حوارات
حوار افتراضي مع الشاعر إسماعيل زويريق
حوار افتراضي مع الشاعر إسماعيل زويريق

حاوره عبدالرحمان الوادي*
- الوادي: أستاذ إسماعيل، أريد أن أبدأ من السؤال الذي يزعج أكثر مما يجامل: هل أنت شاعر كبير فعلاً، أم أنك فقط كتبت كثيراً؟
- زويريق: كثرة الكتابة لا تصنع شاعراً كبيراً، وأنا لا أمنح نفسي الألقاب. ما كتبته هو الذي يدافع عني أو يدينني.
- الوادي: لكنك تعرف أن الشاعر، مع الوقت، قد يصبح أسير اسمه. يكتب لأن الناس تنتظر منه أن يكتب.
- زويريق: هذه واحدة من أخطر الكوارث. أن يتحول الاسم إلى وظيفة. عندما أكتب لأحمي صورتي، أكون قد بدأت أخسر الشعر.

- الوادي: ألم تقع في ذلك أحياناً؟
- زويريق: بالتأكيد وقعت. من يدّعي أنه لم يكتب يوماً نصاً كان يمكن أن يمزقه، إما أنه يكذب أو أنه لا يراجع نفسه.
- الوادي: هل مزقت نصوصاً لك؟
- زويريق: البعض منها، وأخرى كان يجب أن أمزقها ولم أفعل.
- الوادي: تندم على نشره؟
- زويريق: الندم جزء من سيرة الكاتب. المشكلة ليست أن تندم، بل أن تظل معجباً بكل ما كتبت.
- الوادي: أنت شديد القسوة على نفسك الآن. لكن هل كنت هكذا دائماً؟
- زويريق: لا. في البدايات، كل شاعر تقريباً يظن أن العالم كان ينتظر قصيدته. ثم يكبر ويكتشف أن العالم مشغول عنه تماماً.
- الوادي: هل آلمك هذا الاكتشاف؟
- زويريق: في البداية نعم. ثم حررني.
- الوادي: حررك من ماذا؟
- زويريق: من الحاجة إلى التصفيق.
- الوادي: هل أنت فعلاً متحرر من التصفيق؟ من الجوائز، ومن الاعتراف، ومن أن يقال: إسماعيل زويريق شاعر كبير؟
- زويريق: لا أحد يتحرر تماماً. في داخل كل شاعر طفل يريد أن يسمع كلمة إعجاب. النضج هو ألا تجعل ذلك الطفل يقودك.
- الوادي: لكنك عشت طويلاً داخل الوسط الثقافي. ألم تضطر إلى المجاملة؟
- زويريق: جاملت أحياناً، وسكتّ أحياناً، وندمت أحياناً.

- الوادي: إذن لم تكن دائماً ذلك الشاعر الذي يقول ما يعتقده.
- زويريق: من قال إن الشاعر بطل طوال الوقت؟ أنا إنسان أولاً. أخاف، أتردد، أحسب العواقب، ثم ألوم نفسي أحياناً لأنني حسبتها أكثر مما ينبغي.
- الوادي: هذا اعتراف قاسٍ.
- زويريق: الاعتراف أقل قسوة من الكذب على النفس.
- الوادي: دعني أذهب أبعد. هل ظلمتك المؤسسة الثقافية، أم أنك أحياناً تستخدم فكرة التهميش لتفسير عدم حصولك على ما كنت تنتظره؟
- زويريق: سؤال مؤلم، لكنه مشروع. نعم، قد يكون الإنسان بارعاً في تحويل خيبته إلى مظلومية. ولذلك أحاول دائماً أن أسأل نفسي: هل أُقصيت فعلاً، أم أن ما قدمته لم يكن بالقوة التي أتصورها؟
- الوادي: وهل وجدت الجواب؟
- زويريق: ليس جواباً واحداً. أحياناً ظلمتني الظروف، وأحياناً ظلمت نفسي، وأحياناً لم يكن النص نفسه في المستوى الذي ظننته.
- الوادي: هل تغار من شاعر نال شهرة أكبر منك؟
- زويريق: الغيرة موجودة في البشر، والشعراء ليسوا ملائكة.
- الوادي: هذا يعني نعم.
- زويريق: نعم، شعرت بالغيرة. لكن الفرق بين شاعر وآخر هو ماذا يفعل بغيرته. إما أن تتحول إلى حقد، أو تتحول إلى سؤال: ماذا يملك هذا النص ولا أملكه؟
- الوادي: وهل قرأت لشاعر أصغر منك وشعرت أنه تجاوزك؟
- زويريق: نعم. وهذا يؤلم، لكنه ألم صحي.
- الوادي: لم تقل من هو.
- زويريق: لأنني لا أريد أن أحول الاعتراف إلى مباراة أسماء.
- الوادي: أم لأن الاسم سيجرح صورتك؟
- زويريق: ربما لأنني ما زلت أملك شيئاً من ذلك الطفل الذي تحدثت عنه.
- الوادي: الآن بدأت أصدق الحوار.
- زويريق: الحوار الذي لا يجرح قليلاً ليس حواراً، بل حفل تكريم.
- الوادي: لنذهب إلى المديح النبوي. هل كان دائماً نابعاً من ضرورة روحية، أم أن نجاح هذا اللون لديك جعلك تعود إليه لأنه يضمن لك جمهوراً؟
- زويريق: هناك فرق دقيق بين أن تعود إلى موضوع لأنه يسكنك، وأن تعود إليه لأنه أصبح صورتك في أعين الناس. والخطر أن يختلط الأمران.
- الوادي: هل اختلطا عندك؟
- زويريق: أحياناً، نعم.
- الوادي: ألم تخش أن تصبح أسير لقب: شاعر المديح؟
- زويريق: خفت من ذلك كثيراً. لأن أي لقب، حتى لو كان تكريماً، يمكن أن يتحول إلى قفص.
- الوادي: إذن ربما الجمهور اختصر تجربتك؟
- زويريق: الجمهور يحب الاختصار. يريد أن يضع لكل شاعر بطاقة صغيرة: هذا شاعر حب، هذا شاعر وطن، هذا شاعر مديح. أما الشاعر الحقيقي فيريد أن يكون أوسع من البطاقة.
- الوادي: هل كنت أوسع منها فعلاً؟
- زويريق: هذا ما أتمنى. لكن الأمنيات لا تكفي.
- الوادي: ماذا عن مراكش؟ هل تحبها حقاً، أم أنك صنعت منها جزءاً من هويتك الشعرية لأنها تمنح النص لوناً وذاكرة؟
- زويريق: أنت تحاصرني اليوم.
- الوادي: هذا هو المقصود.
- زويريق: مراكش ليست ديكوراً عندي. لكنني أعترف أن الكاتب قد يستثمر حتى أكثر الأشياء صدقاً في حياته. الذاكرة نفسها يمكن أن تتحول إلى مادة فنية، وأحياناً إلى علامة شخصية.
- الوادي: ألا تخاف أنك كررت نفسك؟
- زويريق: أخاف من هذا أكثر من خوفي من النقد.
- الوادي: هل تكررت؟
- زويريق: نعم. من يكتب طويلاً لا ينجو تماماً من التكرار.
- الوادي: إذن لماذا لم تتوقف؟
- زويريق: لأن التوقف خوفاً من تكرار النفس نوع آخر من الموت. الأفضل أن تخاطر، ثم تنتزع من التكرار شيئاً جديداً.
- الوادي: لو عاد بك الزمن، هل كنت ستنشر كل دواوينك؟

- زويريق: لا.
- الوادي: كم كنت ستحتفظ منها؟
- زويريق: أقل مما نشرت بكثير.
- الوادي: هذا ربما أقسى شيء قلته.
- زويريق: بل ربما أصدق شيء قلته.
- الوادي: هل تعتقد أن اسمك سيبقى؟
- زويريق: لا أعرف.
- الوادي: ألا يخيفك النسيان؟
- زويريق: جداً.
- الوادي: إذن ما زلت تريد الخلود؟
- زويريق: كل شاعر يكتب ضد الموت بطريقة ما. من ينكر ذلك يتجمّل.
- الوادي: وإذا نُسي كل ما كتبت؟
- زويريق: سأكون قد عشت مع الشعر، وهذا وحده ليس قليلاً.
- الوادي: هذا جواب حكيم أكثر مما هو صادق.
- زويريق: حسناً. إذا نُسي كل شيء، سيؤلمني الأمر لو كنت حياً لأراه.
- الوادي: الآن صار الجواب إنسانياً.
- زويريق: لأنك نزعت عنه البلاغة.
- الوادي: سؤال أخير: عندما تنظر الآن إلى إسماعيل زويريق الشاب، ماذا تقول له؟
- زويريق: أقول له: لا تصدق المديح كثيراً، ولا تصدق النقد كثيراً. لا تستعجل نشر كل ما تكتب. لا تدخل المعارك التي لا تستحقك. ولا تظن أن كثرة القصائد تعوض قصيدة ناقصة.
- الوادي: هل سيستمع إليك؟
- زويريق: لا.
- الوادي: لماذا؟
- زويريق: لأنه يشبهني.
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي