الرؤية والرؤيا في ديوان “وطن الماء” للشاعر إسماعيل زويريق

فطنة بن ضالي*
الشاعر الكبير إسماعيل زويريق من الشعراء ذوي الكفاءة العالية في التجربة الشعرية المغربية والعربية المعاصرة، تجربة تمتاز بالحضور القوي والمُميّز للذات الشاعرة، والتحكم في اللغة وقواعد الإبداع، ويصعب الإلمام بتجربته وبمقوماتها ورؤاه الإبداعية وتحولاتها، في ظرف وجيز، وذلك لما تقتضيه من البحث والدراسة، نظرا لباعه الطويل في الابداع الشعري ولرصيده الجم في الكتابة. وإذا كان الشعر رؤية ورؤيا فإن أدونيس – كما يقول الناقد صالح جودة الطعمة – يرفض “أن يكون العالم الواقعي الذي نعيش فيه غاية الشعراء، وإطارا لهم؛ لأن العالم ليس إلا وسيلة لخلق عالم أنظر وأغنى وبوابة تصلنا بالعالم الكبير الآخر؛ العالم الذي يفتحه الشعر ويقود إليه ” بهذا المعنى فالشعر رؤيا؛ (كشف عن عالم يظل أبدا في حاجة إلى الكشف).(وخلق وتجدد).[1]وسندخل عالم شاعرنا من ديوانه ” وطن الماء”[2] وهو من الدواوين المتأخرة، يتضمن ستا وعشرين قصيدة، ونعنى هنا بنص الاستهلال ونص وطن الماء على اعتبار أن النصين يمثلان بؤرة تعبير الديوان. فالأول ينم عن قلق وجودي يستهل به الشاعر المجموعة ويطرح أسئلة وجودية عميقة، وهو في الآن نفسه استهلال للنص الثاني، “وطن الماء”، وهذا الأخير بنية شعرية مكثفة ذات نفَس طويل، رحلة بحث مستمرة في الذات الفردية والجماعية.
أولا: الاستهلال
يخرج الشاعر من ذاته وعالمه المحسوس إلى عالم تجريدي صوفي روحي يتخلص فيه من “الأنا ” باحثا عن الوجود الحقيقي، حيث الحقيقة تثوي خلف المستور ولا بد في إدراكها من تعدي الحدود وتجاوز الذاتي المحدود بالزمن سواء منه الماضي أو الحاضر أو المستقبل. ويتأمل في الذات والموضوع والوجود. إذ الوجود محكوم بالعدم فلا يمكن للشيء أن يوجد إلا إذا كان في العدم. وهو بهذا المعنى ممكن الوجود، يقول: ” لا كائن يكون إلا إذا كان فيما لا يكون ” نحن هنا أمام نظرية فلسفية عميقة في تفسير الوجود والحقيقة، فقد قسم الفلاسفة المسلمون الوجود إلى واجب الوجود بذاته وصفاته، وممكن الوجود وهو المخلوقات المحتاجة إلى علة الوجود. ويظل فعل الكون والوجود يستأثر باهتمام الشاعر سواء بالنسبة للإنسان أو الأشياء والموضوعات. هذا الاستبطان وإعمال الفكر في البحث عن الحقيقة والكنه يرقى بالذات الشاعرة في عالمها الإبداعي المستقل الذي تتخطى فيه الذات المفكرة الظواهر والذوات والتحديدات إلى عالم يتسم بالوحدة والانسجام للكشف عن هذا الوجود وإزالة الستائر والحواجز. مخاطبا نفسه وموضوعه ” أنت الذي ما كان ولا كان ولا سيكون” ” ما دمت لم تكن فيما لا يكون “، وتظل إمكانية الوجود الحقيقي دائما قائمة بالنسبة للموضوعات والاشياء لدى الشاعر.
دلاليا، يدعو الشاعر إلى التخلص من الأنا المحدودة، وخطية الزمن، لينكشف له مستوى آخر من الوجود، فيعبر عن ذلك بجمل إنشائية تدل على الأمر مثل: “جاوز حارة الأبدال” حيث تدل الأبدال على مراتب صوفية؛ وهي مراتب الأولياء والصلاح أو العباد القائمين على إظهار الحق، مقام من المقامات، مراتبة روحية أسمى، هي الحضور الروحي. “يمثل مصطلح الأبدال أحد أهم مفاتيح فهم التصوف، فيجمع بين البُعد الروحي والوظيفة الأخلاقية في تراث الأولياء، وتكشف المصادر الكبرى عن حضور راسخ لهذا المفهوم في طبقات أهل السلوك، مع تباين في عدد الأبدال وصفاتهم وأدوارهم، وتؤكد النقول الموثقة أن الأبدال مظهرٌ من مظاهر العناية الإلهية في الوعي الصوفي، دون أن يخرج ذلك عن إطار الإيمان بقدرة الله وسُننه.”[3]، ثم قال: “قف حيث هو وراء الظل”. والظل مرتبط بالنور وأشعة الشمس فهو لا يدل على الوجود الحقيقي وإنما وجود تابع للأجسام والأشياء في علاقتها بالنور، متمما “يرتدي غلالة من حروف الريح لا تراها فراشات الماء ” فضمير الغيبة في يرتدي قد يعود على ضمير المخاطب السابق “أنت” ذلك أن الشاعر نَوّع في الضمائر بأن جرد من ذاته المبدعة مخاطبا، أو يعود على موضوعه الذي هو عنوان الديوان “وطن الماء “، حيث ترمز الفراشات المضافة إلى الماء ودلالته إلى التجدد والولادة والأمل والبحث عن النور. وإذا كانت الغلالة هي الثوب الرقيق فإن الحروف هي شكل المعنى، وإذا ارتبطت الريح في السياق الديني بالعذاب والمعاناة، فإن الشاعر بهذه الصور المركبة يثير معاناته مع المعنى المنفلت ومحاولة القبض عليه داخل اللغة في التعبير عن موضوعه المركب من الذاتي والموضوعي، وهو الوطن الواحد المتعدد، وهذا ما يؤكده قوله: “فما الحروف إلا أيائل” لما يُعرف على الأيائل من سرعة الحركة والانفلات ولذلك يظل المعنى مستعصيا على القبض عليه في صورة واحدة. لأن الحقيقة تحجبها الغلالة. وتحتاج في كشفها إلى صبر وأناة. مما يدل على أن “أنا ” الشاعر منشطرة بين ذاته في الضمير أنا وبين المخاطب في الضمير “أنت”:
خذ منسأتك
يا أنت توغل في كنهك المجذوب يراعا كي تتساقط ألحانا لا تذوبها الأسداد
تمدد في كيفك وابعث حروفك الدفينة[4].
(…) ولا فرق بين هذا الزمان وذاك الزمان الآفل.[5]
أما على مستوى التركيب، يستعمل الشاعر للدلالة على هذه المعاني فعل الكون وتصريف الجدر (ك-و-ن) وتكرار اشتقاقاته في صيغ وأزمنة مختلفة وسيلة أساسية للتساؤل عن الكينونة، ويستغل الجمل القصيرة المتوالية التي تكثر فيها علاقات الشرط الدالة على الغاية والاستمرار، تلعب فيها الأساليب الإنشائية الدور المهم مثل الأمر (كن، جاوز، قف) والنفي (لا كائن، لا يكون، ما كان، لم تكن …) مما يجعل النص يبنى على ثنائية: الإثبات / النفي، في الأفعال (يكون /لا يكون، كان /ما كان) كما يستخدم أسلوب القصر (لا كائن يكون إلا إذا)، (ما الحروف إلا أيائل) الذي يحقق التقريرية واليقينية في الحكم في الجملة، والبناء المنطقي للجمل رغم غموض بعض الإحالات مثل مرجعية الضمير “هو”. مما يحمّل الأسلوب إحالات دلالية رمزية كثيرة. تُعمق المعنى في شتى صوره.
ويستدعي على مستوى المعجم معاجم كثيرة متداخلة الحقول الدلالية؛ حقل الوجود والعدم (يكون / لا يكون)، حقل الزمن (كان، الماضي / سيكون، الحاضر، هذا الزمان / ذاك الزمان)، حقلا طبيعيا (الظل، الظلال، الريح، الماء، الفراشات الايائل) ينقلها النص من طبيعتها المألوفة، إلى تراكيب غير مألوفة، حيث تتحول الألفاظ إلى رموز؛ مع الإحالة إلى مرجعية صوفية واضحة. ويدل الحرف على حقل اللغة والكتابة، وبالمقارنة بما سبق فإن معجم الوجود مهيمن على النص. وهكذا فقد جمع الشاعر في أسلوبه بين المجرد الصوفي والطبيعي الحسي، والمنطقي والايحائي الرمزي.
وعلى مستوى الصورالبلاغية والايقاعية، فقد اعتمد الشاعر الانزياح والتركيب والتكثيف مما طبع النص بأبعاد صوفية، بلاغيا بُنيت الصورة الشعرية على جمع المتضاد ين باستعمال الطباق المعنوي (يكون / لا يكون، الوجود/ اللاوجود)، وباستعمال صور أخرى مبنية على المجاز اللغوي والعقلي، وتحويل المجرد إلى محسوس في قوله “تجاوز حارة الابدال”، باستعمال رمزية المكان المنسوب إلى الأبدال في تجسيد المقام الصوفي العالي. ويرمز الظل والظلال إلى ما يستر الحقيقة ويحجبها، “وراء الظل الذي كان وراء الظلال”، وبالتشبيه البليغ في قوله ” فما الحروف إلا أيائل”، والاستعارة والتشخيص في” يرتدي من حروف الريح غلالة”، في “ذاك الزمان الآفل” فالصور البلاغية مركبة تعتمد التشخيص والتجريد من أجل إدراك المجرد المنفلت في العالم الإبداعي. وإذا ما ربطت الأبدال بالواقع فهي رمز لمن يؤدون دور الوساطة. ويبدو أن العبارة “فراشات الماء” تتناص وقول محمود درويش: (أثر الفراشة لا أيرى/ أثر الفراشة لا يزول/ هو جاذبية غامض/ يستدرج المعنى / ويرحل)، فإذا كانت فراشات الماء مخلوقات رقيقة دقيقة، فلابد لها من أثر في كشف المستور، وترمز الفراشة إلى الاحتراق، وقِصر العمر.
وإيقاعيا، فإن الجمل القصيرة تؤدي إيقاعا داخليا مهما، يقويه استعمال التكرار والتقابل والتوازي. ومن أبرز ذلك تكرار مشتقات الجدر (ك، و، ن) وكذلك تواتر النفي في النص كوحدة ايقاعية تتناسب واللاوجود في مقابل اثبات الوجود والكون، مع حضور التوازي التركيبي في” ما كان ولا كان ولا سيكون “، وكذلك “هذا الزمان، وذاك الزمان “هكذا تتداخل الصورتان الشعرية البلاغية والايقاعية و تنتظمهما بنية تقابلية هي الكون و العدم التي يعبر عنها النص. ويتطابق سطر الافتتاح في النص مع سطر الخاتمة إذ يعبران عن نفس الحكمة. تنفيان التحول والتغيير في الوجود عبر الأزمنة، فيما هو قائم، وفي لجوء الذات الشاعرة إلى عالمها الإبداعي، في كل الظروف.
ثانيا: وطن الماء
القصيدة “وطن الماء” من عيون القصائد ولذلك سمي الديوان باسمها، حيث البداية بسؤال وجودي ثم عبور وتجاوز التعبير عن الذات الفردية إلى التعبير عن الذات الجماعية التي هي “وطن الماء”. وتتألف القصيدة من قسمين يفصل بينهما بيت شعري عمودي ونجمتين وهو عبارة عن تناص استدعاه الشاعر لاستيفاء المعنى، ويتكون كل قسم من مقاطع قد تقصر أو تطول، فيستهل المقطع الأول بسؤال انكاري” كيف لي أن أكون جناحا / أطوق خصر المدى” يخرج فيه الاستفهام إلى التمني والرجاء، ليت له القدرة في تجاوز المدى الممتد و الحدود المكانية لمنع هذا الانفلات والتمزق في الوصول إلى المآرب وجمع الأشتات، أكون :”أنا” الذات المبدعة أو أنا “العربي” ” أطوق خصر المدى “مداك الشاسع يا وطن الماء لأجنبك الريح وفعلها العاتي من تفرقة ومعاناة، ثم يسائل، الآخر فيه ، الوطن بسؤال تقرير الحال” هل يربكك البدر مثلي” أيا وطن الماء، هل اغتررت ببصيص النور مثلي ؟ وتوهمت التحول والنجاة من المحن والازمات؟ بقوله: ” ما أنت أول سار غره البدر”.
تتمته البيت *** ورائد أعجبته خضرة الدمن
فاختر لنفسك غيري إنني رجل *** مثل المعيدي فاسمع بي ولا تراني[6]
توظيفا لمعنى البيتين فيمن غره بصيص الضوء في ظلام الليل وسرعان ما يتلاشى، وكذلك المثل في” تسمع بالمعيدي خير من أن تراه” يساق لتبيين أن العبرة ليست بالمظاهر. دلالة على واقع الوطن العربي “وطن الماء” وبلدانه المنضوية تحت جامعة الدول العربية، واقع أزمات، وشتات وتفرقة. ونزاعات وضغوط وتباين وضعف أداء وما لكل هذا من أثر على الشعوب وعلى الشاعر، وهنا تتوحد أنا الشاعر ومشاعره والوطن، ليبين أن هذا كله مسؤولية الكل. يقول:
ولا تنس أن الوطن
ليس إلا أنت
وأنت أنا. [7]
ويبدأ القسم الثاني من القصيدة بقرار الشاعر إطلاق العنان لقصائده وعزمه على الإبحار في عالم الابداع ذلك العالم الذي يعد “كنهه المجذوب”، عالم الرموز والألحان، وجداني غنائي، يبث فيه الشاعر رآه تجاه الموضوع، “لأن الكتابة والشعر سفر في متاهات التعدد، تعدد الأمكنة وتعدد الأزمنة، وتخليد للتمفصلات الكبرى في الحياة للذوات في أحاسيسها، وفي علاقاتها، ومعاناتها في الحل والترحال. تفكير في الوجود، وإعادة ترتيب للواقع بالصور والأخيلة، ونبذ للهجنة وثورة على العدم و اللاجدوى”[8]. متحديا في كل ذلك الحواجز والصعاب معلنا الخروج من الصمت إلا صمت الكتابة والشعر.
فتحت النوافذ في وجه الريح
وتركت القصائد تنمو طحالب فوق جراح الطين
انا ذاك الذي أرهقت شجوني.[9]
فإذا كان الوطن يحيل إلى الأرض والهوية والجذور والانتماء والاستقرار، فإن الماء يحيل إلى الصفاء والنقاء والطهارة، والتجدد والحياة المستمرة، وهو رمز للحدود التي تحد هذا الوطن الممتد من المحيط الأطلسي إلى الخليج العربي وخليج عمان شرقا، والبحر الأبيض المتوسط شمالا والمحيط الهندي جنوبا. فالوطن عنده هو الوطن العربي الكبير.
أنت يا وطني وطن الماء
لماذا أنت قاحل
لماذا يا وطني
أنت قاحل …قاحل …قاحل[10].
هذا السؤال الانكاري المعبر عن عدم رضا الشاعر عن واقع الحال، وتطلعه إلى مستقبل مغاير إلى وطن يسوده السلام وتتلاشى حدوده الجغرافية في التقدم والازدهار والعيش الكريم، كما تدل على ذلك رمزية الماء المضاف إلى الوطن في الاسم، وما تحمله من دلالة الاستمرار والتحول والتطور، ولذلك فدلالة الوطن المقصود إليه الوطن الشاسع؛ أي المكان الخارجي، حتى يصبح حقيقة كما هو حقيقة داخلية تعيش مع الشاعر ويتتبع تفاصيلها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. لكن واقعه عبارة عن تفرقة ومعاناة، وضبابية مستقبل لا يستطيع أن يتحد إلا فيما يخلفه من حزن.
فيك يتحد الحزن يا وطني بالحزن
أسائل عنك من جمعتهم رياح الهزيمة قبل الرحيل
لا أرى في أرضك إلا غيوم الشتات.[11]
يشير الشاعر إلى التحولات العميقة والأحداث الجسيمة التي عملت في تغيير كثير من بلدان الوطن العربي وأنظمتها مع الانتفاضات الشعبية، والاختناق الأمني والفوضى والانقسامات والحروب، وما نجم عن ذلك من تحولات اقتصادية وسياسية واجتماعية أرهقت كاهل شعوب بعض بلدانه، وهي تصبو للانعتاق والخروج من المعاناة. وتخطي المراحل بطرق سليمة.
أنا من باعك يا وطني في المزاد
ورحت انقب عنك وعن آثارك فيما ترك الأجداد
وفي سِفرك الحافل
عن صنعة الأجداد[12].
وتعي الذات الشاعرة أن رحلة البحث عن الوطن في العالم الخارجي بمفهومه الشاسع وتغيره وتحوله و سلك سبل آفاق تطوره وتقدمه هي بحث في ممكن الوجود، في حين أن البعض غره شعاع النور، الذي قد يقصد به الربيع العربي في قوله: ( إن الفوضى قد تكون طريقا لبث النظام )، وبدا أملا بعيدا، لم يحقق مآربه المختلفة التي قال عنها الشاعر “الأشتات”، حيث أخفقت المحاولات وضلت السبل، سبل رتق الصدع وبقي العربي كأنه في عراء بلا تمثيلية وحماية جاهزة مؤهلة، (ماذا أقول/ حسبي/حسبي/ الكنانة فارغة)، يعيش على ما خلفه الأجداد، ولا يستطيع صنع مستقبله وتخطي هموم واقعه حتى استكان لليأس .
ماذا أفعل يا وطني والعمر سراب
ماذا أفعل يا وطني والحقل يباب
وأنا لا أسمع في كل يوم إلا خطابا وراء خطاب
يزرع حقول القمح على أدراج السحاب[13].
هكذا يصبح الواقع خطابا كلاما “هراء” لا طائل وراءه، والحقول فيه يباب، والوطن قاحل، لا ينتج زرعه ما يستوجب التحديث والتجديد، والتكامل والتعاون، وتحديث الاستراتيجيات ومواكبة المستجدات والمتطلبات في ظل الانفجار المعرفي والتكنولوجي والتطورات السياسية الاقتصادية العالمية وتعزيز دور المؤسسات والهيئات بما يحقق الاستقلالية لبلدانه والعمل المشترك والتكامل في الإنتاج والاستثمار، والحرية في اختيار القرارات.
ارتجت على وتري أنباذ الكلام
لا وقت لي
فلماذا أتعب نفسي جريا وراء الأوهام
علمتني الحياة
أن الرأس الذي لا يخضعه حد الحسام
قد يخضع يوما لحد القصيد ه[14].
الحق يا وطني أنك الحق
وأنا لست إلا الذي
صار يحسن فن العناق[15].
لكن الشاعر لم يفقد إيمانه بهذا الوطن كما هو شان أكثر شعوبه، وإن غررهم بصيص الضوء والأمل، ومع ذلك لازال وطن الماء يسكن الأعماق وإن لم تصف الخطابات و الكلام حقيقته، ولم تُتخذ السبل المؤدية إليه، فهو ذاك الساكن أعماق نفس الشاعر والشعراء مثله في بلدانه يعربون عن ذلك في قصائدهم بالكتابة التي سماها “كتابة الصمت”. فقد شبهه بالفينيق الذي لا يموت يتجدد وينبعث من رماده، ويظل الشعراء والشعر يحملون المشعل من أجل تخليده، وطنا حقيقيا.
من رمادك يا وطني ينهض الشعراء
يكتبون على جبهات الشجى.[16].
تركيبيا، بقي وطن الماء حقيقة داخلية نفسية، يتولى الشعراء والشاعر رعاية وجودها وسقيها بأفكارهم والتعبير عنها بصورهم الفنية وتفتيقهم للغة ومعاناتها للبحث المستمر، عن هذا الوطن الممكن الوجود، وانشغال الشاعر بهَم الكينونة والوجود والكُنه وطرح الأسئلة، مستدعيا البيت الشعري:
فما يدري الشعراء مني *** وقد جاوزت الأربعين[17]
والبيت للشاعر سحيم بن وثيل، و “يدّري” من ادراه، يدريه إذا ختله وخدعه. يقول البيت كيف يطمع الشعراء في خديعتي، وقد جاوزت الأربعين سنة وعرفت المكر والخديعة “، كما يذكر محمد حسن شراب.[18] يشير الشاعر بذلك إلى نضج تجاربه الحياتية والإبداعية والثقافية بما فيها السياسي. ويُعد البيت صلة وصل بين أجزاء القصيدة حقق لها وحدة الموضوع. والقصيدة تتكئ على الأسلوب الإنشائي إلى جانب الخبري، فنجد الاستفهام والأمر والنداء، إذ افتتحت القصيدة باستفهام انكاري،”كيف لي أن أكون جناحا”، وذلك للدلالة على معنى الحيرة الوجودية والتطلع إلى الطريق السليم والسبل الناجعة، وللأمر في النص مساحة مهمة، يلجأ إليه الشاعر للتأكيد على الواجب تجاه الوطن المذكور: (خذ منسأتك، تمدد في كيفك، ابعث حروفك، اقرأ كتابك، اقرأ ما يكتبه الصمت). ويدل تراكم أفعال الأمر على أن الذات الشاعرة انتقلت من حيرة ومعاناة في الموضوع إلى سبيل التعبير الصامت بالكتابة. مستعملة الضمائر المتنوعة ما بين ضمير المتكلم “كيف لي ” والمخاطب ” يربكك” ” كتابك ” “توغل ” “يا أنت “، حيث تبدو الذات المبدعة هنا مخاطبة نفسها مجرِّدة منها انسانا آخر تخاطبه تارة، وتارة أخرى تخاطب الوطن، ففي الحالة الأولى تعبر عن انشطارها وفي الثانية تعبر عن اتحادها والوطن.
ومعجميا، ينتقي الشاعر ألفاظه الدالة والمتساوقة في التعبير عن المعاني التي يقصد إليها من حقول شتى منها؛ حقل الطبيعة (الماء، الجناح، المدى، اليباب، الريح، الفجاج، السراب، البدر، الشجر، النارنج، النجم، اليقطين، العراء)، ويستعمل اللغة ووحداتها استعمالا غير مألوف يحقق الانزياح ويجعلها لغة إيحائية، حيث ينقل مفرداتها إلى رموز ذات أبعاد تعبيرية مشحونة بما هو نفسي؛ فالماء رمز للحياة والتجدد؛ واليباب رمز للجفاف والفراغ، والبدر رمز للإغراء والنور المضلل. ومنها أيضا حقل الكتابة الذي يحضر بقوة:( يراعا، ألحانا، حروفك، اقرأ كتابك، تكتبونه، قصائد). وكما يتأمل الشاعر الذات الفردية في علاقتها بالذات الجماعية عبر الوطن الكبير، يتأمل أيضا ماهية الكتابة وكنهها، يجب أن تكون من الأعماق وما تراكم بها من مشاعر حقيقية (وابعث حروفك تلك الدفينة) و(كل ما تكتبونه هراء في هراء) و(اقر ما يكتبه الصمت جهرا) فما الكتابة إلا مواقف تراكمت وان كانت دفينة، فيجب قراءتها في سياقاتها وعلاقات تراكمها والغوص في أبعادها بحثا عن المسكوت عنه الذي سماه الشاعر “الصمت”. ويستحضر جملة من المتقابلات مثل: الماء/ اليباب، الجهر / الصمت، الكتابة / القراءة؛ للدلالة على إمكان التحول من العدم إلى الوجود الحقيقي.
ويعبر عن هذه المعاني بصور بلاغية فنية مركبة ؛ فقد استعار الجناح لنفسه للدلالة على القدرة على الطيران والحركة والعبور، واستعار الخصر للمدى بأن شخصه انسانا له خصر يمكن احتواؤه، للدلالة على رغبة التحكم في المنفلت، كما شخص السراب واستعاره للوهم وجعله ثوبا واسعا يمكن تمزيقه، كناية عن إزالة الأوهام والحواجز، كما استعارة الصمت للكتابة مشبها إياه بالإنسان، بجامع الإفصاح والتعبيرعما يخالج الصدر، واستعار الرماد للوطن مستغلا أسطورة الفينيق الذي يبعث من رماده، مكنيا عن مصر بالكنانة، مشيرا إلى مقر جامعة الدول العربية. مقابلا بين الصمت والجهر، صور إيحائية مركبة دالة، تشبه فيها المجردات بالمحسوسات من أجل إيصال المعنى العميق.
لغة الشاعر لغة رصينة إيحائية مشحونة دلالات ورمزية مكثفة، تتناص وتتشابك مع نصوص أخرى يستلهمها الشاعر ويوظفها لتعميق المعاني وإيصالها، منها الأمثلة الشعرية كما يمتح ويحيل على نصوص ومعان من القرآن الكريم، ولا غرابة في ذلك فثقافة الشاعر ثقافة واسعة متمكنة من اللغة العربية في أصولها ومضانها. فقد وظف المثل في قوله:
(ما انت إلا سار غره البدر)، وهو مثل يضرب لمن غُرّر به، ف “لا يقين مع الظلمات” رغم شعاع القمر، وكذلك قوله :(افهمني كما فهم الكسعي يا وطني) والكسعي يضرب به المثل في الندم يقال ” أندم من الكسعي”. يوظفهما الشاعر للدلالة على تفويت استغلال الفرص والطرق والمواقف التي كان بإمكانها أن تجنب الوطن كل ما أشار إليه من “مزق” يقول:
من يحررنا من أردان الوقت
قبل وصول الطوفان
يا أ رض ابلعي
كلنا بالصمت نشارك.
يا يونس لا شجر اللوز ولا شجر اليقطين بهذا العراء.[19]
يحيل الشاعر إلى الطوفان في قصة سيدنا نوح وإلى اليقطين في قصة سيدنا يونس عليهما السلام، كوحدتين تحققان للنص اتساقيته وتساهمان في إيجاز المعاني وفي تكثيفها، يرتبط الطوفان بالسفينة كوسيلة للنجاة، وقوله “يا أرض اقلعي” جزء من الآية الكريمة رقم 44 من سورة هود، تدل على قصة سيدنا نوح مع الطوفان وإرساء السفينة نجاة له ومن معه. وترتبط شجرة اليقطين كما وردت في الآية 146من سورة الصافات بالحفاظ على الحياة في “العراء” والتعافي من الأسقام، وسيلتين ساقهما الله للنجاة، استغلهما الشاعر في الربط الدلالي وتكثيف المعنى ولدلالتهما على أبعاد رمزية خلقت قيمة فنية في النظم وفي أسلوب القصيدة، بما تحقق فيها من علاقات بين الألفاظ والجمل والاحالة على خارجية النص لأن الموروث الثقافي والديني وما يكتنزه من عبر وقيم تضئ النص وتؤكد انسجامه. ومن ذلك قوله:
أنا المسكون بنار اليأس
لا أرى إلا خيلا ضاقت بعواتقها الأمداء
(…) ما كان وكان
يا يوسف كيد الإخوة أرحم
إذا ما احتواك الجب
لن يخفى عليك الضوء
عقرنا الناقة يا صالح
أي باب يأخذنا.[20]
ومن التناص الديني الذي استغله الشاعر في النص لتأكيد معانيه؛ قصة يوسف والجب، وقصة صالح والناقة، عليهما السلام كما أخبرعنهما القرآن الكريم، إذ يحيل الجب إلى المأزق والهوة العميقة التي يمكن الخروج منها رغم تخلي الإخوة، والانعتاق من الظلمات كما فُعل بيوسف، ويرمز الضوء إلى إمكانية النجاة كما نجا يوسف، والناقة ترمز إلى النعمة التي كانت سبيل النجاة، من عذاب الله.
فتحت النوافذ في وجه الريح
وتركت القصائد تنمو طحالب فوق جراح الطين[21].
يرمز الطين للانسان عموما باعتبار الأصل وجراحاته ومعاناته، كما يدل على الوطن؛ والوطن إما خاص بالشاعر، وطنه الأم المغرب ولا ينفك الشاعر في كل دواوينه يتغني به وبأمجاده، أو الوطن العربي الكبير، يقول:
غلب الحب على كل شجن *** فإذا القلب بما فيك يُجَنْ
قد تبوأت من المجد السها *** بالذي جئت على مر الزمن
كلنا يا مغرب المجد فدا *** فارفع الرأس ولا تخش الشجن[22]
ويحضر الوطن بكل أبعاده عند الشاعر، حتى يصبح هو الشعر، لأن الشعر عند مبدعنا نافذة يطل منها على الوجود ويتنفس القصائد بكل معانيها تعبيرا وتحبيرا بكل أشكالها دربة ومراسا. وهو كذلك ” توق إلى عالم حالم، منسجم، عبر تفتق اللغة، وتوارد الدلالات، فهو بحث دائم عن الصفاء والتجلي، ولحطة السمو بالإحساس، من أجل وطن رحب حقيقي رمزي، يعانق فيه الحرف قيم الحب دون قيود”[23]. يقول:
كيف تحتويني الموانئ
ما في الحقيبة إلا قصيدة.
خمسون عاما من الشعر
لا ماء القصيدة يطفئ ناري
القصيدة تنبت في قلبي وطنا
لا يغادره الماء
فمن يقاسمني صوتك يا وطن الأسلاف[24].
وتنبني الصورة الإيقاعية في النص على الشعرية النثرية الفنية وإيقاعها المتميز، نذكر التكرار؛ تكرار الكلمات وبعض الجمل، وكذلك البنيات النحوية؛ وتكرار بعض الأدوات منها أداة التوكيد في بعض المقاطع، وبداية الأسطر (إن البحيرة، إن الصمت، إن الفوضى، إن الأفق…)[25]، وكذلك تكرار بعض الصيغ النحوية (يا صمت تعال إلي عجيجا ضجيجا ثجيجا) و(اسكن في أناي/ تعال/ زئيرا/عواء/نباحا/ هديرا/ صريرا/ خريرا) مما يدل على تأكيد المعنى وتثبيته في ذهن القارئ. وفي التوازي التركيبي والمعنوي، (لا ضوء يفضحني / لا سور يمنعني…) و(إنني أكره الصوت يعلو على صوت الحمام / وأكره من لا يقيم وحقك وزنا لصوت الحمام). ولا يخلو النص من خصائص نثرية نلمسها مثل؛ السرد والحوار، (فماذا أنت فاعل/ وأنت على أبواب الحمراء تخط حدودك فوق ضفاف إسيل/ لا تقرأ جريدتك الإخبارية هذا المساء…) فالشاعر يسرد وقائع بضمير المخاطب، ويدخل في حوار داخلي مع نفسه، كما يحاور عصافيره (كلمت عصافيري)، فتخبره الخبر اليقين.
هكذا، يتأمل الشاعر واقعه ما بين الكون والعدم، والوجود و الوجود الممكن، معبرا عن تناقضاته متجاوزا رؤيته، مستشرفا رؤياه الإبداعية في عالمه الرمزي، مهتما بلغته، متبتلا في مستوياتها، فيض جمالي بلاغي أسعف الشاعر في الانتقال ما بين المحسوس والمجرد، وبين الثابت والمتحول في الموضوع، وهو يصبو أن يصبح الوطن خمائل، وأن يكثر حصاده (أكره أن لا تكون بلادي خمائل/ وألا تكون حصائد/ أكره كل المشاكل)، إن كل ما يكرهه الشاعر يحب ضده لوطنه، بهذا العمق الوجداني وبهذا الفيض عبر عن هموم الوطن وعن المتناقضات فيه، مستجليا ما كان ممكنا أن يكون عليه، وكيف يحبه ، كما يقول محمد غنيمي هلال: ” والذين على علم بالقلب الإنساني يحكمون بأنه من الطبيعي أن يتغنى المرء بما يريد، وبما يعوزه، وبما تقصر دونه قواه ووسائله، ولذلك يخرج- من التضاد بين حياة رنقة آثمة وبين المثال المنشود- شعر أكمل نبلا وصفاء، (…) فالشعر يمثل جانب الشاعر الفكري المثالي لا جانبه العملي، ومن ذلك الجانب تنشأ الأحاسيس السامية والعواطف النبيلة .”[26]
ومن هذه الأحاسيس والمشاعر بدا صوت الشاعر متلبسا بصوت الوطن الواحد، وبصوت الوطن المتعدد الكبير وبالقصيدة وبالشعر عموما، وتشهد على ذلك دواوينه الكثيرة ومواقفه تجاه الوطن، وكل منها محراب تبتل في نَفس صوفي، يكتنه الوجود و يتعالق والذات المبدعة التي تعاني قلق أسئلة الوجود وأسئلة الإبداع تغوص في صمتها و تغرق في وجدانها حتى تكلمها الحروف بالمجاز والصور. واختيار الألفاظ والأساليب المركبة مع الاحالات الرمزية التي تنم على ثقافة الشاعر الواسعة وتمرسه بالكتابة إبداعا ونقدا، حيث يأتي الشعر عنده أكمل نبلا وصفاء.
مراكش – 29-9-2026.
المراجع:
[1] – صالح جودة الطعمة، الشاعر العربي المعاصر ومفهومه للحداثة، فصول، 2( 4 يوليو/ أغسطس/ سبتمبر)، 1984،ص20.
[2] – إسماعيل زويريق، وطن الماء، مطبعة الوراقة الوطنية، 2023.
[3] – https://awkafonline.gov.eg/content-sections/97/7608/الأبدال-الجذور-والدلالات.
[4] – قصيدة وطن الماء، ص7.
[5] – الاستهلال، ص5.
[6] – تنسب البيتين إلى أبي محمد بن علي الحريري صاحب المقامات.
[7] – وطن الماء، ص8
[8] – فطنة بن ضالي، ديوان وجد لا ينتهي، ط1، فضاء فنون، فاس، 2022، ص25.
[9] – وطن الماء، ص9
[10] – وطن الماء، ص10.
[11] – اللوز الم، ص16.
[12] – وطن الماء، ص12.
[13] – اللوز المر، ص18.
[14] – وطن الماء، ص14-15.
[15] – لن يعدِم الصفوَ وارد الماء، ص25.
[16] – اللوز المر، ص17
[17] – وطن الماء، ص9.
[18] – محمد حسن شراب، في شرح الشواهد الشعرية في أمات الكتب النحوية، ج2، ص 212.
[19] – وطن الماء، ص 9-8.
[20] – قربا مربط الادهم مني، ص34-35.
[21] – وطن الماء، ص 9.
[22] – وطني، ديوان الكاس، المطبعة الوطنية، ص24.
[23] – وجد لا ينتهي، ص16.
[24] – من يقاسمني جرح الوطن، ص 63- 65. بتصرف
[25] – وطن الماء، ص9.
[26] – النقد الأدبي الحديث ، دار العودة بيروت، ط1، 1982،ص 386.
ناقدة من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي