الهايكو بين التأليف والتلقي نحو فهم الأثر في أفق شعرية المناخات المشهدية

محمد بنفارس*
الكتابة بوصفها فتحًا للمشهد
لا يُختزل الهايكو في نص يكتمل لحظة كتابته. فهذه النظرة قد تصلح لأنواع شعرية تقوم على القول المباشر أو التعبير المكتمل، لكنها لا تكفي لفهم طبيعة هذا الفن. فالهايكو لا يُبنى بوصفه خطابًا يعلن معنى جاهزًا، بل بوصفه فتحًا لمشهد محسوس يظل مفتوحًا على تجربة التلقي.
ما يؤلفه الهايجن ليس تفسيرًا للعالم ولا إعلان موقف، بل اقتراحٌ لمشهد معاش. عناصر قليلة توضع في تجاور بسيط: غصن، غراب، مساء خريفي. ومن هذا الاقتصاد في القول يُترك المجال للأشياء لكي تظهر دون تدخل أو قصدية خطابية.
يقول ماتسوؤو باشو:
على غصنٍ عارٍ
وحيدًا جثم غراب
مساءُ الخريف
لا يقدم باشو فكرةً ولا يسعى إلى شرح. إنما يفتح إطارًا إدراكيًا يفسح للمشهد أن يتموضع في حساسية القارئ. فالكلمات هنا لا تكتمل في ظهورها المادي، بل في الأثر الذي يتشكل في تجربة القراءة.
التلقي بوصفه تحقق التجربة
إذا كانت الكتابة تفتح المشهد، فإن التلقي هو اللحظة التي يتحقق فيها الأثر. فالقارئ لا يتلقى معنى جاهزًا، بل يدخل في تجربة إدراكية تتشكل من تفاعل انتباهه مع عناصر النص.
في نص آخر لباشو:
أمطارٌ عَرَضية
لا تقلقي
يا براعم الأرز
المشهد بسيط للغاية، ومع ذلك يتولد إحساس خفيف بالطمأنينة. غير أن هذا الإحساس لا يُصرَّح به داخل النص؛ إنه يتكوّن في القراءة نفسها، في ذلك الصمت الذي يحيط بالكلمات ويستمر بعدها.
المناخ المشهدي: مجال اللقاء
في أفق شعرية المناخات المشهدية يمكن النظر إلى الهايكو بوصفه فضاءً يلتقي فيه طرفان: المشهد الذي يفتحه النص، والتجربة الإدراكية التي يفعّلها القارئ.
ومن هذا اللقاء يتشكل ما يمكن تسميته المناخ المشهدي. فالمناخ ليس عنصرًا مصرحا به داخل النص، بل مجالًا إدراكيًا يتكوّن بين النص والقارئ.
يقول يوسا بوسون:
الجو يلمع –
طيرانٌ باهت
لحشرةٍ مجهولة
لا يحدث في النص شيء استثنائي، ومع ذلك يتولد إحساس خفيف بالانتباه إلى العالم. فالمشهد، في بساطته، يفتح فضاءً من الإدراك يتجاوز الكلمات.
وعند كوبايـاشي إيسّا يظهر هذا البعد الإنساني الرقيق:
يا حلزون
تسلّق جبل فوجي
ببطء… ببطء
ترجمة: محمد عضيمة
لا يقوم النص على المفاجأة البلاغية، بل على العلاقة الهادئة بين الكائن الصغير واتساع العالم. ومن هذه العلاقة يتولد أثر القراءة.
ومع ماساوكا شيكي، الذي جدد تقاليد الهايكو في نهاية القرن التاسع عشر، يستمر هذا الأفق المشهدي:
قرية جبلية –
تحت الثلج المتراكم
صوت الماء
المشهد يكاد يكون ساكنًا. غير أن صوت الماء المختبئ تحت الثلج يفتح فضاء إدراك دقيقًا، يتشكل في حساسية القارئ أكثر مما يتشكل في الكلمات.
استمرار الأفق في الهايكو الحديث
لم يتغير هذا الأفق في الهايكو الحديث، حيث يظل النص مفتوحًا على تجربة التلقي.
يقول جاك كيرواك:
مرجُ الصباح –
ما يلفت انتباهي
عشبةٌ واحدة
ليس في النص بناء لغوي معقد ولا مفاجأة بلاغية، بل لحظة انتباه إلى تفصيل صغير داخل المشهد.
وفي نص للهايجن الياباني المعاصر بانيا ناتسويشي:
لا يمكنني أن أحمل
إلى الحياة الآخرة
شهادة تقدير مليئة بالأخطاء المطبعية
ترجمة: محمد عضيمة
يتخذ النص طابعًا تأمليًا ساخرًا، غير أن أثره لا ينبثق من فكرة مجردة بقدر ما يتولد من الطريقة التي تتجاور بها عناصر التجربة داخل لحظة إدراك.
في امتداد التجربة العربية
ضمن هذا الأفق نفسه يمكن قراءة بعض نصوص الهايكو العربية المعاصرة بوصفها محاولات لفتح المشهد لا لقول فكرة مكتملة.
بعد كل الذي حدث
إلى أين يعبر
جسر المدينة
— صلاح أبو عباس
يظهر المشهد هنا في هيئة سؤال مفتوح. فالجسر، بوصفه عنصرًا مكانيًا ملموسًا، يتحول إلى محور إدراكي يختزن أثر ما حدث دون أن يسميه. ومن هذا التوتر الخفيف بين ما يُرى وما يُلمَّح إليه يتشكل أثر القراءة.
وفي نص آخر:
ضفة المتوسط
بريق في عيون
الناجين
— م. بنفارس
يقوم النص على تقابل صامت بين البحر وعيون الناجين. غير أن المشهد لا يشرح الحكاية ولا يسردها؛ بل يكتفي بتكثيف لحظة إنسانية خاطفة يتولد أثرها في ذلك اللمعان العابر داخل النظرات.
خلاصة
تكشف تجربة الهايكو أن النص لا يكتمل عند كتابته، بل في كيفية تلقيه. فالكتابة تفتح المشهد، والقراءة تفعّل المناخ، ومن هذا التفاعل يتولد الأثر.
ولهذا لا يقوم الهايكو على قول مكتمل ونهائي، بل على لحظة إدراك تظل مفتوحة.
فالهايكو يولد بعد مخاض في تجربة كل هايجن، لكنه يُنشر مرة واحدة. أما المتلقي فيعيد اكتشافه في كل قراءة، حيث يتجدد الأثر مع كل تجربة إدراك جديدة.
إشارة مفهومية
يُستعمل مفهوم الأثر هنا بمعناه الجمالي المفتوح، أي بوصفه تجربة تتكوّن في التلقي أكثر مما تُستخرج من النص. ويمكن مقارنته، على نحو تقريبي، ببعض التصورات الحديثة لتلقي العمل الأدبي، كما عند:
- رولان بارت في حديثه عن أثر النص،
- أمبرتو إيكو في مفهوم القارئ المتعاون،
- موريس ميرلو-بونتي في المقاربة الإدراكية.
شاعر ومترجم من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي