النشيد التربوي الأمازيغي لحنٌ يوقظ الهوية ويربّي الوجدان

عمر أيت سعيد*
“دعوا الطفلَ ينشد ويغني. بل انشدوا وغنّوا معه، أيها الكبار! إن الكلمة الحلوة الجميلة التي نضعها على شفتيه هي أثمن هدية نقدمها له”، هكذا خاطب الشاعر سليمان العيسى الكبار في مقدمة ديوان الأطفال، واضعًا يده على سرٍّ تربوي عميق: أن الأغنية التي يحفظها الطفل في سنواته الأولى ليست ترفًا صوتيًا عابرًا، بل بذرةٌ تُغرس في تربة الوجدان، تنبت بعد سنين قيمًا وانتماءً ولغة. وإذا كان هذا صحيحًا في كل نشيد موجّه للطفولة، فهو أشد صحة حين يتعلق الأمر بالنشيد التربوي الأمازيغي، ذلك اللحن الذي يحمل على كتفيه إرثًا شفويًا عريقًا، ويحاول اليوم أن يجد له مكانًا بين دفتي الكتاب المدرسي وشاشات الإعلام ومنابر الثقافة.
20
فالأمازيغية، بوصفها لغة رسمية للبلاد ومكوّنًا أصيلًا من مكونات الهوية الوطنية المغربية، لا تكتمل حضورها في المدرسة والمجتمع إلا حين تتحول من موضوع تدريس جاف إلى تجربة حسّية ووجدانية يعيشها الطفل غناءً وترديدًا وحركة. ومن هنا يطرح هذا المقال سؤاله المركزي.
سؤال إشكالي: أي دور للنشيد في تربية الطفل الأمازيغي؟
إلى أي حد يمكن للنشيد التربوي الأمازيغي أن يكون أداة فاعلة في التنشئة اللغوية والقيمية والهوياتية للطفل المغربي، في ظل واقعٍ لا يزال يعاني فيه هذا النشيد من هشاشة التدوين، وقلة الحضور في المقررات الدراسية، وغياب مبدعين متخصصين يوازنون بين الأصالة الفنية والوظيفة التربوية؟ بعبارة أخرى: هل النشيد التربوي الأمازيغي رافعةٌ حقيقية للهوية والتربية معًا، أم أنه إمكانٌ كامنٌ لم يُستثمر بعد؟
نفترض في هذا المقال أن النشيد التربوي الأمازيغي ليس مجرد مرافقة صوتية للطفولة، بل هو وسيطٌ تربوي-فني-هوياتي ثلاثي الأبعاد: يُنمّي اللغة الأمازيغية اكتسابًا طبيعيًا غير مباشر، ويغرس القيم الإنسانية النبيلة بأسلوب ممتع بعيد عن الوعظ المباشر، ويرسّخ الشعور بالانتماء إلى الأرض والجذور والذاكرة الجماعية. غير أن تحقق هذه الوظيفة الثلاثية مشروطٌ بانتقال هذا الفن من الشفوية العابرة والتداول العفوي إلى التدوين المنهجي والتوظيف البيداغوجي المدروس داخل المؤسسة التعليمية ووسائل الإعلام الموجهة للطفل.
- 1. التربية والفن: تلازمٌ عضوي لا انفصام له
لا مراء في أن التربية تقترن بالفن غناءً وأنشودة ورسمًا، وأن الفن يفعل في النفوس ويغيّر في الأحوال ما لا تستطيع السياسة ولا البندقية أن تغيّراه. فالتربية أقرب إلى الفن منها إلى العلم الصرف؛ ذلك أن غرس القيم في النفوس يحتاج إلى وسيط جمالي يخاطب الوجدان قبل العقل. ومن ثمّ فالتربية الفنية لا تقل أهمية عن علوم التربية النظرية، بل هما متكاملان متعاضدان في خدمة الناشئة. والنشيد الأمازيغي الموجّه للطفل يجسد هذا التلازم أتمّ تجسيد: فهو نصٌّ لغوي وقيمي في آنٍ واحد، يُحمَّل بلحنٍ يجعله يستقر في الذاكرة استقرار الحكاية الأولى التي يسمعها الطفل من جدّته.
- 2. من الشفوي إلى المدوَّن: مسار أدب الطفل الأمازيغي
لم يخرج أدب الطفل الأمازيغي، في مساره التاريخي، عن السيرورة العامة التي عرفتها الثقافة الأمازيغية ككل: انتقالٌ بطيء من الشفوي إلى المكتوب، مرّ بمرحلة تدوين استعماري قام به باحثون أجانب في مطلع القرن العشرين، قبل أن يتولى الباحثون والمبدعون المغاربة أنفسهم زمام هذا التدوين في النصف الثاني من القرن نفسه. وقد ظل النشيد، في هذا المسار الطويل، حاضرًا في الأعراس والمواسم والحلقات الشعبية، يُنشَد ارتجالًا ويُتداول شفاهةً من جيل إلى جيل، قبل أن تبدأ محاولات جمعه وتدوينه وتوظيفه في السياق المدرسي، خصوصًا بعد إدماج الأمازيغية في المنظومة التعليمية المغربية.
وقد تناولت بعض الدراسات الأكاديمية هذا الانتقال، من ذلك ما خلص إليه الباحث عمر أيت سعيد في دراسته حول دور الأنشودة التربوية الأمازيغية، حين أكد أن هذا الفن يسهم في التربية على القيم الإنسانية النبيلة وفي اكتساب اللغة بطريقة إبداعية مشوقة، بما يجعله أداة بيداغوجية لا تقل نجاعة عن الدرس اللغوي المباشر، بل قد تفوقه أثرًا لأنها تمرّ عبر بوابة المتعة لا الإلزام.
- 3. النشيد وسيطًا للقيم واللغة والهوية
يؤدي النشيد التربوي الأمازيغي وظائف متشابكة يصعب فصل بعضها عن بعض. فعلى المستوى اللغوي، يتيح للطفل اكتساب مفردات وتراكيب أمازيغية بطريقة طبيعية غير مقحمة، إذ يحفظ اللحن قبل أن يعي تمام الوعي دلالة كل مفردة، ثم يكتشف المعنى تدريجيًا كما يكتشف الألغاز. وعلى المستوى القيمي، يمرر النشيد قيم التعاون والكرم والشجاعة واحترام الطبيعة وتقدير الكبار، وهي قيم متجذرة في المتخيل الأمازيغي، من غير أن يشعر الطفل بثقل الدرس الأخلاقي المباشر. أما على مستوى الهوية، فالنشيد يمنح الطفل إحساسًا بالانتماء إلى جماعة لغوية وثقافية لها تاريخها ورموزها وطقوسها، وهو إحساس ضروري لبناء ذات متصالحة مع أصولها منفتحة في الآن ذاته على محيطها الوطني والإنساني.
“إن الهدف الأساسي من التربية هو خلق رجال قادرين على صنع أشياء جديدة، ولا يقومون فقط بتكرار ما صنعته الأجيال السابقة، رجال مبدعين ومبتكرين ومكتشفين” — جان بياجيه
وهذا بالضبط ما يطمح إليه النشيد التربوي الأمازيغي الجيد: ألا يكون مجرد ترديد آلي لكلمات موزونة، بل مدخلًا إلى تربية إبداعية تكشف طاقات الطفل الكامنة وتنمّيها، وتجعل منه، غدًا، فردًا مبدعًا في مجتمعه، ذلك أن العمليات الابتكارية والإبداعية هي صاحبة الفضل في تقدّم الحياة وتطورها على مر العصور، وأصحاب القدرات الابتكارية يشكلون رأس مال قوميًا وإنسانيًا يسهم في إثراء التراث البشري.
- 4. عثرات الواقع: بين الإهمال النقدي وقلة التدوين
غير أن هذه الوظائف النبيلة تصطدم بواقع أقل تفاؤلًا. فالدراسات النقدية بالمغرب ظلت، إلى عهد قريب، منصبّة على شعر الكبار، مهملة شعر الصغار وأناشيدهم ومحفوظاتهم، ولم تُفرد لهذا الحقل أرشفة وتوثيقًا ودراسة وتقويمًا إلا في حدود ضيقة. وينسحب هذا الإهمال، بل يشتد، حين يتعلق الأمر بالنشيد الأمازيغي تحديدًا، حيث لا تزال أعداد كبيرة من الأناشيد التقليدية حبيسة الذاكرة الشفوية لكبار السن في القرى والجبال، مهددة بالاندثار مع كل جيل يرحل قبل أن يورّث ما يحفظ. ويضاف إلى ذلك ضعف حضور هذا النشيد في الكتاب المدرسي مقارنة بحجمه الرمزي والثقافي، وقلة المبدعين المتخصصين الذين يجمعون بين الحس الشعري الرفيع والدراية بخصائص الطفولة النفسية واللغوية.
النتيجة
يتبين من هذا التحليل أن الفرضية التي انطلق منها المقال تصمد أمام المعطيات: فالنشيد التربوي الأمازيغي يحمل بالفعل إمكانات تربوية ولغوية وهوياتية كبرى، لكن هذه الإمكانات تظل، في جزء كبير منها، طاقة كامنة لم تتحول بعد إلى فعل منهجي مكتمل. فالانتقال من الإنشاد العفوي إلى التوظيف البيداغوجي الممنهج لا يزال في بداياته، والفجوة بين حجم هذا الموروث وحجم الاهتمام المؤسسي والنقدي به لا تزال قائمة، رغم الخطوات المهمة التي تحققت منذ إدماج الأمازيغية في المدرسة المغربية.
خلاصة تركيبية
إن النشيد التربوي الأمازيغي، في نهاية المطاف، ليس ترفًا فولكلوريًا يُستحضر في المناسبات، بل هو استثمار طويل الأمد في وجدان الطفل المغربي ولغته وهويته. وإذا كانت الكلمة الحلوة التي نضعها على شفة الطفل، كما قال سليمان العيسى، أثمن هدية نقدمها له، فإن الكلمة الأمازيغية المُلحّنة بعناية فنية وتربوية هي هدية مضاعفة: تمنحه لغة أجداده ولحن أمه، وتصالحه مع جذوره وهو ينفتح على أفق أوسع من الانتماء الوطني المشترك.
ولن يتحقق هذا الاستثمار إلا بجهد متضافر بين المبدعين والباحثين والمؤسسة التعليمية والإعلام الموجه للطفل : جمعًا للموروث الشفوي وتدوينًا له، وتشجيعًا لجيل جديد من المؤلفين يكتبون للطفل الأمازيغي بلغة فنية راقية، وإدماجًا أوسع لهذا النشيد في المقررات والأنشطة الموازية. عندئذ فقط يمكن أن يتحول النشيد التربوي الأمازيغي من إمكان كامن إلى رافعة فعلية للتربية على الهوية والإبداع معًا، مصداقًا لما دعا إليه سليمان العيسى حين طلب من الكبار أن ينشدوا ويغنوا مع أطفالهم، لا أن يكتفوا بمشاهدتهم ينشدون وحدهم.
المراجع
- 1. سليمان العيسى، مقدمة ديوان الأطفال.
2 عمر أيت سعيد، «دور الأنشودة التربوية الأمازيغية في التربية على القيم الإنسانية النبيلة وفي اكتساب اللغة بطريقة إبداعية مشوقة»، ضمن: دراسات وأبحاث في الأدب الأمازيغي، مركز الديمقراطية العربي للدراسات الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، برلين.
- 3. جميل حمداوي، «أدب الأطفال بالمغرب: الأشعار والأناشيد»، موقع ديوان العرب، 2009.
- 4. أدب الأطفال الأمازيغي: بين غرابة الحكاية وضرورة التدوين»، منشور، 2021.
- 5. نجيب، الإبداع وتنمية القدرات الابتكارية، 1994.
- 6. Jean Piaget, Où va l’éducation, Denoël, Paris, 1972.
باحث في الأمازيغية من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي