الرئيسية / الهايكو / فانتازيا مجاز الهايكو العربي توفيق أبوخميس

فانتازيا مجاز الهايكو العربي توفيق أبوخميس

فانتازيا مجاز الهايكو العربي توفيق أبوخميس

 

“الوضوح .. قيمة تستحق منا إهتمامــاً أكبـــر”.

حنا مينه أديب وروائي عربي

في تفسير مصطلح الوضوح على مستوى اللغة، حيث نقول عن العبارات بانها واضحة، إذ كانت تعبِّرُ عما يتضمنه الموضوع وتبينه، وتحدد مداه ، وتميزه عن سواه ، بحيث لنا أن نفهم منها ما أُريد الأخذ به وما أُريد تركه ، دون أن يكون هناك مجالاً للشكِّ في معناها، ودون أن تحمل ما بينها من مدلولات متضاربة ، أو يتداخل مفهومها بمفاهيم أخرى مشابهة،  ولهذا السبب نجد أن علوم اللغة التي تهتم باللغة العربية قد سُمّيت بأسماء تدلّ على الوضوح ، فمثلاً مصطلح البيان جاء من (بان) بمعنى اتضح وظهر، والفصاحة من (فصح) ، حيث يقال فصح الصبح بمعنى بان واتضح ضوؤه، ويؤكد هذا المفهوم ويوأيده قول الجاحظ في حديثه عن البيان: “كلما كانت الدلالة أوضح وأفصح ، وكانت الإشارة أبين وأنور ، كان أنفع وأنجح”.

يشير الأديب والمفكر العربي عباس محمود العقاد في كتابه “اللغة الشاعرة” بأن المجاز هو الأداة الكبرى من أدوات التعبير الشعري، لأنه تشبيهات وأخيلة وصور مستعارة وإشارات ترمز إلى الحقيقة المجردة وإشارات بالأشكال المحسوسة، وهذه هي العبارة الشعرية في جوهرها الأصيل.

ولا تسمى اللغة العربية –كما يقول العقاد- بلغة المجاز لكثرة التعبيرات المجازية فيها، لأن هذه التعبيرات قد تكثر في لغات حية عديدة من لغات الحضارة. وإنما تسمى اللغة العربية بلغة المجاز لأنها تتجاوز بتعبيراتها المجازية حدود الصور المحسوسة إلى حدود المعاني المجردة. فيستمع المتلقي العربي إلى التشبيه فلا يشغل ذهنه بأشكاله إلا ريثما ينتقل منها إلى المقصود من معناه. فالقمر عنده بهاء، والشمس دفء والزهرة نضارة، والغصن اعتدال ورشاقة، والجمل الصبر، والطود وقار وسكينة.. إلخ

ولا يختلف اثنان من أهل علوم اللغة على أن المجاز هو ضرب من ضروب البلاغة، وفي كتابة شعر الهايكو علينا التخلي عن استخدام هذه البلاغة ومن  ضمنها المجاز فكيف لنا أن نستخدم المجاز الفانتازي ..!

ترجمت كلمة الفانتازيا و فُسرت إلى اللغة العربية بمعنى الأدب العجائبي، وهي العنصر الثاني المندرج من العنوان الرئيسي وهو الخيال التأملي بالإضافة إلى معاكسه وهو الخيال العلمي.

والمورد الرئيسي للفانتازيا هو الأساطير والسحر والشعوذة بعيداً كلياً عن الواقع والمسار المنطقي للأحداث وتكوين الطبيعة فيكون متن النص والفكرة المبنى عليها، والمعطيات الكونية التي يقوم عليها خارجة عن الاستيعاب الذهني للإنسان ولا يمكن وجودها، وتتعارض مع القوانين والمسلمات العلمية والبديهية في العالم الحقيقي.

هناك بعض من الكتاب وتحديداً كتاب الهايكو يعتبر الكتابة كنوع ما يشبه استعراض العضلات بزج مفردات ومصطلحات غريبة أو خارقة للطبيعة، وهذا بعيد كل البعد عن خصائص بنية هذا الفن

فقصيدة الهايكو ليست استعراضا لمعارف الكاتب في الميثولوجيا واللاهوت يقحمها هنا وهناك في نصوصه بداع وبدون داع ..

الهايكو أن تقول ما تشعر به وتراه مصوّراً لمشهد ما أمامك فتنقل الصورة الملتقطة التي كونتها لك واثارت بك العاطفة، بلغة بسيطة خالية من المفردات المنمقة

فالجمال في كتابة فن شعر الهايكو ليس بقوة إخراج الصورة بشكل غرائبي، بل يكمن في القدرة على تنحية البلاغة جانبا والتخلي تماما عن الخيال والخيال الفانتازي،  وتكوين صورة مشهدية حقيقية صادقة تعبر عن المشهد الحسي الملتقط.

ولتوضيح أكثر؛ ساضرب بعض الأمثلة وسابدأ  بها بعناوين لبعض الكتب لما يسمى نصوص هايكو
حيث يكمن للعنوان دور هام لأي مؤلف وخاصة الأدبي في كونه عتبة للنص والكتاب برمته، وينبغي على الكاتب اخذ الحيطة والحذر، في إنتقاء  عنوان منتجه وخاصة كاتب الهايكو فالعنوان بمفرده لا يرفع سويّة أي عمل كتابي. الاتكاء والرهان يجب أن ينهض على الإبداع نفسه لا سواه.

حيث يحدد العنوان هوية النص ويشير إلى المضمون الذي يحتويه، كما يشحذ فضول القارئ ويغريه للإطلاع عليه.. على ان وظيفة التحديد تظل هي الأهم من غيرها. فالعنوان المثير لا يخدم المنتج إذ لم يوجد أي رابط بينه متن الكتاب إذ يعتبر العنوان اختزال وتلخيص لمضمون أي كتاب.

بعض العناوين تضع القارىء في حيرة لتكوين صورة ذهنية عن ماهية القصد فيما يريد الكاتب أن يصل إليه .. ومثالا.. “أثداء الطبيعة” و “أثق ببصيرة الريح” هذه الأسماء ليست لروايات خيالية وإنما لمؤلفات صدرت تحت تجنيس شعر هايكو ..

ماهي أثداء الطبيعة وكيف لنا أن نتصور شكلها وهل للريح بصيرة .. ؟!!

“اللغة العربية موسيقى الكلمات، رقة المعاني وسلاسة البيان”.

  • الأديب مصطفى صادق الرافعي

 

فلقد تطرقنا في الجزء الأول من هذا المقال في تفسير مصطلح الوضوح على مستوى اللغة، حيث نقول عن العبارات بانها واضحة، إذ كانت تعبِّرُ عما يتضمنه الموضوع وتبينه، وتحدد مداه، وتميزه عن سواه، بحيث لنا أن نفهم منها ما أُريد الأخذ به وما أُريد تركه، دون أن يكون هناك مجالاً للشكِّ في معناها، ودون أن تحمل ما بينها من مدلولات متضاربة ، أو يتداخل مفهومها بمفاهيم أخرى مشابهة ..فعندما نطالع قصة مثلا ،، ونقرأ بين سطورها كان الطفل ينظر إلى التلفاز ..غير أن نقول يشاهد التلفاز ..فكل واحدة تختلف بمعنى الفعل الذي يقوم به ..ينظر إلى التلفاز، ربما يكون التلفاز مغلق والطفل ينظر له باستغراب وتمعن كيف صنع .. لكن عندما نقول يشاهد هنا نعلم أن هناك برنامج أو مسلسل كارتوني .. يشاهده ولهذا كان وجود علوم اللغة التي تهتم باللغة العربية وهي اثنا عشر علما:

1 ـ علم اللغة [أي علم أصول اللغة ومفرداتها، وضبط دلالة الألفاظ على المعاني].
2 ـ علم التصريف .
3 ـ علم النحو .
4 ـ علم المعاني .
5 ـ علم البيان .
6 ـ علم البديع .
7 ـ علم العَروض .
8 ـ علم القوافي .
9 ـ علم قوانين الكتابة .
10- علم قوانين القراءة .
11 ـ وعلم إنشاء الرسائل والخطب .
12 ـ علم المحاضرات ومنه التواريخ”.

وعلى هذا الكم من العلوم التي تختص بتيسير التعاطي مع اللغة ومفرداتها .. هل تفتقر إلى البساطة والوضوح ؟!

وكما قلنا سابقا أن هناك بعض من الكتاب وتحديداً حديثي كتابة الهايكو يعتبر الكتابة فيه كنوع ما يشبه استعراض العضلات بزج مفردات ومصطلحات غريبة أو خارقة للطبيعة، وهذا بعيد كل البعد عن خصائص بنية هذا الفن

فقصيدة الهايكو واضحة المفردات وذات معنى دلالي حسب موقعها في العبارة الواردة فيها، وبعيدة كل البعد عن الغموض والفانتازيا.

الهايكو أن تقول ما تشعر به وتراه مصوّراً لمشهد حسي ما أمامك فتنقل الصورة الملتقطة التي كونتها لك واثارت بك العاطفة، بلغة بسيطة خالية من المفردات المنمقة

فالجمال في كتابة فن شعر الهايكو ليس بقوة إخراج الصورة بشكل غرائبي، بل يكمن في القدرة على تنحية البلاغة جانباً والتخلي تماماً عن الخيال والخيال الفانتازي،  وتكوين صورة مشهدية حقيقية صادقة تعبر عن المشهد الحسي الملتقط.

ولتوضيح أكثر؛ سأتناول بعض النصوص لمعلمي الهايكو الياباني الكبار والتي تمتاز بالوضوح كما هو الحال بكل ما كتبوا من نصوص الهايكو:

أول أيام الربيع
أَستمرُّ بالتَفكير
بنهاية الخريفِ

*
نحلة
تتمايل خارج
الفاوانيا

ماتسو باشو 1644-1694
ترجمة: منير مزيد

—————

” يقلد صاحبه
الكلب الذي ينظرُ
إلى الطائرة الورقية”

*

” كم كأساً
من ندى الصباحِ
على أزهار اللبلاب؟”

إيسا كوباياشي 1763-1828
ترجمة: محمد عضيمة
—————

قَـطــْعُ الـشجرة –
يبزغ الفجرُ أبْـكَـرَ
عـلى شبّـاكي الصغـيـر

*

قـرية ٌ جـبـلـيّـة –
تحت الـثـلـج الـمتـراكم
صوت الـماء

ماسوكا شيكي 1867-1902

ترجمة: جمال مصطفى

هل هناك أكثر بساطة ووضوح في تلك النصوص السابقة فكل نص منها أعطى صورة مشهدية يتلقها القارئ ويكونها حسب ما ترسمها مخيلته ..

وعلى النقيض من ذلك تماما أسوق مثالين عن عدد لا حصر له من النصوص والتي أدرجها كتابها على إنها نصوص هايكو ..!

وهما:

أعلى الشجرة
تسخر من القاطفين
ناضجة حبة التين!

*

معبر
الجوع يخيط الأمعاء
بإبر الصبار

نصوص تعلو بالفانتازيا على الفانتازيا  .. وهذا لا يعني بتاتا أنه لا يوجد هناك من يكتب الهايكو بالأسلوب المتميز بالبساطة والوضوح وإليكم النصين التاليين:

“صحن المتسول –
كثيرة جدا
دعوات العابرين”

  • رحيم جماعي

بابا نويل
في المرآة-
رغوة الحلاقة على وجهي

  • ماهر حرامي

 

وبشكل عام لم يبرح الوضوح والبساطة الشعر العربي قديمه وحديثه فها هو أبو العتاهية (إسماعيل بن سويدة)، شاعر الزهد اتّصف به وأصبح شاعره، قد اشتهر بكثرة قصائده، حيث يتميز شعره بالسهولة، ووضوح المعاني، هو القائل:

أشدُ الجهاد جهادُ الهوى

وما كرّم المرءَ إلا التقى

وأخلاق ذي الفضلِ معروفة

ببذل الجميلِ وكف الأذى.

 

شاعر وناقد من الأردن

 

 

عن madarate

شاهد أيضاً

الهايكو بين التأليف والتلقي نحو فهم الأثر في أفق شعرية المناخات المشهدية – محمد بنفارس

عين على الهايكو محمد بنفارس*    الكتابة بوصفها فتحًا للمشهد لا يُختزل الهايكو في نص …

اترك تعليقاً