاف من عدّة دلالات؛ لوحة للفنانة التشكيلية اليمنية “آمنة النصيري”، احتوت على تشكيلة من أطراف مبانٍ علوية تُخبر أكثر مما تخفي، وتترك للناظر أن يتخيّل ما وراءها.
مَبانٍ متجاورة، لكنها لا تبدو متطابقة؛ لكل منها ملامحها وألوانها، وكأنها أمكنة مختلفة اجتمعت في لوحة واحدة، أو حكايات متعددة تتجاور تحت سماء واحدة.
على يسار اللوحة طائر وحيد؛ ربما كان يغرّد خارج السرب، أو أنه أدرك أن المكوث مع الجماعة يمنعه من التحليق أكثر. وقد يكون الطائر هو أكثر عناصر اللوحة تحررًا؛ فلا جدار يحاصره، ولا نافذة تحدد مساره، ولا سقف يفرض عليه جهةً بعينها.
الألوان في اللوحة لا تستقر على حال؛ فبين الأزرق والأخضر والوردي والأحمر تتشكل مدينة أقرب إلى ذاكرة منها إلى مكان محدد. ألوانٌ زاهية، لكنها لا تخلو من شيءٍ غامض؛ يأتي الجمال هنا ممزوجًا بما مرّ على المكان من تعبٍ وأحلام وخراب.
أما المباني، بواجهاتها المتفاوتة وفتحاتها الصغيرة، فتمنح اللوحة شيئًا من ملامح العمارة اليمنية، لكنها لا تقدمها بوصفها عمارة جامدة؛ وهذا ما يجعل العنوان أكثر حضورًا؛ (ثلاثون حربًا.. وحب). فالحرب قد تسكن المدن، والحب كذلك، وكلاهما يترك أثره في الجدران وفي الذين يسكنون خلفها.
ثم تأتي كلمة (حب) في نهاية العنوان، بلونها الأحمر، لتلغي الحروب الثلاثين، ولتقول إن كل تلك الحروب، مهما تعددت، لا تستطيع أن تستنفد ما في الإنسان من قدرة على الحب.
الكثيرون يتحدثون عن رهاب الأماكن، وما تصنعه فينا من شرودٍ وارتحالٍ نحو الوعي واللَّاوعي، ونحو آفاق لا يحدّها سقفٌ ولا سماء. لكنّ بعض الأمكنة لا تكتفي بأن تستحضر فينا الخوف؛ إنها تفتح أبوابًا أخرى للذاكرة، وتدفعنا إلى أماكن لم نكن نقصدها.
ومع بداية قراءتي للنص الأول، استحضرتني أجواء جلال الدين؛ الحضرة، والمريد، والولولة، ذلك الوجد الذي يجعل الجسد حاضرًا في مكان، بينما الروح في مكان آخر.
وما إن قرأت السطرين الأولين حتى تسارع الربط بين هذا وذاك، عرف النص الطريق إلى تلك الحضرة قبل أن أعرفه أنا:
“منذ زمن وأنا ظلّ مُجرّد
سُكون في حضرة العُتمة
فلماذا كل هذه المسامير لتدقها بين أصابعي!”
تحوَّل المكان من مشاعر إلى حالة؛ العتمة حضرة، والسكون ظلّ، والمسامير وجعٌ يُدقّ في الجسد والذاكرة معًا.
المفارقة الأجمل أن الحضرة، في المخيال الصوفي، تقود إلى الوجد والانعتاق، بينما حضرة العتمة هنا تقود إلى المسامير. معنى ذلك أن الكاتبة تستدعي طقسًا روحيًا، لكنها تضع المريد هذه المرة أمام ألمٍ لا أمام خلاص.
ومن هذه العتبة تحديدًا بدأتُ أقرأ (ثلاثون حربًا.. وحب)؛ بوصفه كتابًا عن ذلك الإنسان الذي يقف بين الحرب والحب، ويحمل في داخله ما يكفي من العتمة كي يرى، وما يكفي من الوجد كي لا يستسلم لها.
الجميل في أي كتابٍ شعري أتناوله، أنني حين يشدّني النص، لا أستطيع قراءته سرًّا؛ لا بد أن أقرأه جهرًا، لأخضعه لاختبارٍ مزدوج: مدى تفاعلي معه من جهة، وجودة الصوت وقوة تأثير الكلمات في خيالي وملامحي ونبرات صوتي من جهة أخرى.
وهذا الأمر ليس جديدًا عليّ؛ فقد سبق أن راجعت كتابًا في مسودته الأولى، وكانت نصوصه مستمدة من الواقع المعاش. السر لم يكن في الواقع نفسه، بل في الكيفية التي انتقلت بها المعاناة من الواقع إلى الورق، ومن الورق إلى قلبي. وهنا أسأل: هل كانت صفاء، وهي تكتب، على وعيٍ كامل بما تفعل؟ أم أن ملامح صنعاء القديمة تسلّلت إليها دون قصد، وانتقلت بين السطور، وتكوّنت كرياحينَ صغيرةٍ مزروعةٍ في ثنايا النص؟
ما يدلّل على ذلك قولها:
“لا أكتب فقط
أنسكب روحًا
وأتركني بين أحرفٍ عطشى”
السؤال الذي استوقفني هنا:
إذا كانت الحروف، كما تقول صفاء، عطشى، فلماذا أراها ممتلئة إلى هذا الحد؟
ممتلئة بالحنان، والتوق، والرغبة في الانعتاق والتحليق؟
فكيف سيكون حال هذه الحروف لو أنها لم تكن عطشى؟
ماذا كانت ستفعل بنا لو كانت، بدل العطش، ممتلئة حتى الحافة؟
تقول صفاء:
“كرهتُ نفسي
تصالحتُ معها
ركضتُ حولها كطفلة أجبرتها الحياة لتصنع من كل همٍّ محرقة”
نلاحظ هنا الموسيقى التي تتماشى مع كلمات صفاء، بأنها لا تسير وفق نوتات يفرضها مايسترو محدد. موسيقى تتولد من داخل التجربة نفسها:
كرهتُ… نفسي
تصالحتُ… معها
والتضاد بين الكره والمصالحة أتى ليشبّع الصورة وليكسبها قوةً وجزالة؛ فالنفس التي كانت قبل سطرٍ واحد موضعًا للكره، تصبح بعده مباشرةً موضعًا للمصالحة. لتركض صفاء حول نفسها لتستعيد طفولةً سلبتها منها الحياة، أو تحاول أن تصنع من بقية ما تبقى منها لعبةً لا محرقة.
“طيلة هذه الأعوام
وأنا امرأة معلقة بالحب
بالأغاني القديمة
بالظلال والنور..”
الأعوام التي ذكرتها الكاتبة قبل المقطع هذا، تقف على مسافة أشهر قليلة من الثلاثين؛ ومع ذلك تبدو الكاتبة وكأنها تقف على مسافة أبعد من عمرها بكثير، مسافة صنعتها التجارب لا السنوات. ثم تعود إلى (الظلال) قبل أن تنتقل إلى (النور) لتجعل التضاد مرة أخرى يحدد مسار النص ويوجهه؛
من العتمة إلى الضوء، ومن الخيبة إلى محاولة الخلاص.
ولعل ما يُحسب لصفاء أنها لم تكتفِ بتشريح جروحها، إنما حاولت مداواتها بالكتابة. فالكتابة هنا ليست وصفًا للجرح بقدر ما هي محاولة لإغلاقه، أو على الأقل تحويل ثقوبه إلى نوافذ.
تقول:
“أنا عازمةٌ على حُبّ نفسي
التي لم تجلب لي سوى الخيبات”
ثم لا تلبث أن تنتقل، بعد سطرين فقط، إلى:
(أودع هذه الحقبة بالنعناع
وأستقبل ما سيأتي بالحب
وأنتهي منه بفنجان)
وهنا تبلغ المفارقة ذروتها. فبعد كل هذا العناء، لا تختار صفاء طقسًا احتفاليًا صاخبًا للوداع، بل تختار النعناع، ثم تستقبل القادم بالحب، وتنهيه بفنجان.
والسؤال هنا: من المحظوظ الآن؟
وربما كانت المفارقة الأجمل أن الكاتبة التي تقول، في موضع آخر، إنها ليست محظوظة بما يكفي، تترك لنا هنا ثلاثة أشياء لا تجتمع عادةً في يد الخائب: نعناعًا للوداع، وحبًا للاستقبال، وفنجانًا لنهاية الحكاية.
فهل بقيت الخيبة فعلًا، أم أن الكتابة سرقت منها آخر ما تبقى من قدرتها على الانكسار؟
وفي النص الثاني من الكتاب، وجدت ما يسمى بالقصة القصيدة؛ نصًا قصيرًا يبدأ بحوار عابر:
“صباح الخير
أين أنتِ؟”
ثم تأتي الإجابة:
“لا أحصد شيئًا يا صديقتي”
ومن هنا يبدأ النص في الانفتاح على دلالته الحقيقية؛ فعدم الحصاد ليس بالضرورة جدبًا، وربما كان ثمة شيء ينمو في مكانٍ لا يراه أحد.
حتى تصل صفاء إلى خاتمة النص:
“اكتفيت بالاهتمام بحديقة أخفيها داخل قلبي
زرعها حُب
وسقياها حُب
ورغم وخزها… أزهرت”
هنا تتبدل دلالة الحديقة؛ لم تعد مكانًا تُزرع فيه النباتات، وإنما أصبحت قلبًا تُخفى فيه الأشياء التي لا يريد صاحبها أن يراها الآخرون. واللَّافت أن صفاء لا تقول إنَّ الحديقة خالية من الأشواك، بل تعترف بوخزها، ثم تأتي المفاجأة الصغيرة: (أزهرت).
النص يقول بلسان الكاتبة: الحصاد ليس دائمًا ما نخرج به إلى الناس، فقد يكون أعظم ما نحصد هو ما ننجح في إبقائه حيًا داخلنا.
وهنا أتساءل: هل كانت صفاء تبحث عن حديقة تخفيها داخل قلبها، أم أنها كانت طوال الوقت تكتب لتكتشف أن قلبها نفسه هو الحديقة؟
في النص الثالث عشر، صفاء تزأر.
تزأر منذ الجملة الأولى:
“إن لم تجاهر بالحب والحياة في قلبك، فكيف ستصل ربك وأنت خاوي اليقين والإيمان؟”
كلمة (تجاهر) هي مفتاح النص كله؛ فصفاء لا تريد للحب أن يبقى سرًا في القلب، ولا للحياة أن تُمارس بخجل، ولا للنبض أن يُلجم.
حتى إنها تذهب أبعد من ذلك حين تجعل إلجام النبض صورةً من صور الانتحار؛ فالإنسان، في تصورها، لا يموت فقط حين يتوقف جسده، وإنما يبدأ موته حين يتواطأ مع من يريد إطفاء الحياة في داخله.
ثم تأتي عبارتها الصادمة:
“الحب
الرقص
الموسيقى
الغناء
كلها عبادة”
هنا صفاء تعيد ترتيب علاقتنا بالأشياء؛ تجعل من الجمال طريقًا، ومن الفرح فعلًا روحيًا، ومن الموسيقى والرقص والغناء صورًا أخرى للحياة حين تُعاش بكامل نبضها.
ثم تستعير لغة الزراعة التي تتكرر في كتابها:
“أن تزرع ظلّك في قلب حبيبتك
لتنبت بعدها مائة قبلة… عبادة”
الحب عند صفاء يُزرع. وما يُزرع في القلب لا بد أن ينبت.
ولعل هذا يلتقي مع حديقتها التي أخبرتنا عنها سابقًا؛ الحديقة التي (زرعها حب) و(سقياها حب) ورغم وخزها أزهرت.
الكتاب كله يشتغل، دون أن يعلن ذلك مباشرة، على قاموس واحد: الزرع، السقيا، الإنبات، الإزهار. إنها مفردات الحب حين يتحول من شعور ٍعابر إلى طريقة في العيش.
ثم تقذف بنا إلى عبارة أكثر جرأة:
“هنا الجهاد الحقيقي الذي لن يعترف به الضالون أبداً”
فتعيد صفاء تعريف الجهاد بعيدًا عن صورته الصاخبة؛ الجهاد هنا هو ألَّا تقتل نبضك، وألَّا تخون الحياة التي في داخلك، وألا تجعل الخوف أو الوصاية أو العادات حارسًا على قلبك.
ولهذا يصبح الطريق إلى السماء، في رؤيتها، طريقًا مملوءًا بالهواء والزهور والعطر والجمال.
وما أجمل أن تأتي (الثلاثون) في نهاية هذا المسار:
(بالثلاثين: الفصل الأكثر جمالاً في كل الحكاية)
فالثلاثون ليست نهاية فصل الشباب كما قد يوحي الرقم، هي بداية فصل جديد من الحكاية. وهي هنا تستعيد ما قالته في موضع سابق عن استقبال القادم بالحب؛ وكأن الكاتبة، بعدما تصالحت مع نفسها، وأودعت حقبة بالنعناع، لم تعد تنظر إلى الثلاثين بوصفها بابًا يُغلق، إنما بوصفها بابًا يُفتح. وهذا هو سر النص كله:
صفاء تدافع عن حق الإنسان في أن يكون حيًّا… بالحب.
ما كتبته صفاء في (ثلاثون حربًا.. وحب) قد يختلف حوله قارئ من آخر؛ من متذوقٍ يمر على النصوص مرورًا عابرًا، إلى قارئ يشعر أن صفاء كتبت بلسان قلبه، وبينهما مسافات واسعة من الذائقة والتجربة والانحياز.
وقد يجد قارئٌ ما شيئًا من يراعات طاغور، أو يتأمل قارئ آخر المياه الزرقاء لسيوران، أو يرى ثالثٌ في المسافة الممتدة بين الحرب والحب شيئًا آخر تمامًا. وليس في ذلك ما يعيب النص؛ فالنص الذي لا يتيح للقارئ أن يختلف معه، أو يراه من زاوية أخرى، نصٌّ أغلق أبوابه قبل أن يصل إلى قارئه.
وكما تقول صفاء:(اختلاف وجهات النظر لا يعني فرضها) أو كما قال “ثابت القوطاري” ذات حديث:(وجهة النظر… تظل وجهة نظر، لكننا غير ملزمين بها).
ومن هذا المنطلق أردتُ أن أقرّب للقارئ ما أراه في الكتاب: أيقونة كتابة يمنية خالصة، لا تستمد مشروعيتها من مقارنتها بما هو خارجها، ولا تحتاج إلى استعارة شهادة من بعيد كي تثبت حضورها. كتابة تنبع من بيئتها، من ذاكرتها، ومن الأمكنة التي مرّت بها، وإن كانت في الوقت نفسه قادرة على أن تعبر حدود المكان.
وأجد في كتابة صفاء ملمحًا واضحًا من التصوف الشعري؛ ليس بالضرورة في المفردات الصوفية المباشرة، وإنما في علاقتها بالحب والجمال والروح والتحرر، وفي محاولتها الوصول إلى السماء من خلال الأشياء التي نعيشها هنا: الحب، الموسيقى، الرقص، العطر، الزهور، والقُبلة.
صفاء تذهب إلى أبعد من ذلك حين تقول:
(لا أقول رأيًا ولا أعطي انطباعًا، فبذلك أكون قد تحررت)
وهنا يبدو التحرر جزءًا من مشروع الكتابة نفسها؛ فالكاتبة لا تريد أن تكون أسيرةً لرأي نهائي، ولا أن تُلزم قارئها بما ينبغي أن يراه. فتترك النص مفتوحًا، وتنسحب خطوة إلى الوراء، ليأخذ القارئ موقعه منه.
وربما لهذا كله لا أريد أن أضع (ثلاثون حربًا.. وحب) في قفص قراءة واحدة؛ لأن أجمل ما في الكتاب أنني كلما ظننت أنني أمسكت بمعناه، أفلت مني قليلًا، وترك لي معنى آخر.
وفي النهاية.. كما قالت صفاء: كل شيء نسبي… حتى المنطق نفسه.
أعرف أن حديثي قد طال، ولم يكن ليطول لولا أن الكتاب يستحق. وها هي صفاء، مرة أخرى، تنفي عن نفسها صفة العظمة والتخليد، وتضع الكتابة في موضعها الإنساني، لا في مقام التقديس.
في النص السادس عشر تقول:
(تنضج الحروف وأشكّها على مهل
كإسوارة صغيرة أحتفظ بها لأحد صغاري…)
يا لهذه الصورة!
الحروف عند صفاء تنضج، ثم تُشكّ على مهل، لتصنع شيئًا ثمينًا ستورثه لأحد صغارها. ثم تمضي في النص حتى تقول:
(سيثقلهم الجشع واللؤم
وسيهربون إلى حرفي
كما تهربون إليه الآن خفية!)
ثم تختم النص بالجملة التي أربكتني أكثر من كل ما سبق:
(حتى الآن لم أكتب شيئًا)
كيف تقول ذلك، وقد تركتني، أنا القارئ، أقف مرةً أخرى عاجزًا أمام هذا القدر من الجمال؟
أعترف أنني أخشى، مع توالي النصوص، أن تتكرر كلماتي في المديح، وأن أبدو كمن لا يرى في الكتاب إلَّا مواضع الإعجاب. لكنني في هذه المرة لا أريد أن أمدح بقدر ما أريد أن أطمئن صفاء إلى شيء واحد.
يا صفاء…
أنا لم أهرب إلى قراءة نصك، بقدر ما جذبني الكتاب نفسه وناداني.
أتيتُ. طفت حول كلماته، أنصتُّ لما تقوله، ثم لبيت النداء.
وقبل أن أنتهي من كتابة هذا القراءة، لا بد لي أن أتوقف عند بعض الومضات القصصية، إن جاز لي أن أسميها كذلك، التي تناثرت بين نصوص الكتاب، ومنها:
“الحمامة التي تاهتْ في الضجيج
ولم تعُدْ طريقها
نسيت هديلها في أذني!”
ثلاثة أسطر فقط، لكنها تحمل حكاية كاملة؛ حمامة تاهت في الضجيج، وفقدت طريقها، لكنها لم تفقد أثرها تمامًا؛ فقد تركت هديلها في أذن من أصغى إليها. لأن بعض الأشياء، حين تعجز عن العودة، تترك جزءًا منها فينا.
وبهذا أكتفي بما قدمته، لأنني أخشى أن أستنفد أنا قدرتي على القول. فما قرأته هنا ليس إلا بعض ما أتاحته لي صفاء في (ثلاثون حربًا.. وحب)، وإلَّا ففي الكتاب مجالات كثيرة، وطرائق متعددة، ومساحات أوسع يستطيع من أراد تناول نصوصه أن ينهل منها. أما أنا، فقد وصلت إلى آخر الصفحات، وما زلت أشعر أن شيئًا من هديل تلك الحمامة عالقٌ في أذني.
نصــــــــــــــــــوص
رسائلٌ باطنية
ثابت محمد القوطاري
الرسالة الأولى
إلى “سلوى النعيمي” في (برهان العسل)
-1-
في العلم العربي
حيث اللغة والبحر والصحراء
القراءة فعل (اغتصابٍ)
نلتذها خارج الزمان والمكان والوجوه
تُعيدنا…تخلقنا من جديد
هي مفتاح الوعي والجسد.
-2-
في العلم العربي
حيث الصومعة والمخفر والقبيلة
الكتابة فعل (تُقية)
نمارسها باستعارة الوجوه والأقنعة
لا نبوح بالخبايا لأنَّها سرٌ
نمارس الكذب…تستمرُ الحياة.
الرسالة الثانية
إلى (الثالثوث )
-1-
تتنازعني ثلاث قوى
السماءُ
والأرضُ
والهاويةْ
-2-
هناك حيث قالت السماء كلَّ ما لديها
هناك حيث الأرض في بداية اخضرارها.
هناك حيث الهاوية تبتلع السماء والأرض معاً
أقف.
-3-
لا أكره السماء
أكره كلَّ ما هو مؤسسي
أحبُّ السماءَ حين تقبل الأرض
أكره الهاوية لا غية الوجود.
الرسالة الثالثة
إلى “بول تيليتش” في (بواعث الإيمان)
-1-
إنَّه الحبُّ
طريق المجد إلى الله
الآخر ليس ذئباً
الآخر ليس جحيماً
يسقط رمزٌ، يصعد نجمٌ
إنَّه الحبُّ
إكسيرٌ الإيمان.
-2-
نحتاجُ الإيمان
نحتاجُ الحبُّ
نحتاجُ الروح في تحريك الدعائم
الحبُّ باعث الإيمان الأول.
الرسالة الرابعة
إلى “رانيا رسام” في (همهمة تاوس)
-1-
متتالية هي حياتنا
تتردّد كبَحةِ صوتٍ
تتداخل كأزقة المدينة
تقف على تلَّة أللَّا معنى.
-2-
معلومةٌ تلك المشاعر
محسوسةٌ تلك النظرات
مسموعةٌ تلك الرقصات.
-3-
وشوشة القلبِ هاجسٌ في ناقوس الحبِّ
جلجلة القرع على باب الوجدان
يمتدُ نحو الانعتاق
والهامسون وراء العتبات واقفون هناك
كأمواج الحبِّ المنشود.
الرسالة الخامسة
إلى الصديق الأديب والشاعر “عبد الناصر الهزمي”
-1-
هنا
حيث صراع البنات
يغلي كالمرجل
يضربني كالزلزال.
-2-
الأفق مفتوحٌ
والنفق يتنفس كالصبح
البوصلة ضائعة
وأنا لا أعبر النَّهر مرتين.
-3-
الوعي شقاء
القراءة كفٌّ تثبت الأرض
وكفٌّ تمسك السماء
ودمي ليس قطيفة مطرزة
دمي بارودٌ مشتعلٌ.
حُبّ
آمال العريقي
لقد أحبّ كاتبة، صديقنا مُختار، ذلك القاسي كجبال قريتنا، أعلن عشية البارحة أن كاتبة من مدينة البحر وقعَ ضحية حروفها، لا تصدق… لم يعلن من تلقاء نفسه؛ أمسكنا به متلبسًا بعدما رأينا اسمها في هاتفه، يدعوها باسم غريب، شفق أم غروب، لا أدري… هؤلاء الكُتَّاب يسبِّبون لي الصداع دومًا.
ومع ذلك، ثمة ما هو غريبٌ فيها؛ إنها تشعر به على نحو يجعلك تثق أن لها عينًا ثالثة في ناصية صديقك الأخرق. أُشفق عليها، ألم تجد إلَّا طبيبًا لتعلِّق أفكارها عليه؟ إنك تدرك معيار القلق الذي يصاحبنا طوال الدوام، وهي تشاركه جزءًا كبيرًا منه. أجزم أن أحدهما سيكون سببًا في ذبحة صدريّة للآخر، لا ينبغي أن يقع دائمو القلق والتفكير في الغرام، فما بالك وكلّ منهما يجرُّ قلب خليله؟
ما زلتُ متعجِّبًا من حال صاحبنا، يظلُّ واجمًا حتى ترده رسالة منها، للحظة تسترخي ملامحه فتكاد تقسم أنه يذوبُ حدّ التماهي، ثم يغيب عنَّا، ساعة يضحك، وتارة تتبدّل سحنته، وأخرى يزفر كثور هائج، وبعدها يضغط على الهاتف المتحمل لهذا العبث، فأرى من زاويتي أحشاءه وهي تصرخ مستنجدة. وأخيرًا يعود إلى هدوئه، وديعًا كطفلٍ في مهد الرُّبى، لا يلبث أن ينام مستكينًا كمن وجدَ حضنًا ضيّعه في زمن اللجوء. إنه لا يفعل شيئًا قبل إخبارها، يحكي لها كلّ خطوة سيقدم عليها، أوقن أنه لم يعامل والدته هكذا من قبل، وصل الأمر به أن يستأذنها للذهاب إلى الحمام. أخبرتك أنه مجنون بالفعل، يبرّر تصرفاته بأنَّ رأسها مفعم بالأفكار، يمكنها أن تحبُك مئة رواية في خمس دقائق تأخّر بها، هراء ما يفعله!
انتبهت إلى شيء ما، فحتى وإن كانت كاتبة، تظلُّ امرأة، والنساء في قائمة الأمراض عندي، ما زِلْنَ سببًا رئيسًا للصداع والتوتر، والموت المُبكّر.
لعلّك كنت مثله ذات حبٍّ يا تميم، كنت لتفهمه أكثر مني، ولقدّمت له نصائح كثيرة، إنني لا أفقه شيئًا في هذا الجنون الذي يعيشه صاحبك، كلما شكا لي أمرًا، أخبره أن النساء أكثر من النمل، وأنها ليست الأخيرة؛ فيغضب، وينأى عن المجلس، ويأخذ بخاطره أنني شبهتها بنملة، آه… يا رفيقي، كثيرًا ما يطيب لي أن أُعطِيَهُ كفًّا يلفُّ رقبته الجبليّة، لكنني أتراجع كي لا تكون صبية الكلمات ذريعة مشكلاتنا.
تسألني عن حالي؟ أنا ما زلت أحاول أن أكون بخير، لم أفقد الكثير منذُ غيابك، أمّا عن بدئي في الكتابة، فالشرارة واضحٌ جدًّا مَن مفتعلها؛ أثارت فيّ رسائلهما حنينًا إلى ملمس الحروف المحبّرة، ولأنني منبوذٌ كالمسخ في مدينة العشّاق، فليس لي سواك أحاوره. بلادنا؟ حتى أمهر أطباء التجميل عاجزٌ عن استعادة ملامحها السابقة، ولا يمكن إصلاح شيء؛ فما عاد هناك شيء لإصلاحه يا تميم. أجل، العمل ما يزال قائمًا في المشفى، انتقل الرفاق من العمل كأطباء إلى حوانيت؛ فلا يصلنا مرضى، بقدر ما تصلنا أرواح عند أطراف الأفواه.
لا تقلق يا رفيقي، أخبرتك أنني ما زلت بخير، فقط طلّقتني كرة القدم، ونسيت الشعور بالأرض، حلّقت؟ لا، بالطبع لا، فقط فقدتُ قدميَّ، أليس هذا واضحًا؟ أعتذر ظننته واضحًا منذ البداية، تلك الكاتبة كثيرًا ما تكتب بذلك الأسلوب الملتوي، تقول إنها “رمزية” أو “استعارة”، تريد الحقيقة، أنا لا أعرف شيئًا مما تحكيه لمُختار، ما فتئت أرى في علاقتهما معجزة ما.
إنني أشتاق إليك كثيرًا يا تميم، أبلغ سلامي للعم رؤوف، لم يتحمل غيابك الطويل عنه، فحزم حقائبه مبكّرًا دون أن يودّعنا، قلبي ما برح يحمل بعضًا من الضغينة عليه، ولكنني أعدك أنها ستذهبُ سريعًا؛ فهو كان بمثابة أبٍ لي، والابن البار لا يحمل حقدًا على والده… هكذا قال لي وقتما زارني آخر مرة في الحلم.
مرَّت سنتان -يا رفيقي- منذُ أهلت التراب على أحلامنا، منذ دفنت قدميَّ بجانبك؛ لكي أثبت لك أنني صديقٌ وفيٌّ وما كنت لأتركك لأديم الأرض وحيدًا. عامان يا تميم، والحياة مُستمرّة وأنا ما برحت قاعدًا على دكّة الأمس، ليس حبًّا في المكان، وإنَّما لأنّي فقدتُ حبيبتيَّ هناك، وتركتني دون التفات، أهكذا يعامل الأصدقاء بعضهم؟ لا بأس يا تميم، إنني أسامحك كما سامحت كلّ شيء في غيابك، لكنني أحقد على الموت؛ فهو اصطفاك وحدك، وفرّقني عنك لأول مرة.
صرت عاطفيًّا؟ إنه مختار وحبيبته البحريّة، تبًّا لكليهما.
حيــــــــــــــاد

محمود حام
لا أكترث للضياع
ولا يفجعني
سقوط القتلى المتجدد
كل ثانية.
فأنا الحياد القاتل
وأنا الوهم المتجدد
والصمت المستلقي
على العالم.
أرى…
الكثير من القسوة
وأرقب عن كثب
خوف الأطفال
وحسرة أمي
ووجعي…
ولا أحرك ساكنا.
أسمع…
أنين الجرحى
صراخ الضحايا
وألمح في عيون السكون
ندم العبث والدمار.
لكن
لم أدرك بأنني
منسي
كأمنية حرب أخيرة
ووحيد
كفكرة عالقة برأس الليل.
الصفحة المائة من روايةٍ آثمة
نـور إسماعيل الثور
لتنتهي الحروف ككلماتٍ منسية في الصفحة المائة، كُتبت في لحظةٍ تمسّكنا فيها بيد الوعي، ليقودنا إلى الدروس التي خبّأتها لنا الرحلة، بينما كان العالم من حولنا في فوضى.
لتبقى الجملة الأساسية:
“ستمُر العاصفة”
فما العاصفة إلا امتحانٌ صامت، وما يبقى بعدها ما هو إلا نحن.
ويبقى الشاهد الأصدق على رحلتنا: حبنا. حبنا لكل ما يستحق أن يُحب؛ الكلمات التي أنقذتنا، والأماكن التي احتضنتنا، والأشياء الصغيرة التي منحت أيامنا معنى. فالحب الذي نمنحه بصدق لا يضيع، وما ضاع منا لم يكن حبًا يومًا، بل وهمًا ارتدى ملامحه.
فالقلوب الصادقة تعرف القلوب التي تتظاهر بالصدق، والأرواح النقية تميّز الزيف حين يختبئ خلف الجمال، والعقول الواعية ترى ما لا يظهر على السطح. ومع ذلك، نحن أحيانًا لا نعرف أنفسنا حق المعرفة، فكيف نزعم أننا نعرف الآخرين؟ نحن لا نرى إلا صورهم، أما ما يسكن خلف تلك الصور فهو عالمٌ عصيٌّ على الاكتشاف، حتى على من يسكنه.
“ستمُر العاصفة”
ربما لا أفقه الكثير، وربما أنا مجرد هامشٍ بشري صغير؛ لديّ مخاوفي وأحلامي وأفراحي الصغيرة وانتصاراتي التي لا يراها أحد. كلها تبدو عادية أمام اتساع هذا العالم.
لكنني أكتب. أكتب لأنني أحيانًا أحتاج أن أعارض نفسي، وأن أهدم أفكاري القديمة وأبني فوق أنقاضها أفكارًا جديدة. فالكتابة لا تتركني وحيدًا ألوّح لخيباتي من بعيد، ولا شريدًا أُحصي جروحي قبل أن يغلبني النوم.
سأظل أكتب. سأغوص في تفاصيل قد لا تعني أحدًا سواي، في مشاعر مرّت بي وحدي، في خيباتٍ لم يسمع بها أحد، في تلميحاتٍ لم تجد لها في الحقيقة مكانًا، وفي قصصٍ بقيت صامتة لأنها لم تجد من يحكيها.
وسيأتي يوم يقرأ شخصٌ بعيد جدًا شيئًا كتبته وأنا أبكي، فيجد بين كلماتي شعورًا لم يعرفه من قبل. وهنا فقط سأضيء. فلن تكون الكتابة مجرد حبرٍ على ورق، بل أثرًا صغيرًا مني وصل إلى قلبٍ لم ألتقِ به يومًا.
هكذا فقط… سأضيء، كجملةٍ منسية تصل إلى قارئٍ لم ألتقِ به يومًا.
“ستمُر العاصفة”
في النهاية، لم يبقَ معي إلا ما استطعت كتابته. أما كل ما عجزت الكلمات عن حمله، فقد أخذه الزمن، كأنه لم يكن. وربما لهذا أكتب؛ لا لأقاوم النسيان، بل لأترك للحياة شاهدًا صغيرًا يقول إنني مررت من هنا، وأنني شعرت، وأنني حاولت أن أفهم.
لا بأس.
فعلى هذه الأرض ما يستحق البكاء: صمت النحيب، وتلاشي الأصدقاء، ووجع البلاد، والأشياء التي تنكسر فينا ولا يراها أحد. نعم، على هذه الأرض ما يستحق البكاء. لكن الأكثر إرهاقًا أن لا تستطيع مسامحة نفسك؛ فكيف تسامح الآخرين؟ مرهقٌ أن ترى التناقض أمامك، وأن تلمس زيف المشاعر، وأن تشاهد الوعود وهي تُخلف، وأن تمتد إليك يدٌ لكنها لا تحمل شيئًا.
“ستمُر العاصفة”
وأعتذر لنا حين نُخطئ في تقدير من حولنا، وأعتذر لنا حين لا نسامح أنفسنا، وأعتذر لنا حين نُرهق أرواحنا أكثر مما تحتمل. لتنتهي الكلمات منسيةً بين الكاتب وقارئه.
ويبقى آخر ما يُكتب: “ستمُر العاصفة”
الخسارة
نسيم شمسان
يفتح العم محمود مكتبته كل صباح بشغف، لاستقبال القرّاء الذين لا يتخلّون عن الكتب. بعد جولة قصيرة بين الرفوف، يرتّب ما بعثره القرّاء في اليوم السابق، ثم يجلس إلى مكتبه، يحتسي قهوته ويتناول كتابًا جديدًا لتحلية مرارتها. كان أول زائر للمكتبة في ذلك الصباح ساعي البريد.
- مرحبًا سيدي، لديك طرد.
نظر إليه العم محمود بإحباط.
- طرد من سميحة، أليس كذلك؟
- للأسف، نعم سيدي.
أخذ الطرد، وقلّبه بين يديه لحظة، ثم فتح الرسالة الصغيرة المرفقة به:
(شكرًا لك أبي… المعذرة، لم يسعفني الوقت للقراءة)
لم يكلّف نفسه عناء فتح الطرد. وضعه في الرف المخصص للطرود المرتجعة من ابنته، خلف السلالم، حيث تراكمت حزم الكتب.
كتب في الفلسفة والدين والتاريخ والحياة والطفولة والأدب… كان يختار لها ما يناسب حياتها ومهنتها، ويضع في كل كتاب شيئًا منه؛ فكرة، أو سؤالًا، أو هامشًا صغيرًا يظن أنها ستتوقف عنده.
وهكذا استمر الحال شهرًا بعد شهر.
وفي كل مرة كانت ترفق اعتذارًا صغيرًا:
(اعذرني أبي، سأقرأ الكتب في إجازة الصيف)
(يؤسفني إخبارك هذه المرة بأن وقتي لم يجُد عليّ بساعة أقرأ فيها)
(إني محرجة منك يا أبي، ولكن أتمنى أن تتفهّم شكل حياتي)
وهكذا توالت الاعتذارات، وتوالت الكتب.
كان العم محمود يؤمن أن القراءة ليست هواية، بل وسيلة كيلا يشيخ العقل قبل الجسد.
وكان يردد دائمًا:
- الإنسان الذي يتوقف عن التعلم، يبدأ في فقدان شيء منه دون أن يشعر.
في صباح ربيعي لطيف، لم تُفتح المكتبة. لأول مرة منذ سنوات، بقي بابها مغلقًا. وبعد أيام العزاء، دخلت سميحة المكتبة. لم تدخلها هذه المرة لتشتري كتابًا، ولا لتبحث عن أبيها بين الرفوف.
دخلت لتعزّي الكتب التي فقدت صاحبها. مشت ببطء بين الرفوف، تلمس عناوينها بأطراف أصابعها، حتى توقفت أمام الرف الذي لم تكن تعرف بوجوده. طرودها. مدّت يدها إلى آخر حزمة، واحتضنتها طويلًا. ثم جلست على الأرض. ولأول مرة، فتحت الشريط. أخرجت الكتاب الأول، وقلبت صفحاته بيد مرتجفة. في الصفحة الأولى، وجدت قصاصة صغيرة بخط أبيها:
(أريدك أن تقرئي لتصبحي معلمة أفضل، فأنت كنتِ كذلك دائمًا.
وأريدك أن تواصلي القراءة لأن المرأة التي تتوقف عن التعلم تبدأ بخسارة أجزاء من نفسها دون أن تشعر)
توقفت طويلًا. أعادت قراءة السطر الأخير. ثم نظرت إلى الحزمة المكدسة أمامها. في تلك اللحظة، لم تشعر بمرارة فقد أبيها وحدها. شعرت بمرارة أخرى. كانت معلمةً تعلّم الأطفال كيف يفتحون كتبهم، لكنها لم تتعلم كيف تختلس من وقتها ساعة واحدة لتفتح كتابًا أرسله إليها أبوها. فهمت أخيرًا لماذا كان يرسلها. لم يكن يريد منها أن تقرأ الكتب فقط. كان يريد أن يظل بينهما شيء مشترك.
كان يرسل لها الكتب، وربما كان ينتظر يومًا أن تجلس إلى جواره، فيسألها عمّا قرأت، وتختلف معه، وتناقشه، ثم يضحكان على فكرة أو حكاية. لكن ذلك اليوم لم يأتِ. وضعت الكتاب في حجرها، وأجهشت بالبكاء. وخلفها، بقيت بقية الطرود في مكانها؛ كتبٌ وصلت في موعدها، وقراءةٌ تأخرت كثيرًا.
مدّت يدها إلى الكتاب الثاني. هذه المرة لم يكن ثمة اعتذار.
أُمنياتٌ كثيرة لرجلٍ واحد
صدام فاضل
لا أعرف ليلة ميلادي،
ولا ظروف القدوم إلى هذه الحياة.
كان أبي خارج الوطن،
وأنا غائبٌ عن الإدراك.
كان عليَّ القدوم فقط،
وعلى أمي أن تضعني وحسب.
في الأيام الأولى
تردّد إلى مسامعي “آخر العنقود”
فتأكدتُ أن الحياة قطفتني بعنايةٍ شديدة.
وفي السنة التالية، جاءت أختي إلى الحياة،
فشعرتُ بغصّةٍ حينها،
لأن اللقب لم يعد بحوزتي.
وفي السنة الخامسة، سألتُ عن طريقة مجيئي،
إلا أن الإجابات المسرّبة كانت تدلُّ على سؤالي المغشوش.
أتذكّر عندما فتحتُ مُصحف والدي لأول مرة..
كنتُ في الثامنة،
ولم أجد اسمي في منظومة ميلاد العائلة.
أبي يعصرُ ذاكرته بخجلِ الشاطر الذي يضاعف غلطته،
وأمي تستعين بحوادث جاراتها، ثم بسفر أبي، وأحياناً بعودته.
أخي الكبير يقول إنني مولودٌ في فترة إعلان الوحدة اليمنية.
جارنا ادّعى أن ولادتي صاحبت أزمة الكويت.
وبقية إخوتي اخترعوا مناسباتٍ كثيرة على مقاس ذواكرهم.
كتبتُ كل تلك التواريخ المتباينة في ورقةٍ بيضاء،
فتسلّل إلى ذهني أنني جئتُ مراتٍ كثيرة إلى الحياة،
وأن أشخاصاً يتفرّعون مني في أماكن مختلفة من العالم،
وربما يقهقهون من سذاجتي أحياناً.
أنا الآن متورّطٌ تماماً.
أجلس في غرفتي وحيداً،
وأحسب المسافات بيني وبين سؤالي القديم.
لا أعرف أيضاً سرَّ ذلك التآمر،
ولا المغزى من استعجالي في المجيء،
أو حماسي الذي دفعني للمثول وحدي.
كان عليَّ انتظار والدي،
حتى يكتب زمن وصولي في تلك البقعة الفارغة من خَتمة العائلة.
منذ زمنٍ بعيد،
وأنا أدفع فاتورة صَدّاماتي المتبقية في الخارج.
وقد كان بإمكاني التخفي مثلهم:
في روايةٍ مشهورة،
أو حكايةٍ شعبيةٍ متوارثة،
أو في فيلمٍ كلاسيكي يعجُّ بالحسناوات.
لذلك أتساءل بين وقتٍ وآخر:
أين كنتُ حينما توزّعت تلك الأدوار بيني وبين “نحن” الآخرين؟
صحيحٌ أنني النسخة الأصلية التي أسّست سيرتي المنتشرة،
وأشاهدُ بكثيرٍ من التوجّس كعكةَ الميلاد الوحيدة على الطاولة.
تبدو مشحونةً بأطنانٍ رهيبةٍ من السكّر.
ستكفي لعددٍ كبيرٍ مني.
لهذا لا أزال أنتظر وصولهم،
أقصد حضور المتبقّين مني.
أؤكّد مجدداً أن باب غرفتي مفتوحٌ الآن،
بانتظار الذين لم يعودوا،
والمتحجّجين بمسافة الطريق..
بانتظار نسخةٍ أخرى -على الأقل- لا تشعرُ بالتعب،
كي تطفئ شموع الميلاد،
وتقول أمنياتٍ كثيرةً تكفينا جميعاً..
ثم تغلق الباب وراءها.
25/09/2026
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي



