الرئيسية / الهايكو /  تقنية التكرار في الهايكو حسني التهامي

 تقنية التكرار في الهايكو حسني التهامي

 تقنية التكرار في الهايكو حسني التهامي

 

التكرار أداة شائعة في جميع أطياف الشعر، وهو من أهم أشكال الخطاب الأدبي التي تضمن تماسك النص، وتسلّط الضوء على أبعاده الفنية، كما أنها تحدث نوعا من الانسجام بين جزئيات النص. يمكن للهايجن أن يضمن نصه تكرار كلمة أو كلمتين أو عبارة أو جملة، أو سطرا بأكمله. يحدث التكرار في  أجزاء الكلام المختلفة: الأسماء، الأفعال، الصفات، الظروف، أو حروف الجر. ولأن الهايكو نص مختزل في الأساس، فكاتب الهايكو يقوم باختيار كلماته بعناية فائقة كي لا تكون عبئا يفسد حيوية وجمالية النص. هذا الاختيار الدقيق للفظة يجعل عملية التكرار تعمل بشكل مؤثر ولا يجعلها تفقد تاثيرها دون أن توقع النص في شرك الابتذال والرتابة والملل. ما يجب أن يسعى إليه الهايجن في عملية التكرار، ليس التكرار في حد ذاته، لكن الصدى الذي يجتذب القارئ، ويبقيه في اللحظة الجمالية والشعور بها بشكل أعمق. يقول الشاعر والناقد “إدوارد هيرش” (Edward Hirsch): “من أساسيات الشعر العميقة تكرار الأصوات والمقاطع[1] والكلمات والعبارات والسطور. فالتكرار يمكن أن يكون من أكثر سمات الشعر إبهارًا. إنه يخلق توقعات يمكن تحقيقها أو إحباطها”. لكن كيف يكون التكرار عامل إبهار في نص غاية في الاختزال، وكل كلمة، بل وكل حرف فيه يلعب دورا فاعلا؟ وذلك يوجب على الشاعر ” الاختيار الدقيق لكل مفردة، وكل حرف، و الانتباه لمحوري الاختيار والتأليف معا انتباها بالغ بالغ الدقة ليكون المشهد المكثف التقاطة سريعة مكتنزة بفتنة البساطة”. (د. بشرى البستاني). فاختيار الكلمات في نص الهايكو يتطلب دقة متناهية كي يصل الهايجن، في نسج صورته التأملية، حد الاتقان في تشكيل مشهديته.

يخلق التكرار بعض التأثيرات القوية، لاسيما الإيقاع الذي لا غنى عنه في الشعر. فتكرار الصوت يلفت انتباه القارئ، ويدعوه إلى القراءة بنوع من التأمل. يدعو التكرار في قصيدة الهايكو القارئ إلى قراءة القصيدة بصوت عالٍ.، مما يؤدي إلى خلق صدى يشبه  الترنيمة التي تستدعي شعورا بالألفة والانسجام. يستخدم الهايجن التكرار كوسيلة جمالية تبرز الشكل الفاتن في النص تماما كما يقوم الرسام بإبراز المناحي الجمالية في لوحته عبر استخدام بعض من النتوءات والبروز البسيطة لإظهار جمالها ومفاتنها المدهشة. يشير شاعر الهايكو، “فينس تريبي” (vince tripi) إلى أن التكرار “يجلب الطاقة وبإمكانه جذب القارئ إلى المشاركة المباشرة في القصيدة”، هكذا يمكن للتكرار أن يعمّق تجربة الهايكو من خلال الإيقاع والتأكيد وشحن نوع من الطاقة الإبداعية أو شرارة الدهشة.

لنتأمل جمالية التكرار في النص التالي لـ”نيكولاس فرجيليو” (1928-1989-Nicholas Virgilio):

زنبقة :

خارج الماء …

خارج ذاتها

يتناول الشاعر التكرار مستخدما تقنية يطلق عليها “ريتشارد جيلبرت” (Richard Gilbert) “الاستبدال الإيقاعي المتماثل”. يشير هذا المصطلح إلى استبدالات الكلمات التي تحدث في أنماط إيقاعية متكررة بشكل متماثل. يستحضر الاستبدال المتماثل عملية تراكب (طبقات الصورة) وحركة “اللقطة” السينمائية المستقطعة بشكل متسارع ومفاجئ.

تُظهِر قصيدة فيرجيليو، وهي واحدة من أشهر قصائد الهايكو، أهمية الكيرجي، أو كلمة القطع التي تساعد القارئ على التأمُّل العميق في الحدث. وفي ذات الوقت، يحدث تكرار كلمة “خارج” نوعا من الانسجام والتماهي بين الذات والمكان (ذات الزهرة وذات الماء).

في النص التالي للهايجن المغربية فايزة وشتاتي :

السحاب على عجل:

يضئ القمر …

يغيب القمر …

يضبط تكرار كلمة “القمر” الإيقاع، ويحدد بوصلة الزمن في لحظتي (البزوغ والغياب). يدعونا الهايجن، بهذه الطريقة، إلى التعمُّق في المشهد، والتركيز على تفاصيله وتشابكاته. يظل القارئ في حالة تأمل بعد تشكلات السحاب المتسارعة في السطر الأول الذي ينتهي بعلامة القطع، (النقطتين الرأسيتين) كي يأخذ القارئ فرصة لالتقاط الأنفاس، وترقُّب ما سيحدث في المشهد التالي. ينجح الهايجن في تكريس التكرار لإحداث اللقطات المفاجئة التي تشكل عنصر الدهشة في النص، وتحدث فجوة التوتر الشعري؛ فالسحاب على عجل، وبالتالي، يحدث وميض القمر جرَّاء هذا التسارع لحظة البزوغ والاختفاء وراء موجات الغيم المتلاحقة. على الرغم من ذلك، ليس ثمة مبرر لوجود علامة الحذف في نهاية السطرين الأخيرين، إذ لا حاجة للقارئ في أن يشغل ذهنه بإكمال الفجوات في مشهدية متشكلة ومكتملة بالفعل.

قطرة الندى

في عالم الندى ..

و بعد

إيسا

يعكس التكرار في هذا النص، الذي كتبه إيسا في نعي ابنه، مدى الأحاسيس المتدفقة في نفس الشاعر، وللتأكيد على حقيقة أن الحياة عابرة مثل قطرات الندى.. تبدو جمالية النص في عدم التعبير عن المشاعر الإنسانية الجامحة من خلال الكلمات، لكن عبر تفاصيل الطبيعة الزائلة، فما أسرع قطرة الندى في التلاشي مع بزوغ شمس الصباح، لذا لا يجب على الإنسان التعلق بالأشياء في هذا العالم، على الرغم من أن تلك الأشياء تشكل عالما من الذكرى في نفوسنا . تعكس هذه الفكرة فلسفة الزن التاملية التي تاثر بها إيسا وغيره من الشعراء الكبار.

يقوم نص الهايكو في الأساس على تقنية التجاور (التوريوازة)، بنوعيها (التشابه والتنافر)، وغاية الهايجن من خلق هذا التجاور هو إحداث الدهشة الناجمة عن المفارقة. أحيانا يمكن للتكرار إبراز أوجه التشابه والتناقض بين الكيانات التي تصطف جنبا إلى جنب من أجل لفت انتباه القارئ إلى الأبعاد الجمالية بالنص. يقوم الهايجن أحيانا باستخدام نفس العبارة مع تغيير بقية جزئي الشطرين ليلفت انتباه المتلقي إلى الاختلاف بين كيانين مختلفين، وإحداث الدهشة.:

مقبرة –

جنب أبي مدينة الموتى

جنب أبي تنام امرأة مجهولة

(مريم الحلو، نتقاسم الصدى، ص 49.)

تستهل الهايجن نصها بمشهد المقبرة الذي عادة ما يوحي بالوحشة والفجيعة. تقوم علامة القطع (-) في نهاية السطر الأول بعملية الفصل بين مشهدي النص، كما تمنح القارئ وقفة تأملية للمكان الذي يملأ نفسها رهبة وحزنا. يأتي السطر الثاني ليحدد تفاصيل المشهد الأول، حيث ينام الأب وجواره مدينة الموتى، فيما تأتي المفارقة في السطر الأخير بذكر عبارة “تنام امرأة مجهولة” كحدث غير متوقع في مقابر العائلة. يحقق تكرار عبارة “جنب أبي” نوعا من التوازن الهندسي والعاطفي والانسجام الإيقاعي بين جزئيات المشهد.

……

نص آخر للهايجن معاشو قرور:

في حقل الشوفان

تقرأ بنت الحارس،

حارس حقل الشوفان

(معاشو قرور، اسطرلاب لقياس الكيغو، ص 49)

يستخدم الهايجن تقنية “النص المستدير” باستخدام عبارة “حقل الشوفان” في السطر الأول، ثم يعيد تناولها ليختم بها مشهدية نصه ويغلق دائرته. يتكون النص من مشهد وحيد يجمع بين عنصرين مختلفين: حقل الشوفان (المادة الطبيعية) وبنت الحارس (العنصر البشري). يسهم التكرار في لملمة جنبات الصورة وربط أجزائها وتماسك بنيتها “ضمن دائرة إيقاعية واحدة، وكأنّها قالب فني متكامل في نسق شعريّ متناسق”.[2] تحدث المفارقة في اكتمال الدائرة بنفس العبارة الأولى حارس “حقل الشوفان”، وهي رواية شهيرة للروائي الأمريكي “جيروم ديفيد سالينغر” (Jerome David Salinger 1919-2010). كرر الهايجن أيضا كلمة “حارس” في السطر الثاني والثالث دون أن نشعر نوعا من الملل والرتابة، حيث اتى التكرار انسيابيا وطبيعيا ومتناغما.

يشكل التكرار لاسيما تكرار الحرف إيقاعاً مميزا في النص، ويكشف عن الانفعالات المتباينة في نفس الهايجن، كما يقوم بهندسّة البناء النصي وموسقة التركيبة الإيقاعية. في النص التالي للهايجن سامح درويش:

جنبا لجنب

عامل الفحم يسعل،

وظله يسعل.

كرر سامح درويش الفعل “يسعل” في نهاية السطر الثاني واستخدمه كقفلة انسيابية، كي يبث نوعا من

الائتلاف والتناغم النسقي داخل النص. هذا البناء اللغوي الذي يعتمد على تكرار الفعل يعدُّ ” من مقوّمات النبض الشعوري والإحساس الدافق بالمعاناة والتجربة”[3]. يسعى الهايجن من وراء هذا التكرار إلى التكثيف الدلالي وإحداث صدى نغمي في نفس المتلقي. كما يسهم هذا التكرار في إظهار مدى التزامن بين فعلي الحدث (سعال عامل الفحم وسعال ظله)، مما يعكس الانسجام الفعلي في بنية النص. كما يكثف هذا التكرار من دلالة الصورة أو الالتقاطة الجمالية في لحظة من الزمن، والتي من خلالها يظهر الهايجن مدى معاناة عامل الفحم في هذا المكان الملوث، حد اصطفاف الظل وتعاطفه مع صاحبه لنقل الحالة الشعورية للمتلقي.  يكشف التكرار في النص بشقيه تكرار الفعل “يسعل ” والظرف “جنبا ” عن إمكانيات تعبيرية وبراعة فنية تثري الالتقاطة الشعرية، وتحدث صدى عاطفيا وموسيقيا في نفس المتلقي.

في النص التالي لبوسن:

تسلق جبل فوجي,

أيها الحلزون،

لكن ببطء، ببطء.

يظهر تكرار كلمة ببطء مدى التفاعل النفسي والوجداني مع الكائن الصغير، وحنوه عليه وهو يصعد جبل فوجي. يعد كوباياشي إيسا الهايجن الأوحد الذي اهتم بحياة المخلوقات الصغيرة المهمشة، وخاصة الحشرات وتعاطفف، بل تضامن معها.

يتبع …

 

شاعر وناقد من مصر

 

الإحالات:

[1] Edward Hirsch. A Poet’s Glossary. Accessed at https://poets.org/glossary/repetition on November 9, 2022.

[2] رسول بلاوي، «ظاهرة التكرار ودلالاتها الفنيّة في شعر الدكتور علي مجيد البديري»، 2018م، ص 13.

[3] عصام شرتح، موحيات الخطاب الشعري/ دراسة في شعر يحيی السماوي، 2011م، ص 177 – 171

عن madarate

شاهد أيضاً

الهايكو بين التأليف والتلقي نحو فهم الأثر في أفق شعرية المناخات المشهدية – محمد بنفارس

عين على الهايكو محمد بنفارس*    الكتابة بوصفها فتحًا للمشهد لا يُختزل الهايكو في نص …

اترك تعليقاً